فن الالتزام

الأثنين 27 أبريل, 2015 15:36 أحمد الدافري
إحاطة -

 في الدورة الأخيرة لمهرجان مكناس للفيلم التلفزيوني، برمج المنظمون نشاطا فريدا من نوعه، لم يسبق لي في حياتي أن عشت أجواء مثيلة له. فقد فاجأ مدير المهرجان، محمود بلحسن، الضيوف الفنانين والصحافيين ومهنيي التلفزيون، بدعوتهم لمشاركة سجينات سجن تولال 3 الخاص بالنساء في مشاهدة فيلم “ألوان من المنفى” للمخرج مصطفى مضمون، وهو نشاط استثنائي، لم يسبق حسب علمي أن أتى بمثله أي مهرجان تشرف على تنظيمه إحدى هيئات المجتمع المدني التي تهتم بنشر ثقافة الفنون السمعية البصرية.

في بوابة المركب السجني تولال طُلب منا أن نترك هواتفنا المحمولة لدى موظف كان من بين من استقبلونا في البوابة، لأن تصوير السجناء والسجينات ومرافق السجن ممنوع. وهو إجراء معقول، كان من اللازم أن يخضع لها ويتجاوب معها الجميع، ما عدا مصور المهرجان الذي كان من الضروري أن يقوم بمهمته المتمثلة في توثيق هذا النشاط، وهو نشاط تم بتنسيق تام بين مدير المهرجان محمود بلحسن الذي يمثل أيضا وزارة الثقافة بصفته رئيس مصلحة الشؤون الثقافية بالمديرية الجهوية لجهة مكناس تافيلالت، وبين المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، بموجب شراكة تجمع هاتين المؤسستين الأخيرتين بوزارة الثقافة.

مشهد السجينات، وهن يزغردن فرحا بوجود فنانين وفنانات مغاربة مشهورين معهن في قاعة العرض، ويرددن “الصلا والسلام عليك أرسول الله، لا جاه إلا جاه سيدنا محمد، الله مع الجاه العالي” كان مؤثرا. بل هناك من الضيوف من لم يستطع أن يتحكم في عواطفه فانهمرت الدموع من عينيه. لحظة قوية اختلطت فيها مشاعر الحزن مع أحاسيس الفرح في مزيج متناقض. فالحزن العميق الذي يترك الغصة في الحلق، لابد أن يشعر به أي كائن بشري يملك الحد الأدنى من الصفات الإنسانية، وهو يرى نساء من مختلف الأعمار، من بينهن أمهات شابات يحملن في أحضانهن أطفالا رُضّعا، وأخريات متقدمات في السن، وقد ساقتهن أخطاء الحياة إلى قضاء ردح من عمرهن بين الأسوار العالية لهذه المؤسسة، وربما تكون الأفعال التي بموجبها حُكم على البعض منهن بالانزواء في هذا المكان أقل خطورة من الأفعال التي يرتكبها أشرار حقيقيون لم تصلهم يد العدالة بعد، ومازالوا يعيثون فسادا خارج حيز هذه المؤسسة السجنية. والفرح الصادق الذي يبدو مُشعا من العيون، وينبعث بجلاء من البسمات المرسومة على الشفاه، لابد أن يغمر أي كائن بشري فوق هذه الأرض، وهو يسمع صيحات النساء السجينات، اللواتي كن يرحبن بالفنانين والفنانات، ويهتفن بأسماء شخصيات مثلوها ومثلنها في أعمال فنية.

في بلدنا، لسنا في حاجة إلى فن نملأ به فقط مساحة فارغة في السينما أو المسرح أو التلفزيون، لكي نُقنع أنفسنا بأن لدينا نشاطا ما، يمارسه أشخاص في حاجة إلى امتهان حرفة يتقاضون عنها أجرا يتدبرون به أمر عيشهم. بل نحن في حاجة إلى فن مرتبط بالإنسان، وإلى فنان ملتزم بقضايا الإنسان. ومهرجان مكناس للفيلم التلفزيوني، من خلال هذا النشاط الإنساني الذي فاجأ به ضيوفه، تحمل مسؤوليته لتحقيق هذا المسعى.