ضرورة وقف نزيف التدبير العبثي.. لإبقاء الأمل

عندما طالعت، تغطية صحافية لنشاط حزبي ترأسه السيد رئيس الحكومة، بصفته أمين عام الحزب الذي يقود الأغلبية، و قرأت بتمعن ما جاء في كلمته أمام منتخبات حزبه، في لقاء نظم يوم السبت 15يونيو، تأكدت لي خلاصات هامة كالآتي :
1- شنآن الأغلبية الحكومية بكل مكوناتها، لا زال أمرا واقعا، كما كتبت بشأن ذلك مقالات، قبل أربعة أشهر.
2- الضرب تحت الحزام بين الحزبين الرئيسيين في الحكومة، و تصيد أخطاء كل طرف، تمرين لا أخلاقي لا زال ساري المفعول.
3- استمرار الترويج لخرافة “الحصيلة الحكومية الجيدة”، و كأن المغاربة لا يسكنون مع الحكومة نفس الوطن.
4- تجديد الحديث عن التصدي “للتسفيه و العدمية، و محاولات تسويد صورة البلاد”، كما لو أن من سفه و نشر العدمية و أساء لصورة البلاد، خلال السبع سنوات الماضية، قوم مجهولو الهوية و لا يعرفهم أحد، نزلوا إلينا من كوكب آخر، أو كأنهم لم يكونوا يوما “متسللين إلى صفوف البعض”، و مستغلين، في خطاباتهم و تدويناتهم و كتاباتهم، كل ما جادت به “الخرجات الانفعالية، و غير المحسوبة” لبعض رموز “الاعتدال السياسي” المفترى عليه.

مرة أخرى إذن، سأنطلق في كتابة مقالي متأسفا و متحسرا على ما يحدث في واقعنا السياسي الوطني من عبث و سكيزوفرينيا، و بداية عوارض الزهايمر، مما سيزيد من تعميق الأزمة عوض المساهمة في حلحلتها. و المشكل هو أن الواقع المعقد أصلا تتفاعل فيه الأحداث و تتسارع، في محيط جيوسياسي قريب و بعيد، مما لا يمكن معه إلا أن تنمو، تحت المياه الراكدة لحياتنا السياسية، أسباب النكوص، و تتعاظم مخاطر تآكل رصيد المكتسبات التي حققتها بلادنا. الشيء الذي يجعل من الواجب علينا أن نرفع من تعبئتنا و نزيد من يقظتنا، على كل الجبهات و المستويات، وفي كل المجالات، و أن نجعل من العمل الجاد بغرض تطوير الأداء العمومي، و تحصين الذات المجتمعية، و تقوية الأمل الإيجابي، أسلحة فاعلة نقاوم به دعاة العدمية و التسفيه، سواء منهم الظاهرين أو المستترين وراء مسوح كاذبة.

من هذا المنطلق، أناصر، في كل ما أكتب، إشاعة روح التفاؤل، و أسعى إلى تشجيع مواطني بلدي على الإقدام على الحياة بكل ثقة في المستقبل. كما لا أتوقف عن الدفاع على ضرورة إبقاء اليقين بأن الخير لا محالة غالب، و أن الجدية و الاستقامة و الروح المتشبثة بثوابت الأمة المغربية، لا بد ستنتصر على منطق المحاباة و المصالح السياسوية الضيقة، و ستقف في وجه الفساد التدبيري، و تتصدى لتهميش الطاقات و الكفاءات و تغييب النخب و المثقفين، و تقضي على مرض إبعاد الشباب عن دائرة الفعل العمومي، و توقف مهزلة تمييع الذوق العام و تسييد الإعلام التافه الذي لا يعكس متانة تامغرابيت و لا يبرز غنى الهوية الوطنية الجامعة.

