هكذا تقتلون السينما !

الأربعاء 23 سبتمبر, 2015 12:20 غسان الكشوري تحديث : 23 سبتمبر, 2015 14:01
إحاطة -

هل أصبح اليوم الذهاب إلى السينما إنجازا عظيما ؟ طرحت هذا السؤال على نفسي وأنا أهيم بالذهاب إلى أحد القاعات السينمائية الصامدة في وجه الانقراض وأفول أخواتها من القاعات. ففي كل سنة نسمع في المغرب أن قاعة ما تسدل ستائرها إلى الأبد. ومع أن سؤالا آخرا يبقى قائما أيضا: هل ستمتلئ القاعات حتى لو ظلت كلها مفتوحة، وكم عدد الذين سيأتون؟ فطرح الأسئلة يولد الأسئلة ويساعد على تكاثر خليتها الأحادية: السينما.
هذه التساؤلات تتكرر على المستوى الخارجي، أي قبل أن تطأ قدمي بعض القاعات السينمائية. وتنمحي كعادتها في ظلمة القاعة مباشرة؛ لأن ما يقع ويتكرر داخل تلك الظلمة وأثناء المشاهدة هو أيضا سيشغل حيزا من تفكيري على المستوى الداخلي: أثناء الفيلم ترى ضوء الهاتف، وتسمع ضحك شابين، وهمسة الشاب لرفيقته وهو يعانقها، وبين الحين والآخر يمر المكلف بين الممرات ويضيء بمصباحه على “الحبيبان” ويقول للفتاة: “لبسي حوايجك..هادشي را حشومة” (ارتدي ثيابك)، وينصرف…الخ. وقد أصبح تكرار هذه المشاهد سيناريوهات للقاعة أمرا “اعتياديا”، وشريطا موازيا لفيلم شاشة العرض.
ذهبت الأربعاء 22 شتنبر، لأشاهد فيلم “نصف سماء” للمخرج المغربي عبد القادر لقطع، في القاعة السينمائية “ريالطو” بالدار البيضاء، وسأسمي إسم القاعة لأن ما فعله القائمون على العرض هو المعني في هذه السطور. وكنت متأهبا لمشاهدة هذا الفيلم؛ لأنه حضي مؤخرا برأي بعض النقاد وفاز ببعض الجوائز خارج المغرب. ولأنه عن تجربة الاعتقال، المسكوت عنه غالبا، في سبعينيات “مغرب الرصاص”. ولأنه أيضا عن الشاعر عبد اللطيف اللعبي والناشط السياسي أبراهام السرفاتي.. ولأنني “سينيفيل” تحتم علي الضرورة السينمائية أن أشاهد الإنتاجات المغربية.
قبل العرض اتصلت هاتفيا برقم القاعة السينمائية “ريالطو” لأتأكد من وقت العرض، فأخبرتني السيدة المكلفة بالاستقبال أنه مع الثامنة مساء، ورغم التأخير المتكرر عند أغلب القاعات عن توقيت العرض، قدمت مبكرا بربع ساعة وانتظرت. ولعلمي لظرفية العيد (قبل العيد بيومين) توقعت أن لا يكون حضورا مكثفا أمام الباب. وتوقعت أيضا عند حلول الثامنة، أن يخرج عدد قليل كان يحضر العرض قبلي. لكن تفاجأت بالمكلفة بالمدخل تقول لي “ادخل لقد بدأ الفيلم”.. لم أستسغ ما قالته وارتبكت،  بكل حرصي ألا أفوت أي شيء من الفيلم، وأنا أسألها كيف ولماذا.. ؟!
وكانت صدمتي أكبر عندما دخلت ووجدت الفيلم في لقطة لجوسلين اللعبي (أدت الدور صونيا عكاشة) في أحد حواراتها، استغربت وحاولت أن أساير الأحداث وأفهم. وللإشارة فقد أعجبتني فكرة ترجمة الحوارات المنطوقة بالفرنسية إلى العربية (Sous-titrage)؛ وهذه النقطة تحتاج إلى تفصيل في مقام آخر، لأنها الحفاظ على مادة الفيلم الخام بلغته وترجمته للمتلقي كيفما كان، تساعد على ارتياد السينما عند البعض في رأينا.
رجوعا إلى الفيلم ومع الحالة الاعتيادية التي غالبا ما أشاهدها داخل القاعات: من يتحدث بصوت خافت، ومن يهمس، ومن يدردش عبر الهاتف… (يقع نفس الأمر حتى في القاعات الأغلى والأحسن تجهيزا !). ومع مرور الأحداث والمشاهد انتابني شعور أن ما فاتني أول الفيلم يؤثر في فهمي للأحداث. حاولت تجميع معارفي السينمائية والتركيز مع الفيلم من الناحية الإخراجية والجمالية والسيناريو.. عسى أن أحدد “موقفي السينيفيلي” كما أفعل عند نهاية كل فيلم. لكن أحد المشاهد كشف الغطاء عن المستور، كما يقال؛ قاموا بتسريع اللقطات والأحداث بشكل واضح، كما لو أننا نشاهد الفيلم في مرحلة “ما قبل الإنتاج”، أو نشاهد الموضب يقوم بعملية التوليف، أو تسريع Accélération (أو تقنيةTime-lapse) لبعض المشاهد. ولحظتها عرفت أن العرض عملية احتيال وخداع لنا، وللمنتج وللمخرج ولكل فريق العمل..بل وحتى المشاهد المغربي. لأن القاعة التي نتساءل عن سبب غيابنا عنها، أضحت هي التي تخدعنا وتوهمنا أن ما نشاهده هو الفيلم الذي ائتمن المخرج القاعات عليه. هذا التحايل يطرح تساؤلا عن مدى مصداقية القاعات السينمائية، هل يمكن أن نثق في ما تعرضه القاعات السينمائية ؟!
من عادتي أن ابحث عن معلومات الفيلم قبل أن أشاهده: عن مخرجه، ممثليه، ومدته الزمنية، وأشاهد إعلانه الدعائي. وقبل مجيئي كنت أعلم أن مدة الفيلم هي ساعة وإثنان وأربعون دقيقة (1h42min). انتظرت نهاية الفيلم لأجل أن أتأكد كم احتالوا علينا، انتهى مع الساعة التاسعة وعشرين دقيقة، أي مدة الفيلم كانت (1h20min) أقل بعشرين دقيقة عن مدته الحقيقية. راسلت مخرج الفيلم بعد خروجي من العرض فأكد لي أن مدته ليست هي ما شاهدت..وأن بعض القاعات تفعل هذا الامر للاسف !
يمكن أن يخرج أي شخص غير مبال من القاعة، وفي ظنه أنه شاهد الفيلم. وربما لعدد الحضور القليل ولظرفية المناسبة استغل القائمون على القاعة وقاموا باغتيال رغبتنا في ارتياد السينما. لكن هذا ليس مبررا ولا ظرفا عابرا. ولكونك أيها القائم على سينما “ريالطو” أو مسؤولي القاعات عموما، تدعون أنكم تنتسبون لقطاع يحاول النهوض من أعلى هرم في مؤسساته؛ بنقاشات وكتابات نقاد ومجهود مخرجين وندوات. فما يقع في القاعات أثناء العرض هو لامبالاة واستغباء للمشاهد، الذي نلومه في نفس الوقت عن اقتنائه أفلاما منسوخة على أقراص “ديفيدي”. وإنه كذلك استهتار بالسينما والفن، وسرقة بالمعنى الأدبي والفني… والمادي.
هكذا تقتلون السينما !