تراجع الفكرة الانفصالية لدى المرأة الصحراوية

الثلاثاء 8 يناير, 2019 15:06 الحسين بكار السباعي تحديث : 8 يناير, 2019 15:07
إحاطة -

الحسين بكار السباعي

محام وناشط حقوقي ورئيس مرصد الجنوب لحقوق الأجانب والهجرة

قبل التفصيل في موضوع الصحراء ومعالجتها السياسية النوعية، من المهم الوقوف على الخلاف، الذي تدافع فيه الجزائر عن حدودها كما تركها الاستعمار الفرنسي، في مقابل المغرب الذي يطالب بحدوده كما كانت قبل الاستعمار، والتي تمثل معاهدة لالة مغنية في 18 مارس 1845 قاعدة مرجعية، وقد وقعها المغرب مع فرنسا بعد هزيمته في معركة إيسلي سنة 1844 بسبب دعمه لثورة الأمير عبد القادر الجزائري.

هناك عدة اتفاقيات أخرى وُقعت ما بين 1901 و1902 ترتبط بالمد الاستعماري لفرنسا في المغرب، وسعيها لتثبيت وجودها في الجزائر فيما سُمي بـ”فرنسة الجزائر”. ومنذ حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، ومشكلة الحدود مع الجزائر مطروحة، إلا أن المغرب كان يؤجلها حتى لا تعتبر طعنا للثورة الجزائرية، إلى أن حصلت الجزائر على استقلالها سنة 1962.

مجلس الأمن والجمعية العامة والبؤرة الثورية

المغرب يقول إن الصحراء كانت دائما مغربية، في حين ترفع الجزائر ورقة جبهة البوليساريو وتؤكد أنها قضية “تصفية استعمار” يعود البث فيها إلى اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، غير أن هذا التوجه الجزائري مجانب تماما للصواب، فمجلس الأمن يتبنى ملف الصحراء منذ سنة 1988، مما يجعل المزاوجة في تبني المعالجة بين مجلس الأمن واللجنة الرابعة الأممية، مفارقة تاريخية، والشيء نفسه يُقال عن الجمعية العامة، إذ يتم القفز فيها بشكل غير قانوني على المادة 12 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على أنه “طالما باشر مجلس الأمن، بصدد نزاع أو موقف ما، الوظائف، التي رسمت في الميثاق، فليس للجمعية العامة أن تقدم أية توصية في شأن هذا النزاع أو الموقف”.

لن نتابع هنا المتاهات التي عرفها الملف في الأمم المتحدة، فمشروع إقامة دولة في الصحراء لم يعد له مكان في السياسة الدولية العامة أصلا، وهنا نشير إلى السياق التاريخي للمشروع الذي كان يهدف إلى إقامة “بؤرة ثورية” تكون منطلقا لـ”تحرير” ما حولها، في إطار “محاربة الإمبريالية” زمن الحرب الباردة. كانت هناك “بؤر ثورية” مماثلة على الصعيد العالمي، مثل غينيا وإثيوبيا في إفريقيا إلخ…، لكنها ماتت بسقوط الاتحاد السوفيتي. وقد استخلص سكان المناطق التي كانت معنية به الدرس اللازم، ولا أعتقد أن الشباب الصحراوي، الذين كانوا قد انخرطوا في هذا المشروع، سيتأخرون، أكثر مما فعلوا طوال أزيد من أربعة عقود، عن استخلاص الدرس.

بحث ميداني في أوساط نساء صحراويات

مرصد الجنوب لحقوق الأجانب والهجرة كان سباقا، في دراسته التحليلية لقضايا الانفصال، بإجرائه لبحث ميداني، تركز محوره الأول، في مقالنا السابق (جبهة البوليساريو.. فكر انفصالي دون جذور) حول تبني موقف الانفصال لدى الشباب، وبالأخص لدى الطلبة القادمين من مدن الجنوب… في هذا المقال، نعالج “الانفصال” لدى المرأة الصحراوية وفكرة “الدولة الصحراوية”، مع الإشارة إلى أن البحث أجراه المرصد في أوساط نساء صحراويات في المدن التالية: كليميم، وطانطان، والعيون، وذلك في فترات مختلفة، وهنا، يجدر التنويه بالعمل الجبار الذي قام به فريق البحث لدى المرصد…

البحث الميداني كان عبارة عن استجواب، ترك مساحة واسعة لحرية التعبير، وأجرته نساء من المدن المذكورة، حتى يتسنى لنا الوقوف على تفاعل المستجوبات بشكل دقيق، فكما هو معلوم المرأة بمدن الجنوب لها مكانة خاصة، ليس في المجتمع المغربي فقط بل تتعداه للمجتمع العربي عموما، شبيهتها في المكانة هي المرأة الموريتانية.

ولابد من الإشارة، في هذا الصدد، إلى علاقة القرابة بين المستجوبات وبين مخيمات تيندوف، إذ وجدنا أن 63 في المائة مستجوبة تربطهن علاقة قرابة بأسر في مخيمات تيندوف، في حين صرحت 37 في المائة أنهن لا يرتبطن بأي علاقة، وهو ما يبقى محط شك، بالنسبة لنا، نظرا للحساسية التي ترتبط بالموضوع.

