مهاجرون مغاربيون تخشاهم أوروبا وتتجاهلهم بلدانهم

على سواحل ايطاليا وإسبانيا، ورغم سوء أحوال الطقس والتدابير الأمنية المشددة التي تتخذها الدول الأوروبية، ما تزال تصل أخبار عن مغامرات الهجرة غير القانونية من البلدان المغاربية والإفريقية الى أوروبا. وفي مواقع التواصل الإجتماعي وبعضها بلغات مزدوجة عربية وأوروبية مثل الألمانية، تنتشر قصص المهاجرين المغاربيين الذين تقطعت بهم السبل بسبب الثلوج وهم في طريق البلقان نحو ألمانيا.
والمثير في بعض صفحات فيسبوك أنها تحولت إلى منابر لسرد قصص مأساوية أو طلب مساعدات ومعلومات حول أنجع السبل أوحتى “الحيل” للحصول على وثائق إقامة لمهاجرين مهددين بالترحيل. وذلك على غرار صفحة بفيسبوك يطلق عليها “لاجئ مغربي في أوروبا” ويلفت نظر متصفحها، أنّ الصورة الرئيسية بها وضع فيها العلم المغربي وعليه شعار”لا أحبك يا وطني”.

وفيما يتصاعد الجدل في أوروبا وألمانيا بالخصوص، حول الإجراءات الأفضل في مواجهة ما يعتبره الساسة وقطاعات واسعة من الرأي العام معضلة ترحيل مهاجرين مغاربيين تٌرفض طلبات لجوئهم، فقد بقي هذا الموضوع على هامش النقاش العام في البلدان المغاربية.
مخاوف ألمانيا
المتتبع لما تتداوله وسائل الإعلام الألمانية وتصريحات الساسة الألمان، يرصد مؤشرين يثيران قلقا متزايدا بألمانيا، أولهما تزايد أعداد المهاجرين المغاربيين غير الشرعيين في وقت تراجع فيه العدد الإجمالي للاجئين الوافدين إلى ألمانيا، وثانيهما ارتفاع معدلات الجريمة في أوساط الشباب المغاربي، حيث ذكرت تقارير سنوية نشرت في نهاية السنة المنقضية أن نسب المغاربيين تصل إلى حوالي 20 في المائة من مجموع الأجانب المدانين من قبل القضاء في جرائم مختلفة، رغم أن نسبة المهاجرين المغاربيين عموما لا تتجاوز 2 في المائة من مجموع المهاجرين في البلاد.
وتدفع الحكومة الألمانية باتجاه مزيد من الضغط على الحكومات المغاربية لإيجاد حلول عبر ترحيل آلاف المغاربيين الذين ترفض طلبات لجوئهم، وذلك عبر منح الدول المغاربية صفة “دول آمنة” ومنحها المزيد من مساعدات التنمية إن هي تعاونت في ملف الترحيل. لكن المعارضة ومنها حزب الخضر يعترض على تصنيف “دول آمنة” بسبب استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في الدول المغاربية، كما اقترح رئيس الحزب، جيم أوزدمير، بالمقابل تسهيل حصول المواطنين المغاربيين على تأشيرات السفر وفرص الهجرة الشرعية إلى ألمانيا، عبر فرص الدراسة والتجارة، بغرض حث هذه الدول على إستعادة مهاجريها غير القانونيين.

