إنهم يغتالون مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة

الجمعة 20 أبريل, 2018 17:33 أحمد بوغابة
إحاطة -

احتفل مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة في أواخر السنة الماضية (2017) بمرور 40 سنة على وجوده الفعلي والملموس في الساحة السينمائية المغربية (تأسس سنة 1977 وقبل تأسيس المهرجان الوطني الذي لم يظهر إلا 5 سنوات من بعده) وبالتالي فهو أول مهرجان سينمائي في المغرب الذي صمد طيلة هذا الزمن وعَبَرَ ظروفا استثنائية (ونذكر بأنه كان قد تم وأد أول مهرجان بالمغرب احتضنته طنجة حول السينما المتوسطية سنة 1968).

مهرجان خريبكة لم يسقط من السماء أو بقرار فوقي وعشوائي، كما هو حال عدد كبير جدا من المهرجانات التي تَفَرَّخَتْ مؤخرا، وإنما كان استجابة للشرط التاريخي حينها، ولعب دورا رياديا في القارة الإفريقية التي كانت تفتقر لمهرجانات سينمائية (إذا استثنينا أيام قرطاج السينمائية وفيسباكو) وبشهادة السينمائيين الأفارقة أنفسهم الذين عَبَّرُوا عنها علنيا في أكثر من مناسبة، ليس داخل المغرب فقط وإنما أساسا خارجه، في بلدانهم وفي أقطار أوروبية كثيرة، أشهد شخصيا على ذلك لأنني كنت حاضرا، وبالتالي فهو ليس من المهرجانات التي ظهرت فجأة لتركب الموجة وتستغل الظروف بشكل انتهازي واضح.

مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة هو مهرجان نضالي بِبُعد احترافي رغم أنف الواقع الجاحد الذي يحاصره ولا يريد له أن ينجح. لكن التاريخ أبان بالملموس، وعلى الأرض، أن “مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية هو كبير بإشعاعه ومتفوق في مضمونه” (كما سبق أن صرح لي الأستاذ محمد بركات الذي تحمل إدارة المهرجان لمدة معينة).

مهرجان لم تنل منه الضربات الموجعة التي تلقاها من الداخل، أما في الخارج فهو يحظى بالمساندة الكلية بحضور أسماء سينمائية وفنية وثقافية وعلمية، والتي ستفتخر بها المدينة مستقبلا، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، ريجيس دوبري وإدغار موران والطاهر شريعة وسيرج توبيانا وغي هينبيل واللائحة طويلة…

وقد أثرنا جزء من تاريخ هذا المهرجان في الكتاب الذي أنجزناه بعنوان “سفر في منعرجات تاريخ مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة” بمناسبة احتفاليته ب 40 سنة على وجوده حيث بينا أن مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية هو مهرجان استثنائي على جميع المستويات، ولا يشبه المهرجانات الأخرى ولا تشبهه كذلك.

كما نظم بمناسبة نفس الذكرى أنشطة كثيرة ومتنوعة – طيلة أيام المهرجان – في خيمات بجانب المركب الثقافي للمدينة حيث استحضر فيها التاريخ والاعتبار للمؤسسين ولكل مَنْ مَرَّ منه فاعلا أم مشاركا أو عابرا حتى، بالصور والكتابة والتحيات وبالعشق لهم. ونجح أيضا في أن “يكسر” (رمزيا) أسوار السجن لينظم ندوات وعروض بمشاركة جميع الفنانين والسينمائيين والنقاد والإعلامين والمفكرين والضيوف المدعوين داخل مؤسسة السجن، وبذلك “حطم” الفصل القائم بين عالمين، متجاوزا النمط التقليدي السائد في بعض المهرجانات بالاكتفاء بعرض الأفلام وبس، إن مهرجان خريبكة ذهب بطاقمه ومدعويه وأفلامه إلى داخل مؤسسة السجن جماعيا والجلوس جنبا إلى جنب السجناء والحديث معهم والأكل معهم، وهذه سابقة في تاريخ المغرب الحديث، وتاريخ المهرجانات السينمائية المغربية على الإطلاق، حيث لم يكتف بالمشاركة “عن بعد”، فقد قام بِأَنْسَنَة السجن، وقد حكى كثير من السجناء من أقطار إفريقية (جنوب الصحراء) لأهلهم عن تجربتهم هاته والتي وجدت صداها الإيجابي هناك. واستغربت شخصيا بكون الخبر قد امتد بهذه السرعة، ومنهم من تشكلت عندهم صورة على أن السجون في المغرب “جنة” (هذا موضوع آخر ليس مجاله الآن).

