جبهة البوليساريو.. فكر انفصالي دون جذور

الأربعاء 2 يناير, 2019 19:24 الحسين بكار السباعي
إحاطة -

الحسين بكار السباعي

°محام وناشط حقوقي ورئيس مرصد الجنوب لحقوق الأجانب والهجرة

لم تكن افتراءاتٍ تلك الفرضياتُ المبنية على برغماتية فكر انفصالي بالصحراء، تتزعمه قيادات صحراوية، سواء من داخل هذه المناطق أو بأوروبا، وتنضوي تحت لوائه شخصيات، تشكلت من طلبة انخرطوا في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في الستينيات، وتنكرت لغدوتها ورواحها في مخيمات تيندوف، لتصب في مصلحة لوبي مسكون بالوهم، متدثر بغطاء جبهة البوليساريو، فيما هو ليس في الحقيقة إلا غطاء مثقوبا يحاول إخفاء أطماع استغلالية باسم وطنية مزيفة، تمظهرت آخر ملامحها في بحث ميداني أجراه “مرصد الجنوب لحقوق الأجانب” حول النزعة الانفصالية لدى فئة مهمة، هي الطلبة الجامعيون.

البحث الميداني كان عبارة عن استمارة موجهة لطلبة صحراويين بجامعة ابن زهر بأكادير وجامعة القاضي عياض بمراكش، وسُخرت لإنجاز هذا البحث كل الضمانات بسرّية المعلومات الشخصية للمستجوبين.

إن النزعة الانفصالية لا يمكن فهمها دون فهم الإطار التاريخي الحقيقي لولادة جبهة البوليساريو، التي خُلقت لتحرير منطقة الصحراء من الاستعمار الإسباني، غير أنه، في سياق ما كان يعرفه العالم من معسكرين رأسمالي واشتراكي، تم استقطاب الشباب المؤسس للجبهة، وفق منهج عمل يقوم على مبدئين، هما التحريض والدعاية. وحسب قاموس أوكسفورد، فالتحريض يراد به ”الإثارة” أو “التحريك”، بينما الدعاية هي “مخطط منهجي أو حركة منسقة لترويج عقيدة أو منهج ما”، وهو ما ينطبق على جبهة البوليساريو إلى يومنا هذا. نورد هنا بعض نتائج البحث الميداني الذي تضمن 15 سؤالا.

السؤال الأول: هل لديك إلمام، بما لا يدع مجالا للخطأ، بكل الأحداث الإقليمية المميزة لفترة الستينيات والسبعينيات؟

الحصيلة: 68 في المائة يشككون في معارفهم التاريخية دون مجال للخطأ، وفقط 32 في المائة صرحوا أنهم يدركون تلك الأحداث. حصيلة توقفنا على إشكالية الطالب السياسي والطالب المسيس، فجبهة البوليساريو، وإن كان للطلبة الجامعيين دور في تأسيسها وتبني فكر سياسي معين، فهذه الفئة اليوم تراجع مستوى التحليل لديها للتفاعل مع الحدث وليس صناعة الحدث كما كان في السابق. ولا شك أن التفاعل مع الأحداث لا يمكن أن يعرف استمرارية دون تبعية لمركز قرار يوهم المتعاطف أنه نفسه من يملك القرار.

السؤال الثاني: هل يمكن أن تذكر بالاسم كل الأفراد من مؤسسي جبهة البوليساريو؟

فقط 14 في المائة استطاعوا ذكر مؤسسي الجبهة، بينما عجز عن ذلك 86 في المائة، الأمر الذي يوقفنا على حقيقة “الإيمان” بتأسيس الجبهة من الأصل قبل الخوض في مبادئها، فما يحدث غالبا هو أن الأقلية تصارع من أجل البقاء وانتزاع اعتراف الآخر، وتبقى علاقتها بالدولة دائما مشوبة بالحساسية والتجاذبات، وهو ما يمكن تفسيره بطاقة الصراع بين الفرد غير المدرك والدولة، إنه يثور كلما أتيحت له الفرصة مستعيدا شخصيته في صراع داخلي مع الذات وصراع خارجي مع الآخر من أجل فرض الذات.

وعن سؤال: هل سبق أن اطلعت على القانون الأساسي لجبهة البوليساريو؟

أجاب 20 في المائة بالإيجاب، بينما 80 في المائة لا يعلمون به.

وارتباطا بعدم علمهم بهذا القانون، وُجه لهم السؤال التالي: كيف اقتنعتم بتبني الفكر الانفصالي دون قراءة القانون الأساسي للجبهة؟ فقال 7 في المائة إنهم مقتنعون بذلك الفكر، واعتبره 22 في المائة واجبا رفاقيا، و23 في المائة اعتبروه نوعا من تحصين للذات ضد الآخر، فيما أقر 48 في المائة أن نضالهم من أجل هذا الفكر هو مرحلي، أي مرتبط فقط بمرحلة الجامعة.

وعن عائلات شهداء الجيش المغربي، الذين استبسلوا في الدفاع عن مغربية الصحراء وما خلف من أثر كبير على عائلاتهم وأبنائهم، كان السؤال التالي: هل تستطيعون التعبير عن انتمائكم للجبهة أمام العائلات الصحراوية التي فقدت أبناءها إبان الحرب ضد البوليساريو؟ فلم يؤكد أي مستجوب قدرته على التعبير عن انتمائه. وأكثر من هذا، ومن خلال معاينة سلوكات المستجوب، توحَّد 95 في المائة من المستجوبين في الإشارة إلى أن الأمر هو نوع من الجنون بعبارة “انت نجنيت”، أو عبارة “مالي فيسد”. العبارة الأولى تفسر بسؤال استنكاري عن جنون السائل، وهو ما يوقفنا على إدراكه المسبق بأن قضيته تقف عاجزة أمام ضحايا هذه القضية بالذات، في حين، تفيد العبارة الثانية المستوى الأخلاقي، الذي يعتبرونه غائبا تماما إذا ما عبّر عن انتمائه أمام العائلات الصحراوية، التي انخرط آباؤها وأبناؤها مستبسلين في الدفاع عن مغربية الصحراء.

اقتبس جورج واشنطن كلمات من الإنجيل ليعلن استقالته من الرئاسة، وكرس بذلك منطق تبادل الأدوار، فنجاح التنظيم السياسي ليس في أن يصل إلى موقع القرار، وإنما أن يحف نفسه بأفراد يريدونه للاستمرار، الأمر الذي يغيب عن جبهة البوليساريو، التي لن تستطيع تمرير المغالطات أو الاستمرار في نهج سياسة الدعاية والتحريض، إذا كان الواقف على النقيض هو من أبناء جلدتهم، لا يؤمن بالانفصال بقدر ما يوقن بالاستمرار في العمل لخدمة القضايا النزيهة للإنسان عموما، بدل خدمة أجندته الشخصية.