الحقيقة الكاملة في قضية حرق فرنسية مسيحية لجثة زوجها المغربي المسلم

الخميس 9 أغسطس, 2018 14:14 جمال الخنوسي تحديث : 9 أغسطس, 2018 14:25
إحاطة -

كانت الساعة تشير إلى الواحدة زوالا عندما غادرت السيدة النبيري وفي يدها رماد حسن النبيري، مغربي مسلم بعد أيام من حكم قضائي نهائي بتسليمه لـ”زوجته” الفرنسية المسيحية.

حسم الأمر إذن، غير أن النقاش لم ينته، والقضية لم تكشف كل أسرارها.

خلاف أسري

انفجرت قبل أيام قضية شائكة لمهاجر مغربي يدعى حسن النبيري، 47 سنة، وافته المنية بعد لدغة حشرة سامة بفرنسا، يوم 25 يوليوز الماضي، بعد 5 أيام من دخوله للمستشفى. فسلمت السلطات جثته لزوجته الفرنسية المسيحية التي قررت حرقها “عملا بوصية زوجها”، فيما أصرت أسرة الهالك على حقها في تسلُم جثة الفقيد، ودفنها على الطريقة الإسلامية في أحد المقابر المخصصة لأموات المسلمين.

أمام هذا الوضع الشائك، دعى عمدة مدينة ليموج الطرفين للجوء إلى القضاء من أجل الحسم في الموضوع. فيما بقي حسن النبيري في انتظار الحكم النهائي، بمستودع للأموات في أحد مستشفيات بمدينة ليموج.

رسالة إلى الملك

إلى جانب لجوئها للقضاء الفرنسي ناشدت فطومة، والدة الفقيد، الملك محمد السادس للتدخل في قضيتها ومساعدتها على الوصول إلى مبتغاها من خلال فيديو نشر على يوتوب ورسالة خطية شرحت فيها ملابسات ماحدث.

وقالت فطومة، في الرسالة “ابني حسن النبيري، لا يحمل إلا الجنسية المغربية، وهو مسلم، وزوجته الفرنسية ترغب في حرق جثمانه، وهو ما لا يليق بنا كمسلمين”.

وفي السياق ذاته، راسلت أسرة النبيري، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حيث دعته للتدخل لإنصافها وتمكينها من دفن ابنها وفق التعاليم الاسلامية.

موقف الحكومة

من جهته، أعلن مصطفى الخلفي، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات العامة مع البرلمان و المجتمع المدني و الناطق الرسمي باسم الحكومة، يوم الخميس 2 غشت 2018 ، انه لا يمكن تحت أي ظرف من الظروف القبول بالحكم الذي أصدرته إحدى محاكم مدينة بوردو الفرنسية و الذي يقضي بتسليم جثة الفقيد إلى زوجته التي قررت حرقها على طريقة ديانتها.
وقال الخلفي، في اللقاء الصحفي، عقب اجتماع المجلس الحكومي،بالرباط ، “نرجو أن تتم مراجعة هذا الحكم لأن هذا الأمر فيه مس صريح بكرامة المواطن المغربي المتوفى، وأيضا بشعور عائلته بالمغرب، وهو أمر لا يمكن قبوله تحت أي ظرف من الظروف”.

كلمة القضاء

غير أن القضاء الفرنسي وقف في جميع مراحل التقاضي إلى جانب الزوجة الفرنسية في مواجهة الأسرة المغربية، حيث رفضت محكمة النقض الفرنسية، النظر في ملف النبيري، وأعادته إلى محكمة الاستئناف، التي سبق أن أيدت الحكم الابتدائي بحرق جثمانه وفق الطقوس الكاثوليكية، حسب وصيته إلى زوجته وأبنائه.

لكن لماذا كان القضاء الفرنسي حاسما في هذه القضية بهذا الشكل القطعي؟

الاجابة يحملها من فرنسا يوسف الادريسي، رئيس الجمعية الفرنسية المغربية لحقوق الانسان بباريس، حيث أشار إلى النقط التي اعتمدها القضاء الفرنسي في إصدار حكمه. والتي كشفها محامي الجمعية التي كانت تسعى لتنصيب نفسها طرفا مدنيا.