كما أنني، وأنا أتتبع ثنايا السياسات العمومية ببلادنا، و أنتقد التسيير السيء الذي تعرفه بعضها، أحرص دائما على أن أنوه بالجيد من التدابير التي تحصل في أي قطاع، و ألزم نفسي بحُسن الظن في الفاعل الحكومي، و أبقي على قناعتي بأنه لابد أن تتحرك الضمائر الحية، و يتم القطع مع التدبير الفاسد والريعي الذي تعاني منه عدة قطاعات عمومية حيوية. و لا أكف عن التطلع إلى ظهور دليل يؤكد لي أن الفاعل الحكومي بدأ يستفيد مما تحمله، كل مرة، الخطب الملكية السامية التي يوجهها عاهل البلاد، حفظه الله، والسير على هدي رصانة توجيهاته و دقة وصفاته العلاجية لإصلاح عدة قطاعات.

إلا أن واقع التدبير الحكومي للشأن العام الوطني، للأسف الشديد، يأبى إلا أن يعاكس إرادة التفاؤل و إشاعة الأمل، حيث لازلنا نسمع أخبارا لا تفرح، و نلاحظ ممارسات مغرقة في المحافظة على القبيح من السلوكات، في عدة قطاعات اجتماعية واقتصادية هامة، بشكل لا يمكننا معه أن نطمئن على حاضرنا و مستقبلنا.

و لست أدري هل يعي حقا أصحاب هذا النسق في التعاطي مع قضايا المواطنين و مشاكلهم، خطورة استمرار نهج الرداءة السياسية، و ضيق أفق الاقتراحات، و الركاكة التدبيرية، و التصرف كما لو أنه لا توجد مناطق كثيرة تحتضن البطالة و البؤس و الفقر و تهميش الشباب و الانحرافات بكل أشكالها، و باقي المشاكل الحارقة التي تستدعي مقاربة استعجالية و استباقية لمحاصرة أثرها المجتمعي.
كما أنني لست متيقنا من أن الفاعل الحكومي يعي جيدا أن إيقاع عمله، و ما “يتفتق عنه ذكاءه التدبيري”، و استمرار الحديث عن “الإنجازات الحكومية الباهرة”، يتناقض بشكل صارخ مع واقع يعرفه المواطنون جيدا، فقرا و بطالة، و تراجع استثمارات و إغلاق شركات صغرى و متوسطة، و انخفاض الاستثمارات الخارجية المباشرة، و تزايد ثقل المديونية، و تردي المستوى التعليمي، و بؤس خدمات الصحة في المستشفيات العمومية. كل ذلك يدفع، كل يوم، مزيدا من الشباب المحبين لوطنهم المغرب، و الحالمين بأن يسعهم جميعا و أن يمنحهم حظوظا أكبر لإنقاذ مستقبلهم، إلى النفور من كل شيء، من الوطن و من الشأن العام و من السياسة و من الأحزاب، و البحث عن الأمل في اي شيء، حتى حيث لا يوجد الأمل.
لذا، أعتقد أن وقت الحسم و الحزم قد حان، و أن على الفاعلين الحكوميين، و على النخبة السياسية عموما، و علينا جميعا، أفرادا و هيئات، أن نعتبر من دروس التاريخ، و من تعقد تحديات ما يجري حولنا، و أن نعـي أن الأمل لا يحيا بدون هواء نقي، و لا يكبر إلا في واقع فيه مجموعة من النماذج النقية و الكفؤة من المسؤولين الذين يراهم الناس في الميدان، يستمعون إلى شكاوي المواطنين و تظلماتهم، و يقدمون كل التسهيلات و الدعم و التوجيه للنساء و الشباب حتى يجدوا سبيلهم في وسط ركام المشاكل و الإحباط.
كما أن الأمل يحتاج إلى أنماط تدبير ناجع و رصين، فيه تجديد في مناهج العمل، و فيه استراتيجيات لتقوية قدرات الرأسمال البشري في إدارات الدولة و مؤسساتها العامة، و فيه إبداع في أشكال التواصل تظهر أثاره في الواقع اليومي و ترتاح به نفسية الناس و يرفع عنهم القنوط. أما التفاؤل فلا يحيا إلا بتدبير نقي و شفاف، يتقوى من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة، و التزام الصدق في القول و الفعل و العمل.

