جذور الإرهاب التكفيري ثقافية

الأحد 14 يناير, 2018 12:07 محمد بوبكري
إحاطة -

لا جدال في أن الإرهاب جريمة كبرى، لأنه يشكل  الدرجة القصوى للوحشية؛ فهو ضد الإنسان والحضارة والمستقبل، كما أنه يعكس صورة سلبية عن الآخر، حيث يعبِّر عن كراهية كبيرة للغير، ما  يدل على أن الإرهابييين يتصرفرن  كما لو أنَّ هذه الأرض خُلقتْ لهم وحدهم وأنه لا يحق لغيرهم أن يوجد فوقها.

ورغم أن القرآن نص عظيم، فقد حوّلته جماعات الإرهاب التكفيري إلى نص صغير، إذ أصبح يبدو كأنه مجرد أفكار إيديولوجية تروم الاستيلاء على السلطة. وبذلك، حُجِّرَ الإسلامُ وتوقف عن كونه رسالة. ولفهم ظاهرة الإرهاب التي  تمارسها الجماعات الإرهابية التكفيرية اليوم، يجب الرجوع إلى جذور هذه الممارسة في التاريخ العربي الإسلامي. فبدون ذلك، لا يمكن مواجهتها ثقافيا. يجب أن يكون مدخل مواجهتها ثقافيا قبل أن يكون سياسيا،

إذا عُدنا إلى تاريخ السلطة السياسية الأولى في تاريخ الإسلام وجدناها قائمة على العصبية القٓبٓلِية، حيث فشلت كل محاولات الأنصار من أجل  إشراكهم في السلطة، فانحصر تقلُّد الحُكم في قريش، بل إن الخليفة عمر قال لبني هاشم: لقد كانت النبوة منكم ولا يجوز أن تكون الخلافة لكم، لأن العرب لن يقبلوا بذلك. ويفرض التأمل في تاريخ الخلافة الإسلامية طرح السؤال التالي: لماذا مات الخلفاء الأربعة الأوائل قتلا؟ عمر  وعثمان وعلي، كلهم ماتوا قتلا؟ وفي رواية أخرى، يقال إن أبا بكر قد مات مٌتٓسٓمِّما من قِبٓل طبيبه. ومنذ ذلك الوقت، تأسس الصراع القبلي حول الخلافة. وهذا هو عمق الصراع على السلطة الدائر اليوم بين القبائل والطوائف  ومختلف  العصبيات العربية التي ظلت تقتل بعضها بعضا على امتداد التاريخ العربي الإسلامي؛ فالحروب العربية العربية لم تتوقف على مدى تاريخ الشعوب العربية الإسلامية الحافل بأشكال القتل والاغتيال والتعذيب والتمرد والتطاحن. فعلى مدى أربعة عشر قرنا، لم يستطع العرب والمسلمون أن يبنوا  مجتمعا مدنيا واحدا، فبقوا عبارة عن تراكمات قٓبٓٓلِية وعشائرية وانتماءات طائفية، ونعرات تنام مُكرهة، لكن ما إن تتأتى لها الظروف المواتية حتى تستيقظ وتنفجر في وجه المجتمع..