وفيما يتوقع أن يحتدم الجدل في ألمانيا حول هذه المسألة لعلاقتها بقضايا الأمن واللاجئين، في أفق الانتخابات العامة التي تشهدها البلاد هذا العام، فان النقاشات العامة في الدول المغاربية لا تضع هذا الموضوع ضمن أولوياتها. ويعتقد خبراء أن من أسباب الصمت أو التجاهل إزاء هذا الملف وجود مشاكل عديدة تثقل كاهل الدول المغاربية من ناحية، ومن ناحية اخرى قد لا ترى حكوماتها مصلحة في فتح ملف الهجرة غير الشرعية. موضوع ترحيل آلاف المهاجرين من ألمانيا، يشبه شجرة تخفي غابة كثيفة من المشاكل التي يواجهها الشباب الذي تصل نسبته إلى 70 في المائة من مجموع سكان البلدان المغاربية الثلاث: المغرب والجزائر وتونس، والتي تناهز حاليا 90 مليون نسمة.
انسداد الآفاق أمام الشباب المغاربي
ففي الجزائر البلد الغني بالنفط والغاز، تنشغل الطبقة السياسية بحالة الغموض حول مستقبل البلاد في ظل حكم الرئيس المريض عبد العزيز بوتفليقة وتراجع عائدات الطاقة، ويواجه الشباب مزيدا من التحديات وارتفاع معدلات البطالة والفقر. وحسب أحدث تصنيف للبنك الدولي فان حوالي 50 في المائة من الشباب الذين تقل أعمارهم عن 20 سنة ليس لديهم آفاق. ففي ظل تراجع عائدات النفط بحوالي 30 في المائة الذي يٌفقد خزينة الدولة ما يناهز 35 مليار يورو، يتعرض مئات آلاف الشبان لمزيد من المتاعب، حيث تعجز الحكومة عن الاستمرار في سياسة شراء السلم الاجتماعي عبر تمويل مشاريع صغيرة للشباب من خلال “الريع النفطي”.
وفي المغرب، البلد الأكثر استقرارا في المنطقة المغاربية، والذي تجاوز احتجاجات الربيع العربي بإصلاحات دستورية واجتماعية “محسوبة”، ما تزال ثمار التنمية المدعومة من أوروبا ودول الخليج، لا تؤتي أكلها لفئات واسعة من الشباب المهمش في الأحياء الفقيرة والبلدات النائية، وتصل معدلات بطالة الشباب في المدن، وخصوصا بين خريجي الجامعات، إلى حوالي 39 في المائة.
أما في تونس، فبعد ست سنوات من الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، تبدو الديمقراطية الناشئة في هذا البلد المغاربي الصغير، وهي تختنق بثقل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، اذ يناهز معدل البطالة 15 في المائة، ويوجد معظم الشباب العاطل والفقير في مناطق مهمشة في غرب البلاد وجنوبها، وهي المناطق التي خرجت منها الانتفاضة ضد الدكتاتورية.
ويبدو الاهتمام الرئيسي لوسائل الإعلام المحلية منصبا حول قضية عودة “الجهاديين” التونسيين من جبهات القتال بسوريا والعراق. وحتى الحديث في وسائل الإعلام التونسية، عن قصة أنيس العامري التونسي المتهم بتنفيذ اعتداء برلين، غالبا ما يتم وضعه في سياق المخاوف من عودة الإرهابيين، الذين تشكل تونس مصدرا رئيسيا لهم ويصل عددهم إلى حوالي 5000 شخص.
لا بل إنّ الجدل في تونس حول هذا الموضوع امتد لمهاجمة سياسة المستشارة ميركل، حيث رفع متظاهرون يوم الأحد الماضي ( الثامن من ديسمبر 2017) في شوارع تونس العاصمة لافتة كتب عليها “تونس ليست مكب قمامة لألمانيا”! وقد أثارت اللافتة استغرابا في صحف ومواقع التواصل الاجتماعي في ألمانيا، اذ تساءل معلقون “كيف يصف تونسيون مواطنيهم بالقمامة !”.
وفي ظل انسداد الآفاق أمام الشباب في البلدان المغاربية، فان الخيارات أمامه محدودة، وغالبا ما تنحصر بين الاحتجاجات في الشوارع أو البحث عن طرق الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا.
خاسرون فقط !
هجرة الشبان المغاربيين إلى أوروبا، والتي كانت بالأمس القريب تشكل ملاذا لهم من البطالة والتهميش، تحولت إلى كابوس، بفعل تسلل آلاف ممن كانوا يعيشون على هامش مجتمعاتهم المغاربية أو بلدان أوروبية تعيش أزمات اقتصادية مثل ايطاليا أو اسبانيا، وبعضهم كان من ذوي السوابق.
وفي ظل رفض بقائهم في ألمانيا، بحكم القانون الأوروبي، حيث لا تتجاوز نسبة قبول طلبات اللجوء للمغاربيين 1 إلى 2.5 في المائة، ومخاطر استقطابهم من قبل شبكات الجريمة المنظمة أو الجماعات المتطرفة، فان المتاعب ستتضاعف على كاهل البلد المضيّف ألمانيا، وستتزايد التداعيات السلبية على صورة البلدان المغاربية وخصوصا منها التي تعتمد على السياحة مثل المغرب وتونس، كما أن مساعدات التنمية التي تحصل عليها تلك البلدان مرشحة بأن تُكبح، تحت وطأة التجاذبات الانتخابية وضغط الرأي العام المحلي في ألمانيا.
خاسر آخر في المشهد، هو الجاليات المغاربية في أوروبا، ففي شارع ايلار (الحي المغاربي) في دوسلدورف وفي حي كالك في كولونيا يشتكي ممثلو الجالية المغاربية من وضعهم بين مطرقة الجريمة وسندان الأحكام المسبقة. ويرون بأنّ الجدل المشتعل بألمانيا حول مصطلح “نافريس” Nafris الذي أطلقته شرطة كولونيا ضمن إجراءاتها الأمنية ليلة رأس السنة على مهاجرين منحدرين من شمال إفريقيا “ذوي سوابق”، يغذي صورا نمطيا عن “مهاجرين غير مندمجين” ويمكن أن يؤدي إلى إطلاق أحكام عامة سلبية على أحيائهم التي تقطنها أجيال من الجاليات المغاربية المندمجة في المجتمع الألماني.
رشيد امجاهد مسؤول جمعية الثقافة والعلوم المغاربية يوضح في تصريحات نشرتها صحيفة “راينشه بوست” الصادرة في دوسلدورف نهاية الأسبوع المنصرم، بأنّ حملات الشرطة فيما يعرف بـ “الحي المغاربي” في دوسلدورف، بحثا عن شبان مشتبهين في أحداث عنف أو سرقة أو مخدرات، لم تؤت نتائج سوى الإضرار بسمعة سكان الحي وأصحاب المحلات التجارية. داعيا إلى معالجة أكثر عمقا للمشاكل التي يثيرها سلوك بعض الشبان، ودون ربط ذلك بخلفياتهم الثقافية أو الجغرافية.

Total
0
Shares
المنشورات ذات الصلة