وقال الادريسي ل”إحاطة” إن ملف الدعوى يشير إلى أن النبيري لم يكن مرتبطا مع رفيقته الفرنسية بعقد زواج بل يعيشان “تساكنا” أو concubinage فهي ليست زوجته بل رفيقته التي انجبت منه طفلين: ذكر عمره 20 سنة وأنثى عمرها 18 سنة.

وكما شهدت الرفيقة بأن النبيري كان يوصيها بحرق جثته فإن، إفادة ابنيه سارت في نفس الاتجاه، كما أن وثائق الملف تضم تصريحات لبعض أصدقاء الهالك تؤكد ما صرحت به الرفيقة وتبرز رغبة النبيري الأخيرة.

وأكد الادريسي أن القانون الفرنسي واضح في هذا الصدد، ويمنح الأحقية للزوجة والأولاد في أن يتصرفوا في جثة والدهم بالطريقة التي يرونها مناسبة، خاصة أنه سبق أن أوصاهم بحرقه في حالة وفاته، مضيفا أن القاضي الفرنسي لا يؤمن إلا بالوثائق، ولا يهمه أن يكون الراحل مسلما أو مسيحيا أو بوذيا أو حتى ملحدا.

وأضاف الادريسي أن القانون الفرنسي يمنح اي فرد حق تحديد طريقة دفنه إما بخطاب خطي أو عن طريق موثق وإلا فإن جثته تسلم إلى أقرب المقربين منه وفي الحالة التي بين أيدينا هم رفيقته وابنه وابنته.

وقال الادريسي إنه في إطار عمل الجمعية التي يرأسها يحث المغاربة وكافة المسلمين والمسلمات، المرتبطين بأجانب من ديانة مختلفة، توثيق رغبتهم، وتحديد طريقة الدفن كما تشير الى ذلك قوانين بلد الاقامة. أكثر من هذا، يشير رئيس الجمعية الفرنسية المغربية لحقوق الانسان بباريس أن قانونا دخل حيز التنفيذ في 2017 يجعل من أي فرنسي متوفى متبرع مفترض بأعضائه، ما لم يمنع ذلك كتابة قيد حياته بغض النظر عن ديانته أو معتقداته.

في المقابل، أكدت أخت الفقيد لجريدة الأحداث المغربية، أن الفقيد مسلم أبا عن جد، ويؤدي كل فرائضه حسب تعاليم الدين الإسلامي، مضيفة، أن أرملة الراحل لم تكن تخطط لتطبيق تعاليم ديانتها كما روج بمواقع التواصل الاجتماع، بل كانت تعاني من مشاكل مادية فاستعصى عليها دفع مبلغ مالي قدره خمسة ملايين لكراء بقعة أرضية بمقبرة فرنسا لدفن الفقيد، مع دفع مبلغ مالي معين كل شهر فاختارت حرقه تفاديا لتبذير هذا القدر من المال.
ونفت أخت الفقيد كل الاشاعات التي تدعي أن الراحل قد ترك وصية تدعو إلى حرقه بعد الممات وقالت “أنا أراقب كل الاشاعات التي تروج حول أخي وهذا يمس مشاعرنا ويحزننا حقا”.

ليست حالة منفردة

ويبقى النقاش مستمرا بين متعاطف مع العائلة المكلومة، ومؤيد لحكم القضاء في بلد للقانون الكلمة الأخيرة. لكن حالة حسن النبيري ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. فقد أباحت الكنيسة الكاثوليكية، حرق الجثث ابتداء من 1963. وحسب موقع قناة العربية، أوقفت السلطات الإيطالية، بمدينة بريشيا، عملية حرق جثة مهاجر مغربي، في 9 ماي 2018، قبل حوالي 20 دقيقة من توقيت تنفيذ العملية. وأثارت إجراءات عملية حرق الجثة آنذاك، احتجاجات أفراد الجالية المغربية بمدينة ميلانو، قبل أن تتدخل الهيئات الدبلوماسية المغربية في المدينة.