وبسبب هذا التفوق الاستثنائي، غضب منه أعداء النجاح وأصحاب الأمعاء المريضة والذين يَسْعَدون فقط عند فشل كل ما هو جميل في هذا البلد. مهرجان قديم وناجح ومتشبث بتربته (مدينة خريبكة)، ولم يقبل أن يهاجر إلى مدينة أخرى رغم الإمكانيات المغرضة التي عُرِضت عليه لوجيستكيا وماليا وجماهيريا لأنه ببساطة مهرجان وَفِيًّ لسكان المدينة، ولبعض مؤسساتها المؤمنة به وبدوره وبما يقدمه لهم جميعا. ويساهم في تهميش المدينة وعزلتها أيضا “الاقتتال الرمزي” بين “بعض الشرائح” من سكانها حول “أوهام زائفة وزائلة” عوض الالتحام والتعاضد لإنجاح كل بؤرة ضوء عندهم بدل إخمادها.

بما أن مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة قد صمد ونجح واستمر 40 سنة فلا بد لأعداء النجاح توظيف الوسيلة التي يتحكمون بها على الرقاب بمعاقبة النجاح من خلال توقيف الدعم المالي لخنق نَفَس الاستمرارية فيه وهو ما حصل مرارا مع مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية وتصداها بنضاله المعهود لأنه وُلِدَ من رحم النضال للجامعة الوطنية للأندية السينمائية في عهد استقلاليتها. ومازالت هذه “السياسة القمعية” تُجاه هذه التظاهرة مستمرة بمبررات مفضوحة للعيان.

فإلى حدود متى سيبقى المهرجان يتصدى لهذه “السياسة” العجيبة والغريبة والعبثية واللامنطقية؟

كان المهرجان قد خطط برنامجه للاحتفاء بالذكرى 40 على وجوده بمضمون ثقافي يليق بالمناسبة التاريخية وبالمدينة والجهة التي تنتمي إليها وذلك بناء على ميزانية وعد بها “المسؤولين” ب الجهة” (يا حسرة !!) إلا أن هؤلاء أخلوا ب”وعدهم” فترتبت عنه مشاكل مالية عويصة بعجز مالي كبير يهدد تنظيم الدورة المقبلة للمهرجان حسب ما علمت شخصيا، وربما يهدد استمرارية المهرجان نفسه الذي يجد نفسه سنويا مكتوفا بين الطموح والواقع المر. وبالتالي، فالتظاهرة مهددة في صلبها، بمعنى في استمراريتها. وبالواضح توقيف المهرجان نهائيا، حينها سيندمون حيث لا ينفع الندم.

فقد تداولت بعض “الألسُن” (على الهامش) احتمال توقفه، و”روجت” له أخرى بشكل محتشم (في الظل). ومن أجل التحقيق في هذه “الهوامش” وإخراجها إلى الضوء، اتصلنا هاتفيا ومرارا بالجهات التي لها علاقة مباشرة بالمهرجان، منها مَنْ استجابت لرنين هاتفنا وتحدثت معنا ولو باقتضاب، ومنها مَنْ لم “يهمها” (والله أعلم) حيث لم تحاول حتى أن تعرف من الهاتف ككتابة السيد الوالي بالجهة، علما أن القانون المغربي، وقد صوت عليه البرلمان، الحق للمواطن في الحصول على المعلومات من أصلها، فما بالكم بصحفي.

كان جواب السيد عنتر، مدير الجهة، بان “الجهة فخورة بالمهرجان وأنها سبق أن دعمته في دورة 2016 ب60 مليون سنتم، ويعتقد أن سبب عدم دعمه للمهرجان سنة 2017 يعود، في نظره، لتأخير وضع الملف من طرف إدارة المهرجان”، فيجيبنا السيد لحسين اندوفي، الكاتب العام لمؤسسة المهرجان، بأن هذا غير صحيح إطلاقا ويبرهن ذلك بالوثائق التي أرسلها لنا والتي نقرأ فيها بخط واضح أن الملف قد تم وضعه بالمصالح المعنية 6 شهور قبل انعقاد المهرجان وانعقاد اجتماع الجهة، والتاريخ هو يوم 17 أبريل 2017 (أنظر الوثائق المرفقة مع النص)، ويضيف السيد لحسين اندوفي بأن الجهة التي قدمت 60 مليون سنتم في دورة 2016 وكانت قد اعتذرت عن المبلغ واعتبرته غير كاف لهذه التظاهرة المهمة، فوعدت حينها برفعه في دورة 2017 وتم بناء عليه تخطيط برنامج طموح يشمل الجهة كلها إلا أننا فوجئنا بالتنصل من الوعد بحجج واهية”.