نتيجة لذلك وامتدادا له، دخلت مجتمعات الشرق الأوسط اليوم في مرحلة فوضى ودمار لانهائيين، لا خلاص منهما إلا بممارسة قطيعة مع هذا التاريخ الذي تحكمه ثقافة القتل والاغتيال والدسائس والمكائد والمؤامرات. فداعش وغيرها من الجماعات الإرهابية هي انفجارات تطفو من عمق الماضي على سطح واقع الراهن المعقد إلى حد أصبحت معه كلمة “ثورة” متسخة ومقرفة، لأنَّ الذين يقومون بها اليوم هم أناس أكثر تطرفا ووحشية من الأنظمة التي يثورون عليها. وعندما نتأمل المجتمعات الديمقراطية الحديثة التي عرفت ثورات حقيقية، نجد أن هذه الثورات شكلت قطيعة مع التاريخ والتراث الكهنوتي للمجتمعات التي شهدتها، كما أنها بنت ثقافات ومجتمعات جديدة تنهض عَلى القانون وحقوق الإنسان، بل إنها هيأت الظروف لبناء ديقراطية فعلية. وعلى العكس من ذلك، فما سٌٍمِّي بـ «الربيع العربي» أو «الثورات» في الشرق الأوسط ليس سوى نكوص إلى الوراء لأنه يروم العودة إلى الماضي لحل مشكلات الحاضر والمستقبل، إذ تكرس هذه “الثورات” الصراعات القٓبٓلِية والطائفية، ما يفسر العنف الذي تعيشه اليوم هذه الرقعة من العالم.  والعنف ظاهرة وحشية ولا إنسانية، بالتالي فمن الصعب معرفة إلى أين يمكن أن يقود هذا التوحش، حيث توجد أمام هذه المنطقة مهاو  كثيرة، ما قد يُدخلها بالتالي إلى مرحلة انقراض وليس إلى حقبة نهوض كما يزعم البعض؛ إنها  أشبه ببحيرة مليئة بالسمك، ضربها الجفاف فجأة فأخذ السمك يأكل بعضه بعضا؛ هذا يقتل بِاسْم القبيلة، وذاك باسم العشيرة، والآخر باسم الطائفة…

لقد تحوّل الإسلام اليوم مع جماعات الإرهاب التكفيري إلى إيديولوجيا. ومنذ وفاة الرسول (ص) توقف عن كونه رسالة، وأصبح سلاحا من أجل الوصول إلى السلطة، فصرنا أمام أنواع عديدة من الإسلام بسبب تعدد المذاهب والطوائف، ما  يقود إلى التفرقة والصراعات الدموية والدمار. لذلك، يجب أن يتخلص الإسلام من الكهنوتية التي أصابه بها الإرهاب التكفيري بشتى أنواعه ومختلف جماعاته. وتتمثل خطورة ذلك في أن اللجوء إلى الطائفة يوقظ المشاعر الطائفية، والأمر نفسه ينطبق على اللجوء إلى القبيلة، ما أدخل مجتمعات هذه المنطقة في دوامة من الاقتتال والعنف اللا نهائيين.

إن العنف والاقتتال يؤديان إلى التدخل الأجنبي والتبعية للقوى العظمى.  وهذا ما حدث بالفعل في منطقة الشرق الأوسط التي أصبحت تمشي اليوم على كرسي متحرك، بعد أن فقدت إرادتها وأصبحت مجرد أداة في يد القوى العظمى، بل صارت كرة تتقاذفها أقدام هذه القوى.

فليس هناك أي أفق لهذه المنطقة ما لم تخرج بمعجزة من هذا النفق المظلم، وتنتقل من السياق الحالي إلى سياق آخر يفضي إلى  القطيعة مع الماضي وثقافته وبناء مجتمع جديد وثقافة جديدة  وفصل الدين عن السياسة وجعل الإسلام شأنا فرديا وليس جماعيا، وسيادة القانون وسن الحرية بكل أنواعها، وإزالة التصنيفات الطائفية والقَبَلِية، وتحرير المرأة وتمكينها من حقوقها كاملة…

إن الثورات الثقافية والعلمية التي عرفها ويعرفها عالمنا الحالي تضع رهن إشارتنا أدوات ومناهج تمكننا من قراءة القرآن الكريم قراءة أكثر عمقا مما فعل السلف. وهذا ما سيمكننا من فهم تاريخنا وذواتنا وثقافتنا والآخر كذلك. تبعا لذلك سيكون في إمكاننا أن نفهم ما قاله السلف وآثار ذلك علينا اليوم. كما سيمكننا من معرفة معاني الدراسات الاستشراقية والكشف عن أهدافها ومراميها. هكذا سنتحرر من أغلال تراثنا وَسنفهم الخطابات الاستشراقية وانعكاساتها علينا في آن واحد…. وسنتمكن من مواجهة الإرهاب التكفيري ثقافيا…