حوارٌ في الإرث

الأحد 8 نوفمبر, 2015 17:35 حسن طارق
إحاطة -

أصدر المجلس الوطني لحقوق الإنسان ، وهو مؤسسة وطنية ينُص عليها الدستور المغربي، تقريراً تحت عنوان “وضعية المساواة والمناصفة بالمغرب.. صون وإعمال غايات وأهداف الدستور”، تضمّن، في إحدى توصياته، دعوة إلى تعديل قانون الأسرة، لكي يمنح حقوقاً متساوية للمرأة والرجل في مجال الإرث. ويعد التقرير الأول من نوعه في موضوع المساواة بين الجنسين والمناصفة، وقد تم تقديمه بإعتباره حصيلة تحليلية، تأتي بعد عشر سنوات من إصلاح قانون الأسرة وأربع سنوات على تبني الدستور الجديد، وعشرين سنة بعد تبني المجتمع الدولي لإعلان ومنهاج عمل مؤتمر بكين في عام 1995.
التقرير اعتبر أن “المقتضيات القانونية غير المُتكافئة المنظمة للإرث تُساهم في رفع هشاشة الفتيات والنساء وفقرهن”،وهو ما جعلهُ يوصي بتعديل قانون الأسرة “بشكلٍ يمنح للمرأة حقوقاً مُتساوية مع الرّجل في مجال الإرث، وفقاً للفصل 19 من الدستور، والمادة 16 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة”.
جزءٌ من الفاعلين، في البداية ، إنتصروا فور صدور التوصية، لواحدٍ من رَأيَيْـنِ حاسمين، إما دفاعاً عن إعادة النظر في منظومة الإرث ، أو تعبيراً عن رفضٍ قاطعٍ لأي مسٍ بقاعدةٍ شرعية ورد بشأنها نصٌ قرآنيٌ واضح الدلالة .
انطلق الرأي الأول من موقع الدفاع المبدئي عن فكرة المساواة، بمعناها الكوني وخلفيتها الحُقوقية والإنسانية، فيما صدر الثاني من موقع الدفاع عن الهوية وثوابتها الدينية.
وهنا، فإن الأمر تعلق بالأساس، في حالة المُدافعين، بجمعيات حقوقية ونسائية ومدنية مؤمنة بالمساواة بين الرجل والمرأة. وفي حالة الرّافضين، بتنظيماتٍ ذات مرجعيةٍ إسلامية وطبيعة دعويةٍ، أو ذات نظرةٍ مُحافظة، تحرص على مقاربة مسألة الحقوق ضمن إطار الهوية. لكن، مع تطور النقاش، اتضح أن مُتدخلين كثيرين في الموضوع تجاوزوا خُطاطة إعلان المواقف الفورية تجاه توصية مُراجعة الإرث، إذ لوحظ ما يمكن تسميته تبادل الحُجج النّمطية، إذ استند مُدافعون عن التوصية، وهم المحسوبون نظرياً على جبهة الحداثيين، في بناء مواقفهم على اجتهاداتٍ فقهيةٍ، لم يقف أمامها وجود نُصوصٍ  قطعية. وفي المقابل، استند الرّافضون، وهم المحسوبون نظرياً على جبهة المحافظة أو حتى الأصولية، على مُقتضياتٍ وفُصول من الدستور الوضعي.
وبعيداً عن منطقي الرّفض والدّفاع، فإن بعض الخطابات حاولت التمييز بين الموقف المبدئي تجاه مبدأ المساواة وموقفٍ سياسيٍ يُعلن اختلافه الواضح مع توقيت إخراج المجلس الوطني لحقوق الإنسان هذه التوصية المُثيرة للجدل، كما هو الحال، مثلاً، بالنسبة لحزب التقدم والاشتراكية، وريث التنظيم الشيوعي الأول في المملكة، أو بالنسبة لباحثين قدموا مُؤشراتٍ عديدة حول فرضية الاستعمال السياسي لمعارك ذات طبيعة هوياتية.
مرةً أخرى، يُعيد هذا النقاش التفكير في الطبيعة التوافقية للدستور المغربي نفسه، والتي من شأنها أن تغذّي التوتر القيمي والمعياري الذي ينتجه هذا النص، وينعكس على تجاذبات القراءة التأويلية، المُوزعة بين الديني والهوياتي والخصوصي من جهة، والكوني والحقوقي من جهة أخرى. وهي تجاذبات تبدو بعض مقتضيات الدستور قابلة لها، مثل حالة الفصل 19 من الدستور الذي يجعل تمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات مشروطاً بنطاق ثوابت المملكة، أو حالة الالتزام الوارد في التصدير بجعل الاتفاقيات الدولية تسمو على التشريعات الوطنية. لكن، في نطاق هوية المغرب الراسخة.
عموماً، لا بد أن ينتبه المُتتبع لدينامية الحوار العمومي التي أنتجها التقرير الموضوعاتي للمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان إلى خطابات حادةٍ في توصيفها لمُعدي التقرير، والجهة التي أشرفت على صياغته، وتكادُ تقترب في نبرتها من دعوات التّكفير. لكن، من المُهم كذلك أن نُلاحظ تقدماً في التدبير الجماعي للقضايا المُجتمعية الأكثر حساسية، إذا استحضرنا، مثلاً، مُناخ التّقاطب الحاد الذي هيمن على الحقل السياسي والإعلامي، بل وعلى الشارع المغربي، بمناسبة مُناقشة البرنامج الأفقي الذي كانت قد أعدته حكومة التناوب (1998)، وعُرف بخُطة إدماج المرأة في التنمية.