امرأة.. جعلت من الكتابة ترياقا في مواجهة أوجاع الحياة

الأثنين 14 ديسمبر, 2020 15:00 وكالة المغرب العربي للأنباء
إحاطة -

“قلمي هو عصاي التي أتوكأ عليها وأهش بها على ألمي”، لعل هذه العبارة التي جاءت على لسان بطل رواية “سقف الكفاية” للكاتب السعودي، محمد حسن علوان، تلخص إلى حد بعيد الدور الذي يمكن أن تضطلع به الكتابة في تفريج آلام الإنسان والتخفيف من ثقلها على قلبه.

فلطالما شكلت الكتابة بالنسبة لكثيرين وسيلة للتنفيس عن الضغوطات والتعبير عما يختلجهم من مشاعر في مواجهة تصاريف الزمن بشكل تستحيل معه الورقة البيضاء بين يدي الكاتب إلى مساحة تندلق فيها آلامه وآماله، وتحمل عنه وزر حزنه الذي أنقض ظهره، وتواكبه في مسار الشفاء من تبعات الصدمات النفسية التي قد تعترضه في مطبات الحياة.

السيدة فاطمة الزهراء أهنوك (46 سنة) واحدة من هؤلاء الذين لجؤوا إلى الدواة والقلم اضطرارا واختيارا، وجعلوهما أنيسهم في الحياة بعدما أهداها القدر قبل سبع سنوات بنتا جميلة اختارت لها اسم هبة، مع ابتلاء لم تستوعبه أول الأمر يتمثل في إصابة الصغيرة بمرض نادر في الدماغ، لتفتح بذلك معركة علاج ابنتها بكل ما تتطلبه من كفاح وأسفار وسهر.

لم تجد فاطمة الزهراء، أو أم هبة، كما تحب أن تلقب نفسها، غضاضة في مشاركة رحلتها وقصتها مع مرض ابنتها، مع القراء، وكيف وجدت في الكتابة “متنفسا” تدون من خلاله اختلاجات صدرها وتخفف عنها بعضا من الضغط.

“حينما كنت حاملا للمرة الثالثة، دعوت الله من كل قلبي أن أنجبها أنثى، أموت عشقا في هذا الكائن الصغير الجميل، أحب ألوان فساتين البنات، وأربطة شعورهن الملونة، وحنانهن ورقتهن وأحاديثهن ودلالهن المبكر”، بهذه المقاطع دلفت فاطمة الزهراء بأعضاء مجموعة على (فيبسوك) تعنى بالكتاب والقراءة، إلى حكايتها، وكيف أن الله استجاب لها.. “ور زقتها أنثى، جميلة، فتنت قلبي. أسميتها (هبة) لأنها هبة الله إلي بعد كل هذا العمر، رأيتني فيها وكأني عدت ليوم مولدي.. كأنني خلقت من جديد”.

تقول فاطمة الزهراء، ابنة مدينة مرتيل، إنه خلال الشهور الأولى من حياة هبة، “كنت أسقي صغيرتي نبض قلبي، وأنتظر أن أراها تنمو أمام عيني، تكبر، تخطو خطواتها الأولى، تنطق كلماتها الأولى”، قبل أن تنتاب الصغيرة في شهرها السادس حالة غريبة عبارة عن تشنجات وحركات متتالية برأسها وأطرافها سيشخصها الأطباء في ما بعد على أنها “متلازمة ويست”، وهي نوع من الصرع يدمر خلايا الدماغ ويسبب الإعاقة والتخلف الذهني والحركي.

لم تحتج فاطمة الزهراء وزوجها كثيرا من الوقت لاستيعاب هول الصدمة قبل أن يربطا على قلبيهما وينطلقا في رحلة علاج الصغيرة هبة التي قالت طبيبتها إن “الأمل الوحيد كي تتحسن ويكون أثر المرض ضئيلا هو السيطرة على النوبات بسرعة”. رحلة العلاج هذه بلغت لحد الآن سبع سنوات ونصف سنة ، تقول أم هبة إنها كانت “عجافا حافلة بالكثير من الألم والسفر والبكاء والدعاء وحصص العلاج والتخاطب والنفسي الحركي والترويض الطبي”.

وفي خضم هذه الرحلة الطويلة، ستلجأ فاطمة الزهراء إلى الكتابة وإلى توثيق رحلة علاج ابنتها، حيث أحدثت صفحة على فيسبوك سمتها “هبة.. رحلة الأمل والألم”، ومدونة على الشبكة العنكبوتية تحت مسمى: https://oumhibah.blogspot.com ، حيث فاق عدد الحلقات التي سطرتها فيها لحد الآن 140 حلقة.

