هل تحول المصريون إلى شعب عدواني..؟

الأثنين 26 نوفمبر, 2018 08:46 علاء الأسواني
إحاطة -

تعطلت ماكينة علاج الأسنان في عيادتي الخاصة فاستعنت بعامل فني لاصلاحها، بعد ساعة كاملة لم ينجح في اصلاحها فأدركت انه يفتقر إلى المهارة اللازمة. خفت أن يفسد الماكينة تماما فعرضت عليه بهدوء أن ينصرف وعرضت مبلغا من المال. فوجئت به يصيح بوقاحة طالبا ضعف المبلغ الذي عرضته. ذكرته بأنه لم يؤد المهمة التي جاء من أجلها فزاد صياحه وبدأ فاصلا من البذاءة. أحسست بحرج من المرضى الجالسين في صالة الانتظار. لحسن حظي كان بين المرضى ضابط شرطة فتدخل وأخذ من العامل بطاقته الشخصية وأراد اصطحابه إلى قسم الشرطة من أجل تحرير محضر. هنا، للغرابة، تحول موقف العامل فجأة إلى النقيض فاعتذر لى واستعطف الضابط حتى أعاد إليه البطاقة وانصرف.

أصبحت كثيرا ما أقابل أشخاصا يتصرفون بوقاحة مثل ذلك العامل: الذين يقودون سياراتهم عكس الاتجاه واذا عاتبتهم يتطاولون عليك ويرفضون التراجع الا اذا ظهر رجل الشرطة، مندوب شركة المبيدات الحشرية الذي اتفقت معه على رش منزلي بمبلغ معين فطلب ضعف المبلغ بعد أن بدأ في الرش حتى يضعنى أمام الأمر الواقع.

اذا دخلت على فيسبوك وتويتر ستجد حالة من العدوانية الغريبة. ما أن يجلس الشخص خلف شاشة الكمبيوتر حتى تتملكه حالة عدوانية فيستمتع بكتابة تعليقات سوقية وبذيئة ضد أشخاص لا يعرفهم. المصريون مشهورون بتهذيبهم فلماذا صار كثيرون منهم يتصرفون بعدوانية؟. يقولون إن انتشار العدوانية يعود إلى سوء التربية والبعد عن تعاليم الدين. قد يكون ذلك صحيحا لكن هناك أسباب أخرى مهمة. أن الاخلاق لا تتحقق فقط بواسطة المواعظ وانما الاخلاق ظاهرة اجتماعية تتغير دائما وفقا لظروف المجتمع. لقد انتشرت العدوانية في المجتمع المصري للأسباب الآتية:

أولا: اليأس من التغيير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد أن نجحت ثورة يناير في خلع مبارك سادت بين المصريين حالة من الفرح والتفاؤل جعلت آلاف الشبان والشابات ينظفون الشوارع ويعيدون طلاءها بأنفسهم. أحس المصريون بأنهم استردوا بلادهم وصاروا قادرين على صنع مستقبلهم بأنفسهم.. مع تعثر الثورة ووصول الاخوان إلى الحكم ثم عودة النظام القديم وممارسته لقمع غير مسبوق في تاريخ مصر. شاعت حالة من الاحباط واليأس من التغيير دفعت الكثيرين إلى العدوانية.

ثانيا : انعدام العدالة :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحتاج الانسان إلى الاحساس بالعدالة حتى يحافظ على تماسكه الأخلاقى. معنى العدالة أن تتساوى الفرص في الترقي وتكون الإساءة سببا للعقاب وينفذ القانون على الجميع. في مصر فرص الترقي محجوزة لأصحاب النفوذ والقانون لا يتم تطبيقه وانما يتم استعماله ضد أشخاص وتعطيله مع آخرين. النفوذ والثراء والقرب من السلطة هي العوامل التي تحدد تنفيذ القانون أو تعطيله. من هنا لم يعد هناك احترام للقانون وصار كل شخص يسعى إلى فرض قواعده على الآخرين.

ثالثا الغضب المكتوم:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملايين المصريين يعانون من ظروف اقتصادية طاحنة وهم يعلمون ان النظام الحاكم مسؤول عن معاناتهم. انهم يرون السيسي ينفق ببذخ على قصوره وطائراته الخاصة ومؤتمراته الاستعراضية بينما هم قابعون في البؤس. برغم احساسهم بالظلم فانهم لا يعترضون خوفا من تنكيل النظام بهم. عندئذ يتحول غضبهم المكتوم إلى طاقة عدوانية يفرغونها في معارك جانبية مع الآخرين.

رابعا: النموذج الذهني القبيح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في مجتمع يعاني من الأمية وندرة القراءة بين المتعلمين يكتسب الاعلام أهمية كبرى، لأنه المصدر الرئيسي للمعلومات كما انه يشكل النموذج الذهني الذي ينتشر بين الجماهير باعتباره نمط السلوك المثالي. الاعلام المصري – الواقع بالكامل تحت سيطرة المخابرات – يعتبر هدفه الأهم الترويج لسياسات السيسي وتشويه معارضيه فيتم تخصيص برامج يومية من أجل لعن المعارضين واهانتهم بأبشع الفاظ واتهامهم بالخيانة والعمالة.

من ناحية أخرى يمارس اعلام الاخوان المسلمين نفس أسلوب التشهير والشتائم ولكن ضد  أنصار السيسي. هذه الهيستيريا الاعلامية من الجانبين تغذي التفكير الفاشي في عقول الجماهير حيث يحتكر كل شخص الحقيقة ويسعى إلى تدمير معارضيه، كما ان البذاءات اليومية المنهمرة اعلاميا سرعان ما تتحول إلى نموذج ذهنى يتبعه الناس في حياتهم. لقد وصل الأمر بأعضاء نادي رياضى كبير إلى أن ينتخبوا رئيسا لناديهم لا يمتلك أي مهارة سوى قدرته الاستثنائية على البذاءة وقد برر الأعضاء اختيارهم لهذا الرئيس بأنه بفضل عدوانيته سيكون قادرا على تحقيق مصالح النادي. هكذا تحولت العدوانية في الذهن العام من نقيصة إلى مهارة اجتماعية مقبولة ومطلوبة.

ان المجتمعات تمرض تماما مثل الأفراد وأول خطوة في علاج المرض تشخيصه بشكل سليم حتى يتمكن الطبيب من وصف الدواء الشافي. يجب أن نعترف ان المجتمع المصري يعاني الآن من انتشار العدوانية لكن علينا ألا نخلط بين الأعراض والمرض. ان تدهور الاخلاق وانتشار الوقاحة والبذاءة والغش والنفاق والفساد كلها أعراض لمرض واحد خطير هو الاستبداد الذي تعانى منه مصر منذ انقلاب 23 يوليو 1952. يجب أن نعالج المرض نفسه حتى تختفى الأعراض. لا مستقبل لمصر ولا اصلاح ولا نهضة في ظل ديكتاتور يعتبر نفسه زعيما ملهما ويحيط به الطبالون والأفَّاقون ويحكم بارادته المنفردة ويقمع الناس.

يعلمنا التاريخ ان النظم الديكتاتورية، مهما حققت من انجازات، فان نهايتها الحتمية هزائم وكوارث تدفع ثمنها أجيال متلاحقة من الشعب. لا قيمة اطلاقا لما يشيده الديكتاتور من مشروعات ما دام الانسان مقموعا ومهانا. الانجاز الحقيقي لأي نظام سياسي هو احترام آدمية الانسان وحماية كرامته وحقوقه.

الديمقراطية هي الحل