استفسرنا، في البداية، عن مدى تبني المرأة الصحراوية لفكرة الانفصال، رفضت 77 في المائة الفكرة، في حين 23 في المائة منهن تبنين الطرح الانفصالي، وهو ما يحيلنا إلى أن الفكرة لم تعد موقفا تتبناه الأجيال الحالية، عكس ما تروج له المنابر الإعلامية الانفصالية، التي يجب الاعتراف لها بالقوة الإعلامية وتمكنها من تسييس وقفات اجتماعية، وقدرتها الهائلة في استثمار التصوير الإعلامي بشكل يحوّل وقفة لعشرة أشخاص إلى مسيرة مائوية.

تعمق الفيلسوف ألبير كامو في تحليله لمفهوم التمرد في المجتمعات، وأشار إلى أن الشعور بالتمرد والرفض لا يظهر عند النظر في الحقائق والتأثيرات الأحادية الجانب، بل في المقارنة بين الوضع والواقع. وأضاف كامو أن التمرد لا ينحصر في الإنسان أو في العالم فقط، إنما في انصهارهما، فيصبح التمرد هو الخيط الوحيد الناتج بينهما. من خلال هذا المستوى من النظر إلى العالم، نخلص إلى نوع من الاتحاد الثلاثي: التمرد/الوعي الإنساني/الدولة، وبالنتيجة، في حال استثنينا واحدا منها سيؤدي ذلك إلى تفكيك هذا الاتحاد. إن التصادم بين حدود هذا الثلاثي أو تصارعها يولّد شعورا بانعدام الأمل والإنكار المستمر وعدم الرضا. وإذا تمكنا من تجاوز هاته الحدود عبر تحقيق مصلحة المواطن، فإن الشعور بالتمرد يزول، لأنه يقاس بنسبة عدم توافقاتنا…

تراجع القناعات بالفكرة الانفصالية

من خلاصات البحث الميداني تراجع القناعات بالفكرة الانفصالية، إذ إن جل المستجوبات، حينما توجهنا لهن بالاختيار بين تبني أبنائهن للفكرة الانفصالية وبين التحصيل العلمي، كن يؤكدن على ضرورة التحصيل العلمي، في مفارقة غريبة تحصر فكرة الانفصال في فشل المواطن، الذي يتبنى الموقف، تعبيرا منه على رفض الواقع. وهنا، نعتقد أن دور الفاعل السياسي مهم جدا، ويتجلى في المرافعة على مصلحة المواطن، كما يجب على الدولة خلق منافذ ومتنفس للمواطن عبر مختلف الأقاليم، عبر منحه فرصة أن يكون مواطنا منتجا لمصلحته هو وأسرته، وبالتالي ستنعكس إيجابا على مصلحة الدولة، التي تبقى في نهاية المطاف مصالح مجموع المواطنين.

مشكل الصحراء يعني الصحراويين أم كل المغاربة

من خلال البحث الميداني، الذي أجراه مرصد الجنوب للهجرة وحقوق الأجانب، طرحنا على الصحراويات المستجوبات هذا السؤال: هل مشكل الصحراء يعني الصحراويين فقط أم المغاربة عموما؟ وقد أكدت 77 في المائة أن المشكل يعني الصحراويين فقط، وأن الحل بيد الصحراويين، في حين اعتبرت نسبة 23 في المائة أن مشكل الصحراء يعني كل المغاربة…

من المفيد الإشارة، هنا، إلى أننا كنا أكدنا، في أكثر من مناسبة، على ضرورة “صحروة” المشكل، والدفع بالوطنيين الصحراويين المغاربة للتحرك على جبهات الصراع الأممية، وعلى جميع الأصعدة، ويبقى خير مثال الإحراج الذي كانت وقعت فيه جبهة البوليساريو أثناء جولة المفاوضات بمانهاست الأمريكية سنة 2011، والذي جعلها ترفض الجلوس في مفاوضات مستقبلية مع الوفد المغربي بحضور أي صحراوي، وتحججوا بأن مشكلتهم مع المغرب وليس مع الإنسان الصحراوي، وهناك أيضا مفاوضات جنيف الأخيرة، وكيف تحركت الكتائب الانفصالية في نشر تدوينات تستهدف تخوين الوفد المغربي المشارك في المفاوضات، مما يبين أن إيجاد حل واقعي ليس مبتغاهم، لمشكل طال أمده، كان في الإنسان وليس في مناطق الجنوب، ولكن الإنسان في تندوف أضحى أكبر ضحاياه، وفي القرن الواحد والعشرين مازال الفاعل السياسي السبعيني والثمانيني يقرر في مستقبل الشاب العشريني! فمشكل الصحراء ورثناه عن آبائنا وأجدادنا، ومازال هناك من هو مستعد لتوريثه لأبنائنا ليعيش في ظله أبناؤه! لقد آن الأوان أن ينتهي هذا العبث…