قلم احمر في تدويل قضية بوعشرين

السبت 14 أبريل, 2018 15:19 عزيز ادمين
إحاطة -

صعد إلى برج عال، ودلى رجليه لأسفل، وأصدر بيانا للرأي العام المغربي والدولي، مستعملا قلما أحمر لتصحيح ما سماها “أخطاء” لدولة بكل مؤسساتها ورجالاتها ونسائها، وهدد باللجوء إلى الآليات الدولية والإقليمية من أجل تدويل ملف موكله.
إنه المحامي البريطاني روندي ديكسون المدافع عن توفيق بوعشرين، المتابع في قضية تحرش جنسي واغتصاب، أصدر في 6 أبريل بيانا من 19 نقطة، يجرد فيها ما سماها أخطاء ارتكبتها السلطات القضائية المغربية في ملف موكله، لكن بلغة متعالية على دولة ذات سيادة ومؤسسات قائمة الذات، واستعمل لهجة تهديد في حال عدم الاستجابة الفورية لإطلاق سراح موكله باللجوء الى الأجهزة الدولية والإفريقية.
أول ملاحظة حول البيان التهديدي، هي أن ديكسون إما استعان بخدمة غوغل للترجمة، ما شوه تسمية بعض مؤسسات الأمم المتحدة، أو أنه لا يعرفها أصلا، فمثلا، لا توجد داخل أجهزة الأمم المتحدة “لجنة جنيف المعنية بالاحتجاز التعسفي”، وإنما يوجد الفريق العامل المعني بالاعتقال التعسفي. ورغم أنها ملاحظة شكلية، إلا أن لها أبعادا جوهرية، ففي أنظمة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، يطلق اسم “لجنة” على الآليات التعاهدية، أي على هيئات منبثقة عن اتفاقية أو معاهدة، وتكون هذه اللجنة تابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، ويطلق اسم “فريق عامل” أو “خبير مستقل” أو “مقرر خاص” في نظام الاجراءات أو المساطر الخاصة، ينشئها مجلس حقوق الإنسان بجنيف وتكون تابعة له.
ثاني ملاحظة، هي الشطحات اللغوية للمحامي في توصيف “عملية اعتقال” بوعشرين ومتابعته في حالة اعتقال بإحالة من النيابة العامة إلى المحكمة دون إجراء التحقيق، فالإحالة مبنية على نصوص ومساطر قانونية في التشريع الوطني، متماشية مع المرجعيات الدولية. والقول إن قرار الاعتقال تم بمذكرة موقعة في 26 فبراير، ولم تحدد مدة معينة للاعتقال، مردود عليه في التشريع المغربي، إذ قرار الإحالة على السجن غير ملزم بتحديد مدة الاعتقال الاحتياطي، كما أن المعايير الدولية في مجال شروط وضمانات المحاكمة العادلة لا تتحدث عن مدة الاعتقال بشكل دقيق، بل تتحدث عن “مدة معقولة” فقط، وفي حالة بوعشرين، هذه المدة المعقولة مازالت قائمة، لأن جلسات المحاكمة تتم في مدد عادية، وتأجيلها يعود لملتمسات دفاع الطرفين.
إن التوصيف الذي صنعه المحامي لا ينسجم لا مع التشريع الوطني ولا مع المعايير الدولية، وبالتالي قضية الاعتقال التعسفي غير واردة.
ثالثا، بخصوص الآليات الأخرى، التي جاءت في البيان بصيغة عامة، فنساعد المحامي ونخبره أن أمامه لجنة حقوق الإنسان المنبثقة عن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لكن لا يمكن اللجوء إليها إلا بعد استنفاد كافة آليات الانتصاف الوطنية (القضائية وغير القضائية)، كما أن وجود بوعشرين في السجن لا يهدد حياته ولا يتعرض للتعذيب لتتدخل اللجنة في هذه الحالات، وهناك أيضا الفريق الخاص المعني بتعزيز وحماية حرية الرأي والتعبير، لكن بوعشرين لا يتابع بشأن مقال أو رأي، ولهذا لا يمكن أن يتدخل هذا الفريق في النازلة.
توجد اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وفي حالة بوعشرين، ولأنه لا يحمل جنسية دولة أوروبية، ولم تقع جريمة متابع فيها على الأراضي الأوروبية، فمن الاستحالة اللجوء إلى هذه الآليات نظرا لضرورة الشرط “الجغرافي”. ولا يمكن لجمعية حقوقية أو أصحاب مصلحة في شأن بوعشرين تحريك دعوى قضائية في أي بلد أوروبي.
رابعا، نحيط المحامي علما أن “اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان” المحدثة ضمن الميثاق الإفريقي تختص بتلقي شكايات الأفراد والجمعيات بخصوص انتهاك حق من حقوق الإنسان في شكل “مراسلة”، إلا أنها تشترط استنفاد كافة الإجراءات الوطنية، كما أن اللجنة لا تتوفر على مفوض خاص بالاعتقال التعسفي. وفي شأن بوعشرين، فهو لم يشتك من ظروف السجن.
خامسا، بخصوص المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان، التي تنظر في القضايا المرفوعة من قبل الجمعيات والأفراد، فتنص المادتان 6 و34 من البروتوكول المنشئ للمحكمة، على أن القضايا المرفوعة مباشرة أمام المحكمة من الأفراد والمنظمات غير الحكومية تُقبَل فقط عندما تكون الدولة، التي تُقدَّم ضدها الشكوى، أصدرت إعلانا بقبول اختصاص المحكمة لتلقي هذه الشكاوى. ولم يوقع المغرب أصلا على هذا البوتوكول، وهناك عدد قليل من الدول، التي صادقت عليه، ما يجعل هذه المحكمة “معطلة” أصلا.
سادسا، بخصوص المحكمة الجنائية الدولية، فالمغرب لم يصادق بعد على النظام الأساسي لروما لسنة 1998، ولا يمكن متابعته بها، كما أن الجرائم، التي تدخل في ولاية المحكمة هي  جرائم الحرب، والإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة العدوان، وهي جرائم لا علاقة لها نهائيا بقضية بوعشرين.
وفي الختام، نؤكد للمحامي البريطاني أن قضية بوعشرين قابلة للتدويل، لكن فقط من قبل ضحاياه المفترضات…