فاس: بصيص أمل في نهاية نفق الإدمان المظلم

الثلاثاء 14 نوفمبر, 2017 16:47 وكالة المغرب العربي للأنباء
إحاطة -

بعد عبور للصحراء، طويل ومؤلم، يبدو أن بصيص أمل يلوح أمامهم. هم نزلاء مركز طب الإدمان بفاس، الذي افتتح عام 2015 من أجل مساعدة هذه الفئة على الإنعتاق من جحيم الإدمان.

من مدخل المبنى الجميل المطلي بألوان بهيجة، يظهر أنه تم العمل على توفير كل ما من شأنه أن يشجع المريض – وأسرته – على ولوج المكان. وعلى الرغم من أنه شيد داخل مستشفى ابن الحسن للطب النفسي، فإن المركز الذي أصبح في ظرف وجيز مرجعا فعليا، يعد بالأحرى بنية للدعم الاجتماعي، وفضاء للعيش حيث يتم تقديم الرعاية من أجل الفطام والمساعدة على الاقتناع بمبدأ الامتناع، في سياق عملية مواكبة المرضى المدمنين بالخصوص على تناول الكحول والمواد ذات التأثير النفسي.

بطاقة استيعابية تبلغ 18 سريرا، يعطي مركز طب الإدمان بفاس الانطباع بالتواجد في منزل عائلي كبير، بالإضافة إلى توفر ملعب رياضي، وقاعات للياقة البدنية، وفضاءات بيداغوجية ومتعددة الوسائط، وصالون مغربي فسيح وحديقة داخلية.

وإن كان القيمون على المركز الإستشفائي الجامعي الحسن الثاني، الذي يتبع له مركز طب الإدمان، يوضحون أن هذه المؤسسة تطمح إلى أن تصبح مرجعا في مجال الرعاية، فإن ذلك قائم خصوصا بفضل مسار هذه الرعاية التي يؤمنها فريق من المتخصصين.

وقالت إيمان توفيق، عالمة النفس الإكلينيكي بمركز طب الإدمان، والمتخصصة في العلاج المعرفي السلوكي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إنه عند وصول المريض إلى المركز، يستقبل من طرف طبيب نفسي لإجراء مقابلة أولية، يليها اجتماع للجنة تضم مختلف التخصصات بالمركز لاتخاذ قرار بشأن احتمال قبول ولوجه.

وتوضح المعالجة النفسية، التي بدت منبسطة الأسارير بشكل يترك تأثيرا على نفسية مخاطبها، أن طرق الرعاية الطبية تختلف حسب الحالات، وأيضا تبعا لظروف تناول المخدرات، والبيئة المحيطة، والوضعية الشخصية وعوامل الخطر.

وعند توفر هذه المعطيات مجتمعة، يتم وضع مسودة مطابقة لكل حالة، إلا أن العلاج يمر عموما بخطوتين رئيسيتين: تناول الأدوية في إطار العلاج النفسي، وعقد جلسات العلاج النفسي.

وهكذا يبدأ اليوم داخل المركز بجلسة استرخاء، تليها جلسة أخرى مع الطبيب النفسي لتقييم حالة الفطام لدى المريض، ثم جلسات العلاج النفسي.

وموازاة مع مسار الرعاية، يتتبع المريض برنامجا كاملا من الأنشطة الترفيهية، والفنية، والثقافية لمساعدته على تنشيط دماغه وتأثيث يومه.

ويحرص مسؤولو المركز على إتاحة كافة الفرص للمريض.. ألعاب في رياضات تنس الطاولة، وكرة القدم، وكرة السلة، والرسم، والقراءة، والنقر على لوحة مفاتيح أحد أجهزة الحاسوب في قاعة الوسائط المتعددة، والقيام بتمارين اللياقة البدنية في قاعة الألعاب الرياضية أو الجلوس في الصالون المغربي الفسيح لمتابعة البرامج المفضلة، خاصة مباريات كرة القدم.

