جماعات الإسلام السياسي تشكل اليوم أكبر خطر على السياسة والمجتمع والوطن

الأثنين 1 يناير, 2018 21:35 محمد بوبكري
إحاطة -

إذا تأملنا  في  الدين من حيث هو وجهة نظر وممارسة  كما هو موجود في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وجدناه في جانب منه يحمل نوعا من التسامح، غير أن التسامح الممارس اليوم من قِبٓل دعاة  الإسلام السياسي  في بلادنا لا علاقة له بالديمقراطية، لأن هذه الأخيرة تقتضي المساواة  وتنهض على  المواطَنَة، في حين يمارس هؤلاء التسامح بنوع من العصرية والتعالي على الآخر، إذ يعتقدون بأنهم  وحدهم  يمتلكون الحقيقة كلها، وأن الحق حكرا عليهم دون غيرهم، وليس بجانب من يخالفهم ويختلف عنهم، ومع ذلك فهم يدعون التنازل للآخر  ويسمحون له يالوجود عبر ممارسة طقوس  معينة…

ونظرا لكون الدولة مسؤولة عن الدفاع عن المصلحة العامة  ورعاية حقوق المواطن باعتباره مواطنا، وليس عن رعاية حقوق المسلم بكونه مسلما، ولا عن رعاية حقوق  اليهودي بكونه يهوديا،  ولا عن رعاية حقوق المسيحي  بكونه مسيحيا، فالإسلام السياسي لا يعترف  بالدولة بصفتها راعية لحقوق المواطن بالمفهوم الكوني للحقوق والمواطنة، وإنما ينظر إليها بكونها راعية لحقوق المسلم فقط كما يفهمها محدِّثوه وفقهاؤه. وعلى العكس من ذلك، لا تنظر الديمقراطية إلى  الإنسان بناء عَلى انتمائه الديني، أو العرقي، أو اللغوي أو الجغرافي وما إلى ذلك..

بالإضافة إلى ما سبق، يجب ألا يتم توظيف الدين لخدمة السياسة ولا اتخاذه مطية لتحقيق مآرب سياسية، لأن ذك يفسد الدين والسياسة معا، بل يفسد الحياة  والمجتمع، حيث يقود إلى العنف، ويحول دون بناء المجتمعين المدني والسياسي ديمقراطيا. ويعود ذلك إلى أن العنف هو أصل كل ما هو أسوأ.

لذلك، يجب ألا يسود الإسلام السياسي الحياة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لأنه سيعيد هذه المنطقة خمسة عشر قرنا إلى الوراء، وهذا ضد الثقافة وضد الإنسان،  وضد التطور، وضد المستقبل. بل إنه ضد الدين  ذاته، لأن الدين كان يتطور ذاتيا، حيث ضرب الله مثلا للتطور بالناسخ والمنسوخ من خلال إلغاء آية لما سبق أن قالته آية أخرى، وإسقاط العمل بالأولى لفائدة الثانية، وقد قال سبحانه في هذا الصدد: « مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ ».

لقد أكد تطور الأحداث في هذه المنطقة أن تفشي ظاهرة  الإسلام السياسي فيها قد أدى  إلى ممارسات لا مثيل لها  قي تاريخ الوحشية، إذ نجم عنها استفحال القمع والقتل والتشريد وتدمير الأوطان وهدم الدولة ، كما أدى  إلى إقحام القوى الدولية في الشأن المحلي لبلدان هذه المنطقة، بل وحتى إلى التحكم في مصيرها، ما حوٰٓل المعارضات الإسلاموية إلى أدوات ووكلاء لتنفيذ إستراتيجيات القوى العظمى في المنطقة بالنيابة، بل لم يتردد بعض تلك المعارضات المتأسلمة في إشهار تواطئه مع القوى الدولية من خلال مطالبتها بأن تتدخل في بلاده.

وَهَذَا ما يكشف بوضوح وجود أيادي أجنبية تعمل على تقوية الإسلام السياسي بهذه المنطقة. وإذا رجعنا إلى تاريخ الاستشراق، وجدنا أنه قد تخلى في المراحل الأخيرة عن دراسة ابن رشد وابن النفيس وغيرهما، كما أنه عمل على جعل السلفية الحنبلية محورا أساسا للفكر الإسلامي، وذلك رغم أن الطبري لا يعترف بابن تيمية بكونه إماما أو فقيها، بل اعتبره مجردمٌحٓدِّث، حيث لم ينظر إليه بكونه فقيها مجتهدا (عبد الله العروي). ونظرا لكون المذهب  الحنبلي هو الآكثر  انغلاقا من المذاهب الأخرى لأنه يدَّعي نبوة جديدة، فقد ركزت عليه الدراسات  الاستشراقية  واعتبرته  أساسا للفكر الإسلامي ، وذلك بغية توظيفه لخدمة إستراتيجية القوى العظمى بمنطقة الشرق الأوسط الرامية إلى تفتيت أوطانها بهدف بسط سيطرتها عليها للاستئثار بخيراتها…

ومن المؤسف جدا أن نجد أن جل الدول التي قادت فصول   ما سّمِّي بـ”الربيع العربي” هي دول موغلة في الرجعية إلى أقصى الحدود، حيث  لا تتوفر حتى على دستور، في حين لا يمكن أن تقود التغيير إلا القوى الديمقراطية لأن هذه العملية تقتضي استعمال أسلوب حضاري وسلمي من الداخل، وبدون ذلك لا يمكن أن يحدث إلا النكوص والارتكاس والمآسي والكوارث…

لقد أكدت التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط أن طوائف  الإسلام السياسي لا تريد تغيير المجتمع عبر بنائه ديمقراطيا، بل تريد فقط الاستيلاء على السلطة بالعنف. ونظرا لكون السلطة جزءا من المجتمع، فإصلاحها يأتي تتويجا لتغيير المجتمع ثقافيا وديمقراطيا من الداخل. ومن أراد تغيير السلطة فورا وعبر ممارسة العنف، بدون القيام بتغيير المجتمع، فهو لن يغير أي شيء، بل يتسبب فقط في هدم  ذاته ومجتمعه ووطنه ودولته…

إن الشرق الأوسطيين لم يعملوا منذ ستين سنة على تغيير أي شيء سوى الأنظمة، لذلك بقيت الأمور على حالها، فلم يولد الفرد بعد في مجتمعات  هذه المنطقة، بل إن الشرق الأوسطيين لا يعترفون بالآخر، ولا يعتبرونه شريكا في بناء الحقيقة، وإذا ما اعترفوا به فبكونه منبوذا لا غير. ويعود غياب الفرد إلى طغيان فكر العشيرة والقبيلة  والطائفة، وهذا ما يشكل عائقا في وجه البناء الديمقراطي للمجتمع والدولة معا. لقد تمكنت القبيلة والطائفة  في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا م تذويب الفرد تماما في ثقافتهما وتستوليا على  فكره وعقله ووجدانه، ففقد الفرد استقلاله الشخصي نتيجة خضوعه للنظام الثقافي والاجتماعي لكل من القبيلة والطائفة، فتولدت لديه  حماسة لكل منهما، وتأججت نارها في نفسه . هكذا تولدت العصبية الشديدة عند كل من القبيلة والطائفة لعضو كل منهما، وعند هذا الأخير لكل من الطائفة أوالقبيلة.