و أذكر هنا، الفاعل الحكومي أنه المسؤول المباشر عن تدبير المرافق العامة و تنظيم العمل بها، و بالتالي عليه أن يستحضر دروس التاريخ، و ينتبه إلى أن مكره شديد و مباغث. و عليه أن يعي جيدا أن التارخ لا يحب “لعب الدراري” عندما يتعلق الأمر بمصالح المواطنين، كما أن المؤرخين لا يدونون في سجلاتهم ابتسامات الرضا عن النفس على محيا المسؤولين أمام كاميرات التلفزة، بينما الواقع يبكي الكثير من الناس و يسيء إلى حاضرنا جميعا، و سيضر بمستقبلنا لو استمر الأمر كما هو عليه.

لذلك، أرى أن واجب الحكومة، و هو الشرط المتبقي لنقبل الاحتفاظ باعترافنا لها بشيء من النزاهة، هو أن تقوم باستثمار ما بقي من الوقت للإسراع بتنزيل التوجيهات الملكية في مجال تشجيع و تيسير الاستثمار و القطع مع البيروقراطية و الفساد، و تفعيل اللاتمركز الإداري بشكل حقيقي و صحيح و فعلي، و جعل الشباب قطب الرحى في سياسات عمومية تحقق الإدماج الاجتماعي، و تحديث و تطوير منظومة و أساليب محاربة الفقر و توفير الرعاية الاجتماعية، و دعم العالم القروي و شباب البادية المغربية، و تأهيل الصحة و التعليم.
كما يتعين على الحكومة التحلي بجرأة أكبر في ملف المسؤولين الذين تأكد ضعف كفاءاتهم، و أولائك الذين تبين أنهم تسببوا في اختلالات في تدبير عدة قطاعات، بأن تشجع تطبيق القانون في حق أولائك المتورطين في ملفات فساد تم تثبيتها عليهم بالحجة و الدليل من طرف مؤسسات الحكامة و التفتيش و الرقابة المالية. ويجب في كل ذلك، تسريع الخطى لكي لا يجد العدميون فرصة للترويج لفكرة أن “البعض فوق القانون”. عيب كبير، بعد كل ما تحقق من تطور مؤسساتي و ما تراكم من إنجازات حقوقية، خلال العشرين سنة الماضية ببلادنا، أن يشعر أي كان بأنه فوق القانون.
ليس عيبا أن يوجد بيننا المنحرفون و الفاسدون، و لكن العيب هو أن لا يحرص الجميع على تنزيل العقوبة على من خان أمانة تدبير ميزانيات عمومية، في أي موقع كان، و سواء كان المعني بالأمر منتخبا أو معينا. لا عيب في ذلك بتاتا، لأننا في بلد لا زال مواطنوه يؤمنون أنه حريص على ديمقراطيته و على الاحتكام للقانون. و على الأغلبية الحكومية ألا تجعل الناس يكفرون بكل ذلك الرصيد الإيجابي. كما لا حق لأحد في أن يعتقد أن “حفاظه على امتيازاته” أهم من الوقار اللازم لمقام المسؤولية العمومية، و قدسية الالتزام الوطني، و سمو القانون و هيبة الدولة، وقدسية ثوابت الأمة المغربية.

