الخطاب التعليمي المظلِّل في المغرب

الخميس 6 أغسطس, 2015 13:42 كمال بليلط
إحاطة -

الديموقراطية والحداثة ودولة المؤسسات ليست شعارات نرفعها، ولا هي آلات ومنتوجات نستوردها كما نقوم بإستيراد الأجهزة والوسائل والملابس، بل هي مرحلة تاريخية لن نصلها بالخطابات الرنانة والكلام البزنطي، ولن يتمثلها مجموعة من الغوغائيين الذين وصلوا إلى السلطة عبر صناديق اقتراع شعب مُجهل ومُفقر وأمي، يجهل أبجديات المواطنة والمسؤولية والحق والواجب …إلخ.
ومن بين التهافُتات والإنزلاقات والقرارات المفاجئة التي تتخدها هذه الحكومة الهجينة، الفاقدة للبوصلة: مشروع تكوين عشرة آلاف إطار، وتغيير النظام الأساسي للمراكز الجهوية مع الوزير السابق “الوفا”، الآن لقد تم تغيير نفس المرسوم مع الوزير التكنوقراطي بالمختار، والتي هي طبعا قرارات تتسم بالإرتجالية والعشوائية، هدفها الأساسي الملاءمة مع الاجراءات المفروضة والمُقترحة من قِبل صناديق الاقتراض العالمية. فهذا القطاع كما نعلم هو العمود الفقري للتنمية والرقي والتغيير المرجو من قبل الشعوب قاطبة؛ لهذا نجد أن أغلب الدول المتقدمة التي تريد الاستمرار في القيادة والتحكم تولي له الأهمية الكبرى، وتُجنبه ما أمكن المزايدات السياسية أو الاقتصادية، بل و تخصص له خبراء وعلماء وبيداغوجيين وديداكتيكيين ومفكرين مهمتهم الوحيدة هي التفكير والتخطيط العلمي الدقيق، لكن الاستثناء المغربي يبقى طاغبا في كافة القضايا، بما فيها قضية موضوع حديثنا (التعليم)، إذ نجد هذا المجال الحساس خاضعا كباقي المجالات للمزاجية والعاطفة والتوصيات الخارجية التي تريد خلق مواطنين لا يعرفون سوى منطق الاستهلاك والطاعة العمياء، (وهذا ما يفسر تركيز خطاب الدولة على التكوين المهني المحض) … ويتجلى هذا المنطق المتسرع والعشوائي في سياسة الدولة، الأمر الذي يترجم سوء نواياها وعدم رغبتها في الإصلاح الحقيقي، لهذا نجد مجالس للتعليم يترأسها سياسيين ورجال إعلام وإشهار وأموال بدل أن يترأسها متخصصون يدركون بأن للتربية والتعليم والعلم منطقهم الخاص، ليس منطق المُقدسات أو الأرباح أو الأسواق …
ويتجلى هذا المنطق اللاعلمي، منطق الموازنات المالية والسياسية في بعض الاجراءات التي اتخدتها هذه الحكومة مثل تكوين أطر للتدريس في القطاع الخاص، وهو مشروع تكوين 10000 إطار مؤهل لمهنة التدريس، لكن سوء التخطيط والعشوائية والضبابية في الرؤية لدى المسؤولين أوصل هدا المشروع إلى أفق مسدود، والآن تم تغيير النظام الأساسي للوظيفة العمومية بشكل انفرادي، بحيث أصبحت المراكز الجهوية تعطي شهادة للتأهيل بدل التوظيف المباشر للخريجين، بمعنى أن الحاصلين على شهادة المشروع الأول (10000 إطار) سيعيدون نفس السنة ونفس التكوين إن لم تكن أقل جودة.
هذه القرارات التي تُجهز على مكتسابات الشعب المغربي في القطاع، هي قرارات مُمهدة لخوصصة التعليم، والحد من مجانيته نزولا عند رغبة صندوق النقد الدولي والأبناك المانحة، التي تريد أن تجعل من المجتمعات التالثية والمتخلفة والسائرة نحو التنمية مجرد سوق استهلاكية لمنتجاتها ونفاياتها، من خلال التركيز على الجانب المهني والتقني المحض.
ونختم بالتأكيد على إسناد القطاع للمتخصصين، وإخراجه من يد الفاعلين السياسيين الذين حوَّلوا المنظومة التعليمية إلى مختبر فئران التجارب: كُل موسم يفاجئون العاملين والمهتمين بسياسات متسرعة وضبابية، ويجب أن نقطع مع سياسة الموازنة والآنية والرغبة في الاقتيات من مرجعيات مُختلفة، بدل العمل على إخراج نموذج مغربي يستجيب لحاجيات المرحلة، وتحديات العصر…