حول مأسسة الدين وتحويله إلى أداة للاستيلاء على السلطة

الجمعة 9 فبراير, 2018 22:47 محمد بوبكري
إحاطة -

يقود التأمل في تاريخ مجتمعات الشرق الأوسط المعاصر إلى استنتاج أن العرب مأخوذون بشهوة السلطة، كأن بهم مسٌّ منها، حيث لا زال ينطبق عليهم ما أسماه ابن المقفع قديما بـ «سُكر السلطة» أو «ثمالتها»… فهم لم يعملوا طيلة الفترة الممتدة من النصف الثاني من القرن العشرين إلى العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين إلا  على تغبير السلطة لا غير، دون اكتراث بتغيير المجتمعات،اعتقادا منهم أن تغيير الأنظمة يؤدي حتما إلى تغيير المجتمع وإقامة العدالة توّا، والحال أن العكس هو الصحيح، إذ عندما يتغير المجتمع حينها تتغير السلطة، وهذا ما لا يدركه العرب. ويعود ذلك إلى تأثر هذه المجتمعات بفكر الإسلام السياسي الذي ينهض على تصور يعتقد أن مشكلة هذه المنطقة لا تكمن في المجتمعات، بل في مدى تطبيق الشريعة الإسلامية، لأنه – حسب رأيهم دائما – إذا ما تم تطبيق الشريعة فمشكلة المجتمع ستحلُّ بشكل أوتوماتيكي وفوري وكامل. لذلك يرى أصحاب هذا التصور أن المشكلة كامنة في انحراف السلطة عن تطبيق الشريعة، وبالتالي فهم يوقنون بوجوب تغيير السلطة القائمة بأخرى دينية تطبق الشريعة، حسب فهمهم لنصوص هذه الشريعة، وبعد ذلك ستُحَل مشكلات المجتمع والدولة….

يبدو لي أن هذا التصور تبسيطي، كأنه لا يوجد وراءه عقل سياسي، بل هو معدوم الصلة على الإطلاق بمفهوم السياسة كما هو متعارف عليه اليوم كونيا، وقريب جدا من الخيمياء التي كان يمارسها السَّحرةُ قديما، حيثُ كانوا يظنون أنه بإضافة مادة إلى أخرى يمكن إحداث تحول كبير يفضي إلى الحصول على معدن نفيس كالذهب. إن هذا التصور ميكانيكي لا علاقة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، إذ يظن أنه يكفي الإنسان أن يضغط على زر، فتتم تلبية رغبات البشر ويتغير التاريخ والمجتمع والسلطة، بل إن العلم نفسه قد تخلى منذ بدايات القرن الماضي عن مبدأ الحتمية الخطية لفائدة أخرى دائرية (نسقية)، وأصبح يقول بمبدئي «الاحتمال» و«اللايقين»…

إضافة إلى ذلك، يرى هذا التيار الديني التكفيري، شأنه شأن باقي التيارات الإيديولوجية الموغلة في الانغلاق والتمسك بحرفية النصوص، أنَّهُ يمتلك تصورا كاملا لشكل الحكم والدولة والمجتمع وكيفية تنظيمهما وتسييرهما وإدارة مختلف العلاقات بينهما… وكان من نتائج ذلك أنَّ العرب لم يغيروا شيئا، بل ازدادوا تخلُّفا، حيث أصبحوا بدون روح خلاق، لأنهم لا يملكون اليوم قدرة على الخلق والإبداع، ما جعلهم عاجزين عن المساهمة في تطوير  الحضارة الإنسانية. ونتيجة ذلك،، لقد تحوَّلت منطقة الشرق الأوسط إلى فضاء لإستراتيجية لعبة الأمم،كما تحولنا  إلى أدوات تٌحرّٓك من الخارج  لممارسة هذه اللعبة…

إن حلول المشاكل ليست معلقة في الفضاء، بحيث تتطلب مجهود الصعود إلى السماء لإنزالها وتطبيقها لكي تجد كافة مشاكلنا المعقدة حلولا فورية لها. الحلول يتم اكتشافها وتطويرها من خلال الممارسة والتجربة و الإبداع والابتكار، حيث قد يصيب الإنسان، وقد يخطئ، فيتعلم من أخطائه ويستفيد، ويراكم التجارب والرؤى والخبرات….

لا ينجم عن مأسسة الدين وإقحامه في الصراع السياسي والاجتماعي إلا العنف بأشكاله المختلفة، بل وقد تقودُ بعض أشكال ممارسة الدين آنذاك إلى الإرهاب. وعلى العكس من ذلك، يجب أن يكون  الدين انفتاحا على الآخر، وليس إلغاء له، وإلا فهو ينقلب، فيصبح ضد ذاته  وضد الإنسان في آن.. يجب احترام الآخر المختلف واعتبار حقوقه جزءا من الحياة اليومية، بل جزءا لا يتجزأ من حقوقنا نحن.

لا يجب أن نقفز على الحاضر، بل ينبغي أن نراه ونعيش فيه. فليس الدين مجرد ماض يجب الرجوع إليه، بل إنه أيضا مستقبل يتعين الاتجاه نحوه، كما أنَّ الدين أٌنزل من أجل الإنسان، وليس الإنسان هو الذي خُلِق من أجل الدين. لذلك،  لا يمكن أن نتقدم عبر العودة إلى الوراء …

ليست هناك إمكانية لتحديد الحب والفن والمصير، ولا لإيجاد حلول جاهزة ونهائية للقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية…. فهذه  قضايا تقتضي التأمل والاستبصار والتساؤل والعمل والتجربة، وبالتالي فهي ليس لها حلول جاهزة ومسبقة، بل إنها قضايا تعاش، والإنسان المتأمل  يطرح أسئلة ولا يطرح أجوبة جاهزة ومسبقة، ولا يبحث عنها.

لكن من المؤسف أن الناس عامة، وعندنا بالخصوص، يميلون إلى الإجابات الجاهزة والمسبقة، لأنها تبعث على السكينة والطمأنينة، في حين قد لا يكون الطريق المفتوح دوما جوابا للأفق المنتظر، إذ تؤكد دروس التاريخ أنه  قد يكون مليئا بالأشواك والمصاعب والمخاطر.