ولأنني هنا أصرخ من باب الغيرة،  و الأمل في أن يبقى المستقبل فاتحا ذراعيه لاحتضان شباب بلدي، بأمن و أمان، أقول لمن هم الآن مسؤولون عن حكومتنا :
“أعلم أن أغلبيتكم متماسكة ببركة خيوط رفيعة جدا، و أنكم تخشون انفراطها في أية لحظة، لذلك ورفعا لأي حرج عنكم، إن خفتم أن تختل “تحالفاتكم”، فلا بأس في تعبئة الكفاءات البديلة، و اختيار الأفضل من نفس أحزابكم، لوقف نزيف تدبير يرهن المستقبل. لا حرج في ذلك، لأن في كل منظومة وهيئة يتدافع الصالحون الوطنيون الأكفاء، مع المغرضين غير النزهاء و غير الأكفاء. و ما عليكم سوى دعم الأنقياء و تحقيق معادلة الكفاءة و الاستحقاق، لتعود الأمور إلى نصابها. تحركوا بسرعة أكبر، رجاء… لكي لا يستغل المغرضون تباطئكم و يشيعوا مزيدا من سمومهم في عروق الذات المجتمعية بغرض شلها عن الفعل الإيجابي.”

واقعنا، كما هو واقع باقي شعوب العالم، ليس فيه ملائكة تمشي على الأرض، و لكن ليس الكل شياطين. الفرق فقط أن حكومات دول أخرى، تحترم من صوتوا عليها، و تحسب ألف حساب للرأي العام في بلدانها، و لا تتردد في اتخاذ المواقف اللازمة عند حدوث المخالفات و الاختلالات، و لا تقوم عند كل فضيحة تدبيرية ب “تعليق الحجام… فاش تاتطيح الصمعة”، إنما يبحثون عمن أسقط الصومعة فعلا، ليطبقوا عليه القانون.

وستبقى ثقتي أن المغرب سيظل معطاء بذوي الكفـاءة الحاملين قيم الإخلاص و الجـدية و الالتـزام. و سنبقى نحمل التفاؤل بحرص “أولاد البلاد”، بكل أطيافهم و ميولاتهم السياسية و الفكرية، على إشاعة الأمل و تعزيز الارتباط بهذه الأرض. و كما قلت في مقال سابق “سنظل على يقيننا بأن بيننا من المسؤولين، المملوءة قلوبهم عشقا لهذا الوطن، و الذين يعرفون جيدا ما معنى أن تكون مغربيا، وهم لن يقبلوا بأن يغـلب شر التافهين و المفسدين والعدميين، على الخير الكثير الذي يحمله وجدان وقلوب المواطنين المغاربة الصادقين من سكان منبت الأحرار و مشرق الأنوار”.

محاولة لفهم ظاهرة البذاءة …

في عام 1950 تم انتاج فيلم “آخر كذبة” بطولة فريد الاطرش وسامية جمال. كانت هناك أغنية في الفيلم من كلمات ابوالسعود الأبياري عنوانها: “ما قال لي وقلت له” رفضت الاذاعة المصرية هذه الأغنية لأن بها عبارة: “ياعواذل فلفلوا” وهو تعبير شعبي دارج في مصر لكن الاذاعة اعتبرته هابطا وغير لائق، ويقال إن مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء آنذاك قابل فريد الاطرش ووبخه بسبب هذه الأغنية وذكره بواجب الفنان في الحفاظ على الذوق العام والارتقاء به.

تعاودني هذه الحكاية كلما شاهدت الاعلام المصري الآن وقد تحول إلى مصنع لانتاج البذاءات التي يتم قذفها في وجوه الناس كل ليلة. الشتائم ولعن الأب والأم والتوعد بالضرب بالجزم، كلها أصبحت عبارات معتادة في الاعلام والمسلسلات. على وسائل التواصل الاجتماعي ستجد نفس البذاءة فما أن تختلف في الرأي مع شخص حتى ينهال عليك بالشتائم وقد أمَّن العقاب لأنه مختبئ خلف شاشة الكمبيوتر، أما في الشارع فحدث ولاحرج عن البذاءة التي انتشرت كالوباء.