عن هذه التجربة تقول فاطمة الزهراء ،في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء: “في البداية كنت أكتب فقط بعض اليوميات عن حالة هبة.. وقد اقترح علي بعض الأصدقاء إنشاء مدونة وتسجيل يوميات هبة.. لكني فكرت قبل تدوين أي شيء أن أكتب رحلة علاج صغيرتنا وكيف اكتشفنا المرض وكل المراحل التي مررنا بها”.

وحول ما إذا كان للكتابة وقع جيد على نفسيتها، تقول أم هبة: “نعم الكتابة ساعدتني كثيرا في التحرر من الضغوطات والأوجاع، أن أبث الحروف آلامي شيء ساعدني نفسيا، خاصة وأن كل واحد منا يحتاج لأن يحكي مكنونات صدره لشخص ما. وقد شعرت بعد رحيل أمي وعدم وجود أخت لي أن ليس لي أحدا أبثه أحزاني إلا الكتابة”.

“الكتابة جعلتني أشعر أني لست وحدي”، تقول فاطمة الزهراء، وهي تتحدث عن دعوات كثيرة تصلها من أناس لا تعرفهم قرؤوا ما تنشره عن تجربتها مع ابنتها وأحسوا بحجم معاناتها، فصاروا قريبين منها يطمئنون عليها وعلى الصغيرة.

تتذكر أم هبة أن سيدة لا تعرفها اتصلت بها ذات يوم وقالت لها “لقد كنت صائمة اليوم، وعند الإفطار دعوت بالشفاء لهبة”، فيما حدثتها أخرى تقول “صرت أدعو لهبة في كل صلاة كأنها ابنتي تماما”. “هذا يثلج صدري ويخفف عني كثيرا”، تقول فاطمة الزهراء.

الكتابة عن تجربة هبة كان لها وقع على قرائها أيضا، تقر أم هبة موضحة أنها تعرفت على أمهات كثيرات يحملن المعاناة نفسها. “كنت أعتقد أن ما أكتبه حزين ومحبط، لكن الواقع أن أمهات كثيرات وجدنه ملهما فعلا”، تقول أم هبة مضيفة أن “سعيي المتواصل بحثا عن علاج فعال، وعدم انكساري رغم آراء الأطباء المحبطة، أعطى طاقة إيجابية لأمهات كثيرات، أعطاهن القدرة على مواصلة الكفاح والتشبث بالأمل”.

ولم تخف أم هبة سعادتها وهي تتحدث عن رسائل كثيرة تصلها يوميا من “أخواتها في المحنة”، أمهات يخبرنها أنها تتكلم بلسانهن جميعا، وتعبر عن خلجات نفوسهن، بل إن بعضهن تخطين حاجز الصمت وحساسيتهن المفرطة تجاه مرض صغارهن.

وتتذكر في هذا الصدد أن أما أخبرتها أنها تخفي مرض طفلها عن العائلة، وأنها لا تتحمل نظرات الشفقة ولا كلمات الرثاء من أحد، “لكنني أخبرتها أن هذا سيشكل ضغطا أكبر عليها، فمرض أبنائنا ليس ذنبا ولا جرما كي نخفيه، وحالة الرضا والتقبل تقلل المعاناة”.

رسالة أخرى تتذكرها فاطمة الزهراء وصلتها من سيدة لا يعاني أبناؤها من أي مرض، تقول فيها “لما قرأت رحلتك مع ابنتك بكيت بحرقة.. ليس رثاء لحالك فقط.. بل لأني كنت أجهل النعم التي أسبغها الله علي حين رزقني أولادا يتمتعون بكامل صحتهم وعافيتهم، ومع ذلك كنت عصبية طوال الوقت وأضربهم لركضهم ولهوهم المستمر”.

وعن أسلوبها الماتع في الكتابة، الذي وجده كثير من قرائها “سلسا ومنسابا” ويساهم في إيصال رسالتها إلى قلوبهم مباشرة، تعزو أم هبة ذلك إلى شغفها بقراءة الأدب منذ صغرها ما جعلها تمتلك ناصية الحرف وتتقن فن التعبير، حتى إنها كانت تجد ضالتها دائما فيه.

وإذا كانت رحلة علاج هبة ما زالت مستمرة منذ أزيد من سبع سنوات، فإن “أم هبة” يراودها اليوم حلمان اثنان، أولهما شفاء ابنتها الصغيرة، وثانيهما جمع ما كتبته من حلقات حول رحلة علاجها بين دفتي كتاب يوثق للتجربة الصعبة، ويرسخ دور الكتابة في مواجهة أوجاع الحياة.