الجابري ودور المثقف الناقد

الخميس 17 سبتمبر, 2015 15:29 د. خالد الحروب
إحاطة -

في الوقت الذي ينهمك فيه الفيلسوف بفهم العالم والوجود والكون، ينزع “المثقف” بالوعي المعاصر للمفهوم إلى تغيير العالم بالإضافة إلى فهمه. ومن هنا يمكن مقاربة مفهوم المثقف، مفترقاً عن الفيلسوف أو المفكر المتأنف عن الانخراط في الفعل التغييري، من خلال زوايا ثلاث، الأولى هي الرؤيوية وتعني امتلاك “المثقف” رؤية طليعية تشخص الاختلالات في المجتمع أو المحيط حوله أو حتى العالم، وتحدد مسارات معالجتها بل وتقديم الحلول لها. والثانية هي “التغييرية” والتي تأخذ الرؤيوية شوطاً أبعد وتحديداً في اتجاه الرغبة بالتغيير والانخراط به. أما الزاوية الثالثة فهي سقف التوقعات من قبل المجتمع المحيط بهذا المثقف. فهنا وهذه المرة تأتي الإضافة التعريفية من خارج ذات المثقف نفسه وفهمه لدوره، أي من الآخرين الذين ينظرون إليه نظرة إعلاء وتقدير ويتوقعون منه تقديم معرفة ريادية والقيام بدور مركزي في عملية التغيير، بخلاف نظرتهم للفيلسوف أو المفكر أو أي من الآخرين. وهنا نُظر إلى المثقف بكونه الطليعي حامل الشعلة التي تكشف المسار لـ”الجماهير”، وبكونه الأعمق ثقافة ودراية بالمآلات الكبرى للمجتمعات والمصالح الأنانية لنخبها الحاكمة. المثقف هو قلب العملية التنويرية والتعريفية بالاختلالات البنيوية التي تحتاج إلى معرفته العميقة وذكائه ثم شجاعته لكشفها وفضحها وحشد الجماهير ضدها وضد المنتفعين بها.
بيد أن تحديد بعض الجوانب التعريفية لمن هون المثقف لم يحسم ولا يحسم مسائل عديدة تظل مفتوحة ومُولدة لنقاشات أخرى من ضمنها أصناف المثقفين وتوجهاتهم المعرفية. وهنا ولئن كان المثقف الناقد هو من يجب أن يُنظر له بكونه الأكثر تمثلاً لمفهوم ودور المثقف، فإن ذلك لا ينفي مزاحمة أصناف أخرى من المثقفين لاحتلال موقعهم في فضاء التعريف. وقبل الحديث عن المثقف الناقد وتمثل محمد عابد الجابري له بهذا القدر أو ذاك من المفيد التعريج بسرعة على أصناف المثقفين الأخرى. وأول هؤلاء وأكثرهم اشتهاراً ربما على مدار التاريخ هو المثقف الاعتذاري، وهو مثقف التسويغ والتبرير للوضع القائم.المثقفون الاعتذاريون هم المدافعون عن الوضع القائم، عن الاستقرار الموهوم، استقرار الاستبداد، ومثقفو الدفاع عن “الخصوصية الثقافية”. وجزء منهم ينطلق في دفوعه تلك عن قناعات حقيقية تنحاز لرتابة ودفء ما هو قائم على حساب المغامرة بالتغيير. وجزء آخر من هؤلاء يكون مدفوعاً بمصالح شخصية وانتهازية (وهم مثقفو وبطانات الحكم).

والصنف الآخر هو المثقف الإيديولوجي، المقتنع بإيديولوجيا معينة ينطلق منها في رؤية المجتمع والعالم والكون، ويروج لها ويرى فيها الحل الكامل. هو مثقف عميق المعرفة ويمارس النقد، ولكنه نقد منقوص بكونه موجهاً لكل ما يقع ولكل من يقع خارج فضائه الإيديولوجي، في الوقت الذي يعلي فيه من شأن إيديولوجيته وأتباعها ويرى فيها وفيهم تعاليّاً وشبه اكتمال. وضمن أصناف المثقفين أو من يدعون الانتساب إلى تعريف المثقف تسلل من يكمن تسميته بـ”المثقف الشعبوي”، وهو الباحث عن الشهرة وانتزاع إعجاب الجمهور والتصفيق، ومن دون امتلاك المعرفة العميقة، أو الرؤية المنهجية. المثقف الشعبوي، وهو يستند على رافعة الإعلام المتلفز بشكل أساسي. وشروط المثقف الشعبوي لا تتضمن عمق المعرفة والثقافة الرصينة. فما تتطلبه هو درجات قصوى من الإثارة، في المظهر العام، في نبرة الصوت، في السبك اللغوي، في تكنيكات السجال والإفحام، في النزول إلى الحضيض إن لزم الأمر في حلبة النقاشات، في التنبه للمزاج الشعبوي السائد وركوبه وعدم تحديه، في توظيف مفاهيم المؤامرة، والضحية، والاستعمار… وهكذا.