ان الطبع الطيب المتسامح الذي يميز المصريين كاد أن يختفي، فأصبحوا في معاملاتهم اليومية يتميزون غالبا بالعدوانية والفظاظة بل وظهرت أنواع من الجرائم لم يكن المجتمع المصري يعرفها من قبل، مثل قتل الابن لأبيه أو أمه أو قتل شاب يدافع عن أخته ضد المتحرشين أو اجبار رجل على ارتداء قميص نوم حريمي وتصويره بغرض اذلاله. ما السبب في انتشار البذاءة في القول والسلوك؟

ان الخلق الحسن ليس سلوكا انسانيا منعزلا يمكن اكتسابه بعيدا عن ظروف المجتمع، وانما تنتج الأخلاق عن السياق الاجتماعي السياسي الذي يخرج من الناس أسوأ أو أفضل ما فيهم. أعتقد ان البذاءة المنتشرة الآن تعود إلى الأسباب الآتية:

أولا: الفقر والقمع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تشير دراسة حديثة للبنك الدولي أن عدد المصريين الفقراء (أو المرشحين للفقر) قد قفز من 30 إلى 60 في المائة بعد تطبيق برنامج الاصلاح الاقتصادي. مع تزايد الغلاء الرهيب أصبح الوفاء باحتياجات الأسرة مستحيلا على ملايين المصريين فسقطوا في البؤس لكنهم لا يستطيعون أن يرفعوا أصواتهم بالاعتراض لأن عصا القمع الغليظة ستسحقهم فورا. هذه الحالة من العجز والفقر واليأس والخوف من القمع لا بد ان تنتج سلوكا عدوانيا، لأن من يعجز عن مواجهة المسؤول الحقيقي عن معاناته سيسعى إلى تصريف احباطه في مشاحنات مع آخرين.

ثانيا: أحادية الرأي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا يسمح الحكم العسكري في مصر بأي هامش ولو ضئيل من حرية الرأي. كل من يختلف في الرأي مع  الديكتاتور أو يوجه له نقدا يعتبره النظام عدوا للوطن ويتم التعامل معه باعتباره ارهابيا أو خائنا تموله مخابرات ما من أجل تخريب مصر. هذه النظرة المتشككة الهستيرية للمعارضين انتقلت للأسف من النظام إلى مواطنين كثيرين، فأصبحوا  يتعاملون بعدوانية مع من يختلف معهم سياسيا وقد سيطرت على أذهانهم نظرية المؤامرة فراحوا يبحثون وسط الناس عن “عملاء” مزعومين ..

هناك من أبلغوا السلطات عن شاب لأنه يتحدث بالانجليزية مع صحفي أجنبي وهناك من قدموا  شكاوى ضد عرض مسرحي اعتبروه مسيئا  لمصر وفي كل الاحوال يتم القبض على “أعداء” الدولة وتتم محاكمتهم بقضايا ملفقة. ان حالة التنمر التي خلقها الديكتاتور لضمان بقائه في السلطة قد انتقلت إلى الناس فصاروا عدوانيين ضد بعضهم البعض.

ثالثا: بذاءة الاعلام

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منذ أن تولى السيسي الحكم سيطرت المخابرات على الاعلام واستعانت بأشخاص ليس لهم معرفة أو خبرة بالاعلام ومنحتهم برامج يومية بالساعات ليقوموا بدور الموجهين السياسيين للجماهير فتكون مهمتهم الترويج لسياسات السيسي والتغني بعبقريته وعظمته وفي نفس الوقت التنكيل بكل من يعارضه واغتياله معنويا بالصاق كل انواع التهم المشينة به وبأسرته.

القاعدة الآن في مصر “لا كرامة ولا حقوق لمن يعارض السيسي” هكذا تتم اهانة المعارضين على شاشات التليفزيون وشتمهم بأقبح الألفاظ وانتهاك حياتهم الخاصة والطعن في شرفهم واتهامهم بالعمالة والخيانة ..بالطبع لا سبيل إلى مقاضاة هؤلاء الشتامين لأنهم يتمتعون بحماية النظام، وبالتالي فان أي بلاغات تقدم ضدهم سيتم حفظها. حيث أن الاعلام يشكل النموذج السلوكي للناس فان هذا الفيضان من البذاءات قد أثر على سلوك مصريين كثيرين فصاروا يتعاملون بنفس الوقاحة مع الآخرين.

