الابتزاز .. عقيدة الشعبوية، شريعة دولة

الجمعة 8 يونيو, 2018 16:06 هشام روزاق
إحاطة -

… طيب

دعونا نتفق أولا، على أن نزول وزير في حكومة رفقة متظاهرين ومحتجين، لم… ولن يكون سبقا مغربيا، ولو كره الباحثون عن السبق في الاستثناء وفي الاستـ(مـ)ـناء المغربي.

… وزراء فلاحة أوروبيون، شاركوا وتظاهروا رفقة فلاحين ومنتجي حليب ومربي دواجن، ضد سياسات محلية وأوروبية اعتبروا أنها تهدد القطاعات التي يشرفون عليها. وحتى في مغرب “الاستثناء” نفسه… نزول وزراء إلى تظاهرات يفترض انها حركات احتجاجية ضد الحكومة وضد القائم المفترض تغييره، لم تعد أمرا مستغربا، على الأقل منذ وصول بنكيران إلى الحكم، بفضل تظاهرات 20 فبراير التي تظل… التظاهرات الوحيدة في العالم التي وصف المستفيدون منها أبطالها والمشاركين فيها بــ “الطبالة الغياطة”.

وهو رئيس حكومة، شارك … وأطر بنكيران تظاهرات فاتح ماي رفقة النقابة التابعة لحزبه.

وشارك مصطفى الخلفي، الناطق الرسمي السابق باسم حكومة بنكيران والوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني…والناطق الرسمي باسم الحكومة الحالية، في تظاهرات فاتح ماي باسم النقابة التابعة لحزبه… ووصل به الحماس خلال تظاهرات فاتح ماي الفارط، حد القول: “هادشي لي كدير الحكومة تجاهكم ماشي معقول وما كافيش” ، مضيفا “لا خير في حكومة لا تنصت للحركة النقابية”.

طبعا… باستثناء “العوام”، الذين يفترض في نخب البلاد (مثل الخلفي وبنكيران، ولا داعي للضحك هنا) أن تنير طريقهم وتخلخل مسلماتهم في اتجاه إعادة بناء المعنى، يعرف المناضل والمثقف وممتهن السياسة … كما يعرف الوزير ورئيس الحكومة، أن فاتح ماي ليس عيدا بالمعنى الدارج للعيد. يعرفون أنه أكبر لحظة احتجاج ومطالبة بالعدل والعدالة، ويعرفون أساسا، أنه لحظة احتجاج على السياسة العامة التي تنهجها الحكومة، تماما كما هو لحظة احتجاج على جشع رأس المال وامتهان حقوق وكرامة العمال… وحين يشارك وزير أو رئيس حكومة في هكذا لحظة، فإنه في البداية والنهاية، يحتج ضد نفسه… تماما كما فعل الداودي.

السؤال إذن، وبغض النظر عن سياقات حملة المقاطعة، وعن أهدافها وأسبابها، هو…

لماذا يقبل.. بل ويتحمس البعض، لمشاركة رئيس حكومة ووزراء في أكبر لحظة احتجاجية في العالم (فاتح ماي) وأن يحتجوا فيها على أوضاع العمال الذين يفترض في رئيس الحكومة والوزراء أن يحققوا مطالبهم بدل التظاهر معهم، وبدل شحنهم بمزيد من الغضب ضد حكومتهم، ويرفضون في ذات الوقت، خروج وزير لاقتراف نفس الفعل؟

مرة أخرى… بعيدا عن تفاصيل حملة المقاطعة وسياقاتها، تعالوا نحاول تلمس بعض خيوط السؤال، ولنترك بذخ إيجاد الإجابات لمن لا سؤال يحدد وجودهم.

… الذي يحدث عندنا اليوم، هو في النهاية، ترجمة حرفية لما يحدث عند غيرنا.

الذي يحدث عندنا اليوم، هو ببساطة، إعلان انتصار العدم… انتصار الشعبوية التي جعلت الخوف إيديولوجيا، وجعلت الضجيج شريعة.

الذي يحدث عندنا، هو في جزء منه، بعض من التماهي مع تسيد الشعبوية التي جعلت من فراغ اسمه “ترامب” رقما، ومن حركة “الخمس نجوم” و”عصبة الشمال” حكومة في بلد غرامشي…وجعلت من أردوغان مضرب مثل في العدل رغم أنف آلاف المعتقلين والمشردين…

هو ببساطة، إعلان فك ارتباط السياسة بسؤال الثقافة، وهو بكل البرود… إعلان اغتصاب الضجيج للحكمة، وإعلان سمو الطبيعة… على الثقافة.

لكن…

ما الذي يميز حالة الإفلاس المغربي في هكذا سياق وفي هكذا عدم؟

… الذي يميزنا عن غيرنا، هو ببساطة، معطى الابتزاز الذي نتفرد به… الابتزاز ككلمة/مفتاح لإنجاز كل معادلات العدم.

