التخلف الفكري

الخميس 31 يناير, 2019 16:30 يونس مجاهد
إحاطة -

من بين القضايا الكبرى، التي شغلت اهتمام الباحثين، الدور الذي تلعبه العوامل الثقافية في التنمية، حيث اختلفت المدارس، في مدى أهمية الثقافة السائدة في تطور أو تخلف المجتمعات، رغم أن الجميع يتفق على أنها عامل من عوامل التنمية، لكن هناك من يمنحها الدور الحاسم، وهناك من يعتبر أن هناك عوامل أهم، مثل الاقتصاد والجغرافيا والمؤسسات السياسية.
فهناك من يعتبر، مثل ماكس فيبر، أن البروتيستانتية كان لها دور رئيسي في تطور الرأسمالية، نظرا لما تتضمنه من قيم، مثل تمجيد العمل والعقلانية والانضباط، بينما يعتبر أن هناك مجتمعات مثل ما هي موجودة في العالم الإسلامي، لا يمكنها أن تعرف نفس التطور، بحكم القيم السائدة فيها.
أما بالنسبة للذين يُرجِعون أسباب التقدم الاقتصادي، إلى العوامل الجغرافية، حيث يؤكدون أن المناطق المعتدلة المناخ، هي التي تشهد تطوراً، فإنهم يصطدمون بمثال مضاد، هو شمال إفريقيا، حيث إنه يتوفر على مناخ مشابه للدول الأوروبية، غير أن هذا لم يكن حاسما في التقدم الاقتصادي. ونفس النقد يمكن أن يوجه لنظرية ماكس فيبر، حيث إن البلدان الإسلامية، عرفت حضارات متميزة، انطلاقا من قيم الكد والعمل وتقدير قيمة الزمن والتركيز على الكسب والتجارة والخير والتضامن…كما شكلت هذه الحضارات جسراً مهماً لمرور الثقافات الإغريقية والرومانية إلى أوروبا، بل أكثر من ذلك كانت لها إسهاماتها الكبرى، في الفلسفة والعلوم.
لذلك، يعتبر العديد من الباحثين أن أسباب تخلف العالم العربي/الإسلامي، على الخصوص، يكمن في الانحطاط الذي عرفه الفكر، بسبب إغلاق باب الاجتهاد، حيث عاش هذا العالم في ظل جمود وظلام وأفكار ميتة وخرافات، مازالت سائدة لحد اليوم، الأمر الذي لا يمكن الاستهانة بتداعياته على التربية والتعليم وسلوك الناس ومستواهم الثقافي والمعرفي ونظرتهم للعالم ولأنفسهم.
وإذا كان من الطبيعي أن تكون للتخلف أسباب متعددة، في الاقتصاد والمجتمع والتاريخ والجغرافيا، فإنه من المؤكد أن للثقافة السائدة أيضا دورها الهام، ولا يمكن تصور الخروج من التخلف التنموي، دون القضاء على التخلف الفكري.