رابعا: التطبيق الانتقائي للقانون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كل انسان في مصر يعلم ان القانون لايطبق الا على الضعفاء أما أصحاب النفوذ فيكونون فوق القانون. لعلنا نذكر المقاول الملياردير الذي اعترف بالاشتراك في قتل  مطربة وصدر ضده حكم نهائي بالسجن لمدة 15 عاما، لكنه خرج قبل اكمال العقوبة بعفو رئاسي على أساس ان صحته متدهورة للغاية ثم شوهد بعد خروجه من السجن بأيام وهو يلعب مباراة في الكرة الطائرة وقد بدت صحته على مايرام، وكذلك المذيع المقرب من النظام الذي صدر ضده حكم نهائي بالسجن وبرغم ذلك سافر مع السيسي إلى الخارج ولم تمنعه السلطات من السفر كما يقضي القانون.

وهناك المحام المشهور ببذاءته الذي يظهر في التليفزيون ويرتكب جريمتي القذف والسب يوميا ضد الكثيرين وهو يعلم انه لن يحاسب على شتائمه لانه أداة يستعملها نظام السيسي ضد خصومه. في ظل غياب العدالة لابد أن يتصرف الناس بعدوانية ليأخذوا حقوقهم بأيديهم.

ان البذاءة المنتشرة في مصر ليست هي المرض وانما أحد أعراض مرض الاستبداد. في الطب، وفي الحياة أيضا، لايمكن علاج الأعراض الا بالقضاء على المرض.

الديمقراطية هي الحل

عندما تحيد الكرة بالعقل عن مقام الحكمة و الوفاء

عندما بادر المغـرب إلى نفـي أي رغبـة لديه في الترشـح لتنظيـم كـأس إفـريقيا للأمم لكـرة القـدم لصيـف 2019، عقـب إعـلان الكونفدرالية الإفريقية إلغاء قرارها السابق بتكليف الكاميرون بتنظيم ذلك الموعد الكروي القاري، سجل المتتبعون حكمة الموقف المغربي التي قطعت الطريق على المحاولات التي تسعى إلى تقويض علاقات الثقة التي تنسُجها المملكة مع شـركـاءها من القـارة الإفريقية.

و لكي نفهم جيدا أبعاد ما جرى في ذلك الملف، أشرتُ في مقال سابق، أن علينا أن نستحضر ما يُشكله تنظيم التظاهرة الكروية الإفريقية من إغـراء كبيـر لكل بلـدان القارة، لكونه فرصة لتعـزيـز الحضور في الإعـلام الدولي، والترويـج للبلـد المنظـم كوجهـة جيـدة للاستثمار وللسياحة، وحلحلة الإقتصاد و إحداث فرص شغل جديـدة، وتطويـر البنيات الأساسية، وتأهيـل الأمـن العمـومي، و تعزيز الإحساس بالذات الجماعية لشعب البلد المنظم في محيط معقد و صعب. وأبرزتُ أن كل تلك المغريات لم تدفع المغرب إلى التهافـت أو الانسياق وراء مصالح عـابـرة، بل تم تفضيـل شفافية الاختيارات و سمـو الحكمة في القرار الوطني بشأن سياسة بلادنا الخارجية عموما، و السياسة الإفريقيـة بشكل خاص، وفـق مقاربـة استراتيجيـة يحكمها الدفاع عن المصالح المشتـركة، والالتـزام بالمـواثيـق و العهـود و الشـراكات المـوقعـة، و بناء عـلاقات مستدامة تستحضر التاريخ النضالي المشتـرك للشعـوب، و تعتمد الاحترام المتبادل للمواقف، و ترنو إلى أفق التنمية و التقدم الممكن لشباب القارة السمراء.