بفخر، يؤكد الدكتور منير الجعفري، الطبيب المقيم بمستشفى ابن الحسن: “نبذل كل الجهود من أجل مساعدة المريض على استعادة حياته الطبيعية وتبني السلوك الحسن عند خروجه من المركز”.

ويوضح أنه “بالإضافة إلى إمكانية الاستشفاء التي يقدمها المركز، نعالج جميع أنواع الإدمان: القنب الهندي، والكحول، والمخدرات الصلبة، والإكستاسي، والمورفين، وكذا الإدمان السلوكي الذي لا يرتبط بمواد سامة”.

وفي الحالات التي يتضاعف فيها الإدمان بمرض نفسي، فإنه يتم تأمين التكفل بالعلاج بالنسبة الإدمان وبالمرض النفسي أيضا.

ويؤكد الدكتور الجعفري أن النتائج “مشجعة”، مبرزا أن المركز يتلقى عددا كبيرا من الطلبات من علماء النفس وأخصائيي الإدمان والعاملين في مجال الصحة العامة بالنسبة للمرضى الذين لا يتوصلون إلى الإقلاع عن الإدمان رغم المساعدة الطبية.

ومع ذلك، يظل الطبيب حذرا، معتبرا أن التتبع من لدن الأسرة على وجه الخصوص، يعد عنصرا حاسما في تحقيق النتائج المرجوة.

وبعد فترة الاستشفاء، التي تستغرق شهرا واحدا على الأقل، لا يترك معظم المرضى الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة والذين ينتمون إلى مختلف الفئات الاجتماعية لحالهم، إذ يواصل الأخصائيون بالمركز متابعة منتظمة تقريبا لكل مريض من المرضى الذين بإمكانهم حتى المشاركة في إحدى جلسات “البوح” التي تعقد كل يوم جمعة.

وفي كل الحالات، فإن المرضى الذين التقت بهم وكالة المغرب العربي للأنباء يستوعبون جميعا أهمية الفرصة التي يقدمها لهم المركز، ويبدون عازمين على طي صفحة الإدمان.

وتحت العين النبيهة لآسية رزوق، الممرضة الرئيسية بالمركز، ولكن أيضا الأخت الكبيرة للشبان الأصغر سنا، يبسط عدد من المرضى على الورق مشاعرهم وحياتهم وآمالهم، في إطار ورشة عمل للتعبير الفني.

ويسر أحد هؤلاء بالقول: “أبدا، لن أكرر ارتكاب نفس الأخطاء”، حاكيا كونه جرب تناول مختلف أنواع المخدرات، قبل أن يلج المركز.

ويبرهن هذا الشاب الذي لم يتجاوز العشرين سنة، عن نضج مدهش بالنظر لعمره. ويبدو جليا أن المصاعب التي اعترضته في حياته صقلت شخصيته، وأنضجت تفكيره.

ويتمثل أمله في “رؤية أي شخص يعاني من الإدمان يغادر فضاء المركز من أجل أن يتعلم كيف يقاوم الإغراء ويبدأ حياة جديدة”.

وبالنسبة للمعالجة النفسية إيمان توفيق، يبعث عمل مركز طب الإدمان على الأمل، مشيرة في هذا الصدد إلى حالات بعض المرضى الذين عولجوا داخله والذين يعودون كي ينشطوا مع علماء النفس جلسات “البوح”.

إنها الرغبة ذاتها لمريض شاب آخر، مرح وفصيح. يقول إنه يتطلع بفارغ الصبر إلى اليوم الذي سيطوي فيه نهائيا صفحة الإدمان، حيث سيبدأ حياة جديدة. إن أول شيء يود أن يفعله بعد ذلك هو العودة إلى المركز كي يشجع المرضى الآخرين على المثابرة، ويبرهن لهم بأن “الأوان لم يفت أبدا كي يصبح المرء كما كان يجب أن يكون”.