عندما نترك عواطفنا تتحدث

الأثنين 13 يوليو, 2015 12:24 كمال بليلط
إحاطة -

البارحة سألتُ صديقا عزيزا من الجزائر “قبايلي”، عن أسباب الأحداث التي وقعت في “غرداية” ، وبالمناسبة فهو صديق مثقف وله مستوى أكاديمي محترم، ويعيش في دولة غربية، بمعنى أنه يحتك يوميا بثقافة مخالفة أكثر نُضجا ورصانة. فكان جوابه باختصار بأن سبب المشكلة هو صراع بين الجهل من جهة والعلم من جهة أخرى، بين فئة مسالمة ذات ثقافة إنسانية عالية، وفئة أخرى جاهلة ذات ثقافة بدوية لا تعرف سوى منطق القوة والعنف.

ما استوقفني في هذه الشهادة هو أننا نصادف هذا النمط من التفكير يوميا، حتى لدى نجومنا من المثقفين في الساحة. هو نمط تفكير عاطفي لا يمت بصلة للعقلية العلمية، هو نمط ساد في فترة مُحددة في الغرب، والتي كانت تتسم بالعلموية Scientisme، بمعنى الثقة العمياء في العلم واعتباره قادرا على الخوض في كافة الاشكالات سواء ذات طبيعة علمية او قيمية او اجتماعية.

هذا النمط من التفكير هو تفكير عرقي عاطفي ميّز القرن التاسع عشر، قرن البعد الواحد كما يسميه السوسيولوجي الألماني هربرت ماركيوز، هو القرن الذي نظَّر للمركزية الغربية، إذ أنه كان يعمل جاهدا على إثبات فكرة مفادها أن النظر والعلم سمة غربية، أي أن الغرب وحدهم القادرون على التفلسف والنظر والعلم، وطبعا هذه الفكرة لها ما يُبررها في الواقع: هو شرعنة التدخل في البلدان الأخرى واستعمارها بحجة نشر الثقافة والحضارة والعقل…

وفي هذا السياق نجد المستشرق الفرنسي: إرنست رينان Ernest Renan ، إلى جانب آخرين، يدافع عن أنه لا وجود لفلسفةٍ في الثقافة الإسلامية، بل الفلسفة والعلم عند الفارابي وإبن سينا وابن رشد وابن باجة وثابت ابن قرة والبتروجي وابن البنة المراكشي وابن خلدون وابن الهيثم …إلخ، ما هي إلا فلسفة يونانية كُتبت بأحرف عربية.

لكن بعد هذه الفترة التي واكبتها ظهور عدة مناهج علمية وحقول معرفية جديدة، مثل مفهوم التاريخ، الذي أعطى للحقيقة بعدا تاريخيا، وأن هذا الأخير (التاريخ) هو مسكن المعقولية، بالاضافة إلى ظهور فلسفة العلوم أو الابستمولوجيا في شكلها المعاصر تبيَّن بالملموس وبشكل موضوعي أن مِشعل الحضارة انتقل من اليونانيين إلى المسلمين، وأن هؤلاء قدموا حلولا علمية لإشكالات نظرية ودفعوا بحركة التاريخ إلى الأمام مثلهم مثل باقي الأمم.
لكن إذا كان لهذا التفكير العرقي ما يبرره واقعيا في الغرب، لأن واقع المسلمين وتخلفهم البنيوي الحالي يبرر هذا القول عاطفيا ووجدانيا، فهل يمكن لمثقف حقيقي أن يقول هذا الكلام بخصوص مجتمع واحد من نفس المنظومة ؟ طبعا العلم والواقع يكذب هذا.
وأختم هذه الأفكار بأن مشكلة ثقافتنا هي أننا لا نملك الحد الأدنى من التفكير التاريخي، لأن هذا الأخير هو من يُجنِّبُنا السقوط في المقاربات الأدبية والوجدانية والعاطفية العاجزة عن التفسير، والتي تعلمنا بأنه لا تفاضل بين اللغات أو الثقافات أو الأجناس… وأن للعلم منطقهُ الخاص الذي لا يعترف بالدين أو العرق أوالجغرافيا، وأن العاطفة لا يمكنها ان تحل أي قضية مهما كانت عادلة ومشروعة.