في سياق هذه التفاعلات، قلت حينها أن علينا كمغاربة أن نبقى حذرين في تواصلنا المؤسساتي الرسمي الخاص بالشأن الكروي و الرياضي الإفريقي بشكل عام، و أن نُؤكد جيدا على أن ما تتخـذه الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم من قرارات، شأن خاص بها. وأن ليس لنا في تلك الهيئة سوى صوت واحد، كما لباقي بلدان القارة، ليس أكثر و لا أقل. و أن للكونفدرالية أن تُبـرر قراراتها إن شاءت، ولها أن تدافع عنها إن استطاعت، ولها أن تتحمل مسؤوليتها بشأنها أمام الجامعات الوطنية لكرة القدم بإفريقيا و أمام الرأي العام. أما نحن فعلينا واجب الالتزام بقرارنا الوطني السيادي، الذي تتحدد بموجبه مساحات الحركة الرصينة، والقواعد التي تضبط السيـر، والرؤية التي تحدد هـوامش الفعـل، دفاعا عن مصالحنا الاستراتيجية.

مرت أشهر على ما سبق، و تقرر منح دولة مصر الشقيقة شرف تنظيم الكأس الكروية القارية، و فشلت بذلك رسميا محاولات البعض الصيد في الماء العكر و الزج ببلادنا في أتون سوء فهم إضافي مع أبناء قارتنا. ثم استأنفت الرياضة ديناميتها العادية، و تتبعنا مشاركة الأندية الوطنية في المنافسات الكروية، وكلنا أمل بأن تشكل هذه الرياضة مدخلا لتحفيز الشباب على التواصل الإيجابي والانفتاح على الآخر، وتعزيز الروح الرياضية، و قبول التنافس الحـر من أجـل تحقيـق مكتسبات مستحقة.

ثم فجأة وبدون مقدمات تحول مـا كـان فـي الأصل سجـالا بشـأن مقابلـة في كرة القدم، بين فريق مغربي و فريق تونسي، وما شابها من أمـور لـم تُـرض أطراف اللعبة، إلى جـذبـة إعـلاميـة حقيقية أخذت أبعادا دراماتيكية تجاوزت الأعراف الأخلاقية و الدبلوماسية المعتادة بين “الشقيقين” المغرب و تونس.

شخصيا أصابني ما طالعته من تدوينات في صفحات التواصل الاجتماعي، و ما استمعت إليه من تعاليق و “تحاليل” لضيوف قنوات إعلامية مختلفة، تونسية على وجه الخصوص، بصدمة حقيقية، و دفعني إلى طرح التسـاؤل عن هـذا “الـرصيـد المخـزون” من “المحبة والأخوة و النوايا الطيبة”، أين كان متخفيا؟ وكيف أمكـن أن يكبُـر وينمـو، في غفلة من الجميع، إلى أن أصبح بهذا الحجم المُفـزع؟

كما ساءتني كثيرا محاولات إيذاء شعورنا الوطني عبر النبش في قضية الوحدة الترابية بما لها من قـدسيـة خاصة لدى الشعـب المغـربي، حيث بلغ الأمـر ببعـض “الإخـوة”، سامحهـم الله، حد التماهي مع أطروحة الانفصال، دون أن يستحضروا حقيقة أن بلادهم لم تكـن، في يـوم من الأيـام، طرفا معنيا بملف الصحراء المغربية، لا من باب الجغرافيا و لا من باب الاختيارات السياسية المعتمـدة في قصر قرطاج. كما لم يكلفوا أنفسهم حتى استحضار التطورات الراهنة للملف و حقيقة أن “أصحاب أطروحة الانفصال” أنفسهم، لم يعـودوا يعولون كثيرا عليها، وهم يترقبون الآن مخرجا يُمكنهم من تجاوز المأزق السياسي و الدبلوماسي و الأخلاقي الذي سقطوا فيه، بفعل صلابـة مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، و بسبب انفضاح زيف ادعاءات الانفصاليين و فساد تدبيرهم، و كذا بفعل انشغال داعميهم بمشاكـل داخلية أكثر ملحاحية من قضية أصبحت ورطة حقيقية تربك صناعة المستقبل المشترك لشعوب المنطقة.