وأهم من هؤلاء المثقف العضوي الذي نحت توصيفه المفكر الإيطالي اليساري أنطونيو غرامشي في ثلاثينيات القرن الماضي. المثقف العضوي هو المنتمي إلى شريحة شعبية محددة أو الشعب بعمومه والمعبر عن همومه والمدافع عنها. وهو يقف، في العالم الثالث، في قلب عملية تحول تاريخي أخرى متمثلة في التحرر ونزع الاستعمار والاستقلال الوطني، وفي مقاومة الاستبداد والتخلف الداخلين في ذات الوقت. المثقف العضوي الغرامشي إيديولوجي هو الآخر، ويساري في غالب الأمر، ولكنه أكثر امتلاكاً وجرأة على النقد، وإن كان نقداً غير مكتمل، ذلك أن الانخراط النضالي في الدفاع ضد هيمنة الآخر دفعه إلى غض النظر عن كثير عن عيوب ذاته المجتمعية ومن يدافع عنهم.

ويتبقى أمامنا المثقف الناقد المطلوب وجوده إنسانيّاً وعربيّاً لأنه يعتمد النقد والابستمولوجيا على حساب الإيديولوجيا حتى لو كان متمثلاً لإحداها.

والمثقف الناقد يتسلح بالنقد ومن منظوره يتضامن مع القضايا، ومن هنا التوكيد العميق لإدوارد سعيد: “لا تضامن من دون نقد”، متأسساً على مفهوم المفكر الفرنسي “جوليان بندا” عن “خيانة المثقف”، أي المثقف الذي يخون فكره وقناعاته عندما يحجم عن نقد ذاته ومجتمعه ومحيطه، ويقصر نقده على ما هو ومن هو خارج تلك الذات وذلك المحيط. المثقف الناقد صاحب مغامرة فكرية وتغييرية يفكر في اللامفكر فيه ويتحدث في اللامتحدث فيه، يتحدى السلطات القائمة سواء كانت سلطات سياسية مُعبر عنها بأنظمة ديكتاتورية مُستبدة، أو سلطات دينية وثقافية مُعبر عنها بتوسيع السلطة النصية للمُقدس سواء أكان ذلك تقليديّاً، أو دينيّاً وما ينتج عنها من حظر للتفكير الحر.

إن المثقف الناقد يتصف بالشجاعة والمروءة في ممارسة النقد في الذات كما هي في الآخر، فهذا النقد هو وحده ما يطور المجتمعات ويعالج اختلالاتها من دون مجاملات فكرية أو سياسية أو تواطؤ إيديولوجي. والنقد هو توأم المعرفة الصحية والصحيحة ومن دونه تكون المعرفة منقوصة ويكون الوعي مزيفاً. وبخلاصة ومع استدعاء مقولة عبدالرحمن الكواكبي التاريخية التي مؤداها أن “الاستبداد هو أصل كل فساد”، فإن المثقف الناقد يصبح هو المثقف المقاوم للاستبداد: الاستبداد السياسي والسلطوي، والاستبداد الثقافي والديني والاجتماعي الذي يُترجم بتوسيع دائرة المُقدس الثقافي والتاريخي والتراثي والاجتماعي والديني.

وفي ضوء ما سبق يمكننا بشكل أو بآخر اختبار تمثل الجابري لمفهوم المثقف الناقد وتقييم دوره وتأثيره الفكري من ذلك المنظور. فالجابري حمل معول النقد طيلة عقود طويلة وعالج به اللامفكر فيه واخترق كثيراً من المقدس التراثي، والفكري، والثقافي، والسياسي، والديني. وهو بهذا قدم خدمة جليلة لثقافته وأمته ومجتمعه. وهناك جوانب عديدة يمكن نقدها في إرث الجابري الفكري وأيضاً في تعامله مع ناقديه لكن إسهامه الأساسي في نقد التراث ونقد الفكر، والعقل العربي، يضعه في مقدمة المثقفين النقديين. واختبار نقدية الجابري يمكن أن يقاس عبر عدة أدوات. ومن تلك الأدوات قياس مدى انحيازه للإبستمولوجيا على حساب الإيديولوجيا، وهو المثقف ذو الخلفية الماركسية والنزعة القومية العربية. ومعنى ذلك أن علينا أن نختبر بتمعن تسلل، أو عدم تسلل، اختياراته الإيديولوجية للحقول المعرفية والأفكار التي قدمها. وبالإضافة إلى ذلك ولا يقل عنه أهمية اختبار عمق الإزاحة الفكرية الثورية التي قام بها لجهة نقد أداة التفكير نفسها، وهي العقل، وعن طريقها نقد موضوع التفكير، عوض الاتجاه مباشرة لموضوع التفكير. وقد أبدع ذلك من خلال رباعية نقد العقل العربي: تكوين العقل العربي، بنية العقل العربي، العقل السياسي العربي، والعقل الأخلاقي العربي، وما خلقته من نقاش ثري وعميق في الفكر العربي خاصة مع النقد الموسع لها الذي قدمه جورج طرابيشي ولا يقل أهمية عن نص الجابري إن لم يتفوق عليه في تفكيك الإشكاليات وفتح فضاءات الفكر والتفكير.