أما السيد إبراهيم مجاهد، رئيس الجهة، جهة بني ملال – خنيفرة التي تنتمي إليها مدينة خريبكة، فقد كان جوابه مفاجئا لي حقيقية حين رد على مكالمتي باقتضاب شديد: “لست ملزما بدعم المهرجان” ليستدرك قائلا: “إن المجلس هو الذي يقرر في الدعم من عدمه عند دراسته للملفات” (لاحظوا معي أنه تكلم بصيغة الضمير الأول في الجملة الأولى ليختفي وراء المجلس في الصيغة الثانية، وهذه المكالمة مسجلة احتياطا لكل طارئ ممكن مثل تسجيلنا للحوارات بألة التسجيل). وعلمت من عند لحسين اندوفي أن السيد إبراهيم المجاهد قد حضر الجلسة الافتتاحية للدورة الأخيرة، ولم يعد في جلسة الاختتام (!!!). فهل نسي رئيس الجهة بأن حضوره كان في نشاط سينمائي وليس سياسي أو اقتصادي محض، وبالتالي فإن الأقطار المتقدمة والمتطورة يصبح الفنان هو سيد الحفل وليس غيره، بينما عندنا يسعون بكل الوسائل، والضغط ب”دعمهم” المالي لكي “تُسلط عليهم الأضواء” والصعود إلى المنصة لإلقاء خُطبة صماء خارج نسق الاحتفال الثقافي والفني.

سمحت لي مهنتي لكي أسافر كثيرا إلى مختلف الأقطار وبالتالي إلتقطت عيني الناقدة الفروقات القائمة بين الشرق والغرب وبين الجنوب والشمال. إن ظاهرة الخُطب “للمسؤولين السياسيين” في المهرجانات السينمائية تقتصر على الأقطار المتخلفة فقط، وأن دعمها للتظاهرات الثقافية إلزامية ويحضرون فقط كمواطنين. إذا لم “يخطب” منتخب بسيط عندنا في حفل ثقافي أو فني فإنه يغضب ويعتبر ذلك إهانة في حقه فينسحب ويسحب معه الدعم الذي هو مال عمومي وليس حساب خاص يتصرف فيه المنتخب حسب مزاجه، وقد دعمت الجهة (جهة بني ملال – خنيفرة) في نفس الفترة بعض المهرجانات السينمائية والغنائية والمسرحية مما يؤكد ما أشرنا إليه (عقدة الخطبة والمنصة والصور). يدعم المسؤولون بجميع الجهات في المغرب كل مبادرة تخدم السياسة المركزية للبلاد في علاقتها مع إفريقيا، ومهما كان مستوى هذا النشاط، بينما نلاحظ أن جهة بني ملال خنيفرة، التي يُقام عندها أهم مهرجان سينمائي إفريقي، تعتبر دعمه “ليس ملزما لها” (!؟!؟!؟)

ففي الوقت الذي يبني المغرب علاقات جديدة مع القارة الإفريقية ويعمق فيها وجوده بنجاح من خلال إعادة الثقة كقُطر إفريقي، الذي له حق الوجود التاريخي في مختلف مؤسساته الجهوية والقارية، نصطدم بمن يعرقل هذا التوجه ويسير ضد التيار

وأعتقد أن وزارة الداخلية يمكنها إصلاح هذا الاعوجاج القائم في جهة بني ملال خنيفرة بإعادة تكوين وتأطير مَنْ لم يستوعب سياسة البلاد تُجاه إفريقيا خاصة في هذه الفترة الدقيقة جدا

فهل فعلا مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة مهدد بنهايته بسبب جهة بني ملال – خنيفرة؟ هل هذه “الجهة” تقتل ذاتها الإبداعية؟