في خضم كل هذا السجال، و في محاولة لاستيعاب معنى ما يحدث، عُـدت بالذاكرة إلى أيام الجامعة لعلي أجد بداية أجوبة موضوعية عن جذور “تنافس” تحول فجأة إلى عدوانية في الخطاب و ضرب تحت الحزام. وتذكرت ما كان يقوله لنا أساتذتنا بكلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية بالرباط، من أن تونس و المغرب بلدان يسيران في طريق النمو، و أنهما يتنافسان في عدة قطـاعـات (السياحة / صناعات النسيج / صناعات غذائية….). لكنني، و أنا أسترجع كل ذلك، أصارحكم القول أنني أحسست أن اعتبار ما بين البلدين مجـرد “تنافس”، ربما يكـون إحساسا نشعـر به نحن هنا في المغرب فقط. أما في الجهة الأخرى، فيبدو لي أن الأمـر ربما ابتعد قليلا، بالنسبة للبعض، عن مجرد الإحساس بالتنافس، ليأخذ شكل “حسيفة” (بالدارجة المغربية) مدسوسة في الأنفس و القلوب، و في عمق وجدان العديدين.

بكل صدق أعترف أنني صُدمت من ذلك العنـف اللفظـي الغـريـب الذي جاءنا من حيث لم نتوقعه، وأسرف أصحابه في عدم توقيرنا. حتى أنني أصبحت أقرب إلى الاعتقاد بأن علينا، بعدما كنا في منطق فرجوي على مباراة كرة قـدم، أن نتحـول إلى منطق “التعبئة العامة” و ندعـو مواطنينا إلى رفع الجهوزية و اليقظة وتتبع كل ما سيقال و ما سيكتب، و ما سيتناسل من أخبار زائفة و اتهامات غير مقبولة في حق بلدنا، قصد دحضها و الرد عليها، مع الحرص على أن يكون الرد بأدب و ألا ننجر إلى وحل مستنقع يكيد لنا فيه خصوم كثيرون.

وإذا كان صحيحا أن بعض الأصوات الحكيمة ارتفعت خلال الأيام الأخيرة، و منها أصوات هيئات إعلامية من البلدين، و أصوات بعض المفكرين و أصحاب الرأي العقلاء، إلا أنني متأكد أن ما جرى قد يتكرر في أقرب مناسبة، كما حدث قبل أيام، و بدون كثير عناء لإيجاد تبرير أخلاقي لذلك من طرف من خاضوا مع الخائضين. و بالتالي، ما حدث يفرض علينا تفكيرا مليا في الأسباب الحقيقية لما حدث من استهداف تعرضنا له، بشكل مبالغ فيه، و لا يمكن أن يكون مبرره مرتبطا فقط بموضوع مباراة في كرة القدم.

كما على الجهات المسؤولة، الرسمية منها و غير الرسمية، أن ترفع من استعداداتها تحسبا لفصول جديدة محتملة من لعبة “شـد لي، نقطـع ليـك” على الساحة الإفريقية، في الواجهة الديبلوماسية والاقتصادية و الرياضية، لأتفه سبب و حتى بدون سبب، ما دام أن مثل هذه “الجذبة/الحسيفة” متواجدة لدى بعض من كانوا، حتى وقت قريب، يتسيدون الموقف الإفريقي دبلوماسيا و اقتصاديا، و أصبحوا الآن لا يخفون انزعاجهم من التحرك المغربي و قلقهم من دينامية التعاون التي دشنها جلالة الملك محمد السادس، وتعززت بعودة المملكة المغربية إلى بيتها الاتحاد الإفريقي، و توقيع شراكات واعدة، تهدف إلى إرساء نموذج جديد منفتح للتعاون جنوب – جنