“ولد الكاريان” يكشف لإحاطة هواجسه الأدبية وعالمه المليء بالمتناقضات

الثلاثاء 7 سبتمبر, 2021 17:37 زيد عفوت
إحاطة -

كشف عزيز سدري، الصحافي والكاتب والمترجم، عن هواجسه الأدبية، وعن الأحداث، والوقائع والصور الغائرة في دواخله، والتي دفعت به الى انتاج في نهاية المطاف، عملا أدبيا متميزا، والذي هو عبارة عن رواية أدبية، اختار لها من العناوين: “ولد الكاريان”، والصادرة عن دار البشير للثقافة والعلوم المصرية، وبعدما حققت أرقاما عالية ضمن الروايات الأكثر مبيعا بدولة مصر، باتت تعرض حاليا في مكتبة “دار الجيل” و”دار السلف الصالح” بمنطقة الحبوس بمدينة الدار البيضاء.

وعن هذا العمل، قال مؤلف الكتاب، سدري، من مواليد سنة 1985 بالدار البيضاء، والحاصل على الإجازة في الدراسات الإنجليزية، والماستر في الصحافة الإلكترونية، وعضو في “Google Translate Community”، إن “فكرة كتابة رواية “ولد الكاريان”، لم تكن وليدة اللحظة أو الصدفة، بل هاجسا أدبيا، حيث ظلت هناك شخصيات بارزة وأحداث عالقة، ووقائع وصور غائرة في دواخلي، جرت تفاصيلها بأحد أكبر الأحياء الصفيحية بمدينة الدار البيضاء، ويتعلق الأمر بأشهر الكاريانات الصفيحية “دوار السكويلة””.

وأضاف عزيز سدري: “ذاكرتي المثقلة بالكثير من التفاصيل التي عشتها كواحد من أبناء الصفيح، أجبرتني ودفعتني إلى إفراغها على الورق، على شكل قصاصات ورقية أحرقت الكثير منها، واحتفظت بالقليل منها.. راقني جنس الرواية، ولم أنتقل إليها من القصة القصيرة كما هو شأن من احترفوا فن كتابة الرواية، لأن ذاكرتي كانت تختزل ما لن تستطيع القصة القصيرة تحمله”.

وأضاف المتحدث: رواية ولد الكاريان، هي رحلة في الزمان والمكان والذاكرة وعالم المتناقضات.. من حرّ صيف الأحياء الصفيحية، إلى قرّ كندا، ثم أمريكا.. عبر هذه الأزمنة والأمكنة، يسافر الكاتب بالقارئ إلى عوالم مختلفة من (الديستوبيا إلى اليوتيوبيا)، يروي فيها “حكايات ووقائع” بأسلوب سردي يمزج الواقع بالخيال بصور ذهنية راسخة في عمق الذاكرة”.

وتابع الصحافي عزيز سدري، في حديث هاتفي مع موقع “احاطة.ما”: “عمدت إلى إغناء الرواية بجملة من “التيمات” والمواضيع ليكون النص الإبداعي نصا معرفيا وازنا، تطرقت من خلاله إلى هامش الهامش، ولمختلف النتائج الاجتماعية، نظير القهر والقمع والفقر والفساد، والهجرة والجماعات الإرهابية، وكذلك الطبقية الاجتماعية”.

وعن جوابه على سؤال “احاطة.ما” فيما يخص شخصيات الرواية، يقول الكاتب: “في رواية ولد الكاريان، اهتممت أكثر بالشخصيات الثانوية، وبنيت عليها روايتي وجعلتها تتفاعل مع بعضها من خلال القيام بتوازنات محسوبة، بين الشخصيات الرئيسية، والشخصيات الثانوية، التي حددت صورة البطل أو الشخصية الرئيسية، بمنطق “الكل في واحد”.

واعتمد المؤلف في رواية “ولد الكاريان”، على الرؤية السردية من خلف، مؤكدا أنه اختار هذا النمط لأنه على معرفة ودراية بكل تفاصيل الشخصية الحكائية، “أو ما يسميه توماشفسكي، بالسرد الموضوعي، وكأن العلاقة بين الراوي والشخصيات في زاوية الرؤية هي علاقة سلطوية”، مبرزا أنها تنضوي ضمن جنس “سيرة ذاتية تخيلية” حيث يتلبس التاريخ بالواقع والسيرة والرحلة أو السفر أو القصص، وهي عادة ما تستغل المضيء والمتسامي للمحكي التحويلي”.

وخلص عزيز سدري، الى الدوافع الرئيسية، التي جعلته يخرج الى الوجود هذا المولود الأدبي التليد، بالقول: “الإنسان ابن بيئته كما يقول رائد علم الاجتماع ابن خلدون، وسلوك الإنسان وطباعه وثقافته، ما هي إلا امتداد لعناصر بيئته، لكن البقاء ليس للأقوى ولا للأذكى .. البقاء للأكثر استجابة للتغيير.. والانتقال من بيئة إلى أخرى جعلني أكتسب العديد من المهارات الحياتية، ولتجرية الغربة الفضل الكبير.. كما أن للتنشئة التي عشت في حي صفيحي لها كل العلاقة بما جاء في الرواية…”

مقتطف من رواية “ولد الكاريان”:

“كنت في الحادية والعشرين من عمري عندما ضاقت واختنقت بي أرض الوطن، إلى أن فتحت أبواب الهجرة على عينيَّ آمالها وأحلامها للعيش في نِطاق أوسع وأرحب، هُناك في البُعد البعيد، حيث يتنفس المرء أوكسيجينًا بمذاق الأمل، ويعيش حياةً غير هاته التي يحياها هُنا، فلا القُرب من الأحباب كان يُسعدني ولا شمس الصيف كانت تُدفئُني”.

“كانت فقط فرائصي ترتعد خوفًا من شبح البطالة وأنا في السنة الثانية من التعليم الجامعي، كُنت أخاف أن يضيع العمر وسط دوامة الأحلام والأماني وإيمان الوالدين بتخرج ولدهما الذي سَيُخرجهما في يوم من الأيام من بحر الظلمات إلى بَرِّ النور. كان خوفي أعظم من أن يكفر بي كل من عقد عليَّ أملا ً ذات لِقاء عابر”.

“لجأت إلى أبي لأستشيره في سفري نحو المجهول، وقبل أن يعرف إلى أين سأرحل رفض الفكرة تمامًا، كانت كلماتي تطرق أذنيه وكأنها المسامير في طبلة الأذن. انعقد لِسان والدي صومًا عن الكلام، وأي كلام يُمكن أن يَتجسد في تلك اللحظات الحارقة؟!”

“نظرت إليه وكأني لمحت بريق دمع في عينيه فصمتت وانسحبت. في الغد الآخر الذي لا يُشبه باقي أيام السنة، كان قراري حاسمًا ولا رجعة فيه، قدمت إليه قدوم الميت أمام غَساله وأخبرته قائلاً : ـ “لدي خياران يا أبي، لا ثالث، ولا رابع لهما، إما أن أهاجر نحو صقيع كندا أو أن أموت وسط لَهيب الخليج”.