سؤال الثروة والفقر

الخميس 6 أغسطس, 2015 14:46 عبد الحميد جماهري
إحاطة -

في عيد العرش من السنة الماضية وضع الملك سؤالا غير مسبوق على لسان الملوك:أين ثروة بلادي؟

وهو سؤال استنكاري،جاء نتيجة التصنيف المفترض للبلاد ضمن الدول التي شملها موضوع دراستين قام بهما البنك الدولي على مرحلتين، لقياس الثروة الشاملة لحوالي 120 دولة، من بينها المغرب. وقد خلص هذا البنك إلى أن بلادنا “في المراتب الأولى على الصعيد الإفريقي، وبفارق كبير عن بعض دول المنطقة”.

وليس سؤال الثروة سوى سؤال توزيعها، في المنظور الاستنكاري الذي تكلم به رئيس الدولة وضامن استقرارها، ترجمه الاستفهام المحايث: “هل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همت بعض الفئات فقط ؟ “.

من الواضح أن الإستفادة التي كان من المفترض أن تسري على الجميع انحسرت في فئة محدودة.

جلالة الملك بدوره يعي نفس الأمر منذ سنة، عندما قال إن “الجواب عن هذه الأسئلة لا يتطلب تحليلا عميقا : إذا كان المغرب قد عرف تطورا ملموسا، فإن الواقع يؤكد أن هذه الثروة لا يستفيد منها جميع المواطنين. ذلك أنني ألاحظ، خلال جولاتي التفقدية، بعض مظاهر الفقر والهشاشة، وحدة الفوارق الاجتماعية بين المغاربة”.

ولذلك كان لا بد من دراسة مغربية ميدانية ،لضرورة اعتمادها كمعيار أساسي خلال وضع السياسات العمومية وهي الدراسة التي طالب بها المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وربطها بإجراء الإحصاء العام للسكنى ..

فهل ربح المغرب منذ 2014 , منذ خطاب العرش والاحصاء والرجة التي احدثها سؤال ملكي حول الثروة – الشبح؟

في البدء كان الأمر يتعلق بمفاهيم تبدو مجردة:الثروة الاجتماعية، السعادة، والرخاء ..ثم زاد الالتباس في الأذهان عند الحديث عن الرأسمال اللامادي..الذي بدا أنه يضع المغرب في رتبة جيدة بنسبة حددها العارفون في 87٪، من أصل 80 ٪ التي يتطلبها التصنيف ضمن الدول المتقدمة!!

عمليا, ومن حيث الجانب الملموس، يتطلب الأمر تعبئة للفاعلين الاقتصاديين والحكوميين المسؤولين عن الثروة من جهة والمسؤولين عن توزيعها من جهة ثانية.

الموضوع يغري بالحديث، لكنه يقودنا دوما الى النقطة التي يكون فيها الجميع متشابها.وحقيقة الأمر:

1 – إن الجواب يقدمه الواقع كما قرأه الملك نفسه في الخطاب الاخير لعيد العرش وهو يسرد على مسامع الشعب المغربي، بأثريائه وبفقرائه وبمتوسطي المعاناة، النتائج الصعبة والكارثية لدراسة ميدانية عن التوزيع المجالي ،السكاني، حتى لا نقول الطبقي للثروة. ويظهر من خلاله أن هناك فئة تعاني من ظروف الحياة القاسية،

وبدلا من أن يتحدث ملك البلاد، كما كان متوقعا من طرف النخب السياسية والحزبية والانتخابية عن الاقتراع وظروفه, وضع له الملك جدول الأعمال, والهدف منه، اي سياسة الاستفادة من الثروة .. ولذلك وجدنا أن الملك يقدم معطيات غاية في الإحراج للدولة والنخب المجتمعية: فبعد أن تم تكليف وزير الداخلية، بصفته الوصي على الجماعات الترابية، للقيام بدراسة ميدانية شاملة، تم تحديد حاجيات كل دوار، وكل منطقة، من البنيات التحتية، والخدمات الاجتماعية الأساسية، سواء في مجال التعليم والصحة، أو الماء والكهرباء والطرق القروية وغيرها.

وقد شملت هذه الدراسة كل جهات المملكة، حيث تم تحديد أزيد من 29 ألف دوار، في 1272 جماعة تعاني من الخصاص. وتم تحديد اهداف السياسة العمومية من وراء ذلك, فتمت دراسة حوالي 800 20 مشروع، تستهدف أزيد من 12 مليون مواطن يقطنون بأكثر من 24 ألف دوار، وبميزانية إجمالية تبلغ حوالي 50 مليار درهم.

2 -بعيدا عن الموضوع, قريبا منه، لم يعد الحديث عن الثروة يرد كموضوع جديد في المشروع الاجتماعي للعديد من القوى السياسية منذ أن نزعت عنه الجوانب المحرمة, اي لم يعد طابو. واصبح موضوع تداول دولي من جهة ومعيارا سياسيا في التصنيف من جهة ثانية، لكنه في الواقع السياسي المغربي أصبح مادة لتجريب الذكاء المؤسساتي في طرح القضايا الشائكة.

ولكن ذلك لم يمنع من أن موضوعة الثروة، انتقلت إلى هذا المصاف، بدون أن تسقط من حسابات التأثير السياسي لدى أطراف جديدة في الساحة الوطنية,فقد أصبحت الثروة رهانا سياسيا لدى قوى سياسة صاعدة ولها قوتها التي تحاور بها الدولة، واصبح مطروحا لديها الحديث عن الحد غير المقبول من التعامل مع الثروة: سواء في الربط بينها وبين القرار السياسي أو في الحديث عن طبيعة النظام كما في حالة العدل والاحسان..

3 – لا يمكن، مهما حاولنا التدقيق أن نحرر مفهوم الثروة أو نخرجه من معادلة الالتباس التي تربطه مع الفقر ، أي معادلة تجمع بين من يملك كل شئ ومن يملك لاشيء. وهو التباس فعلي،تغذيه الدولة كما تغذيه المشاريع السياسية للمناوئين والاعداء الطبقيين وللمعارضين الاسلاميين ، للشعبويات الزاهدة، إضافة الى نوع من التباس استراتيجي بين خلقها وتوزيعها..

وبالرغم من ميل الدولة عادة الى الاستهجان الراديكالي لاستعمال الفقر كثروة سياسية، (ليس غريبا أننا نتحدث عن حساب سياسوي كما نتحدث عن حساب بنكي!) فإن ثمن الثروة التي تثير الشعور بالفقر لها حساب لا يمكن القفز عليه!

4 – يتضح من التوزيع الجغرافي والسكاني للفقر أن الذكاء الوحيد، بعد تعطيل مصعد المدرسة الوطنية وتعطيل العدالة الاجتماعية ، والمسموح به لدى الفقراء والبالغ عددهم 12 مليون مواطن هو الذكاء.. الاجرامي أو الاستسلامي لقدرية فادحة.

فإما أنهم سيعيشون عيشة الكفاف المتوجس لا النبوي، وبالتالي يستسلمون, وإما أنهم يبحثون عن حلول فردية وعادة ما تكون الانتهازية والضعف الوجداني والجريمة بكل ألوانها ، حظهم من أحلام الثروة، لا الثروة !

أو العيش في الضواحي الملتهبة لجغرافيا الثروة، في المدن وفي الحواضر التي تنتعش فيها الثروات الضخمة كاحتياطي نعرف أنه يستعمل من طرف مناهضي السياسة والمواطنة المناهضين للمستقبل!