في بلدي فقط… يصير الابتزاز نضالا وموقفا وإيديولوجيا وخطا تحريريا…

في بلدي فقط، يصدر المكتب التنفيذي لمنتدى الكرامة لحقوق الإنسان، لصاحبه عبد العالي حامي الدين (يوم الأحد 4 شتنبر2016) بيانا يتخلى بموجبه عن ثقافة “شرع الله” التي يؤولها الإسلامويون كيفما ووقتما شاؤوا، ليحرجوا علينا بكلام من هذا القبيل:

“…فإن منتدى الكرامة لحقوق الإنسان يعتبر أن هذه الانتهاكات الخطيرة التي مست حقوق المواطنين عمر بنحماد وفاطمة النجار (اللذان ضبطا في حالة ممارسة جنسية غير شرعية ــ الكلام هنا لي وليس للبيان ــ) ما كانت لتكون لو لم تشكل المواد 490 و 491 و 492 من القانون الجنائي وطريقة تطبيقها من طرف الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون مدخلا يستخدم بشكل سيء ومسيس للتعدي على الحريات الشخصية والحقوق الدستورية للمواطنين(…).وعليه، فإن المكتب التنفيذي للمنتدى، يرى ضرورة إعادة صياغة الفصول القانونية المذكورة وإحاطتها بكل الضمانات والاحتياطات (…)، وإلا فستكون الدعوة إلى إلغاء تلك الفصول، أولى من إبقائها، مع ما يقع بواسطتها من تعديات وانتهاكات لحقوق المواطنين وأعراضهم وأمنهم وكرامتهم. ومعلوم شرعا وقانونا أن الخطأ بتفويت عقوبة مستحقة، أولى من الخطأ بإيقاع عقوبة ظالمة.”

بيان حامي الدين ومنتداه هنا…هو ببساطة، عملية ابتزاز حقيقية وقائمة الأركان، لدولة يتوعدها المنتدى بالتخلي عن قناعاته وقيمه الإسلامية، والانضمام للمطالبين بالحقوق الفردية، ليس لأنه يؤمن بها حسب “سنة الله ورسوله”… ولكن فقط، لأنه يريدها حسب سنة وشهوة عمر بنحماد وفاطمة النجار.

فقط في بلدي… يصيح الابتزاز شريعة الإسلاموي واليساري ورجل الأعمال الذي يتكئ على سرير البونج كي لا يؤدي للدولة ضرائبها وللعاملين (عنده) حقوقهم في “لاسينيسيس”…

وفقط في بلدي…يصبح مستخدم نكرة، رئيسا للباطرونا في انتظار أن يؤسس شركة. وفقط في بلدي يصبح زيان “محامي” و”مناضل”…

وفقط في بلدي… ينشر موقع إخباري أخبارا كاذبة وملفقة عن شركات وشخصيات معينة، كي يدفعها لمده بالإعلانات والإشهار … وكي يتحول بعدها إلى مطبل بها ولها

وفقط في بلدي… تتحول ضحايا التحرش والاستغلال الجنسي لمجرمات ويخرج علينا حامي الدين من جديد بأن… الذين لا يساندون الضحايا… هم أحرار البلد وثواره

… فقط في بلدي، يصبح الابتزاز ثقافة دولة ونخبة، ويصير الضجيج حكمة، ويصبح للأسماء المستعارة في فيسبوك وتويتر القول الفصل والكلمة العليا

فقط في بلدي… يمكن لكاتب يكتشف الماء الساخن فجأة، أن ينشر تدوينة يقول فيها إن المطالبة بإسقاط الحكومة، لن تفيد في شيء، وأن إعادة الانتخابات ستقود لنفس النتائج… فتباركه على “اكتشافه” آلاف الجيمات والتعليقات، دون أن يسأل الكاتب نفسه، ودون أن يسأل المعلقون /المريدون أنفسهم … أليس التغيير في البدء، بعض من خلخلة القائم؟

في النهاية…

أليست دولة تستكين للابتزاز وتشجع عليه، هي نفسها الدولة التي نشجع العدم على تهديد وجودها؟

اليوم… سقط الداودي نتيجة فعل غبي اقترفه الكثيرون قبله بذات بغباء دون ان يبتزهم في غبائهم ضجيج العوالم الافتراضية وكتائب حروب الشعبوية…

والسؤال هنا… على من يكون الدور غدا؟

على من يكون الدور، إن صار الابتزاز عقيدة لا يزيغ عنها إلا هالك؟

… في كل بقاع العالم، يراجع الشعبويون اليوم قناعاتهم ومسلماتهم، لكن…

عندنا… كل الظروف أصبحت مهيأة اليوم، كي تكون الشعبوية … عنوان الاستـ(مـ)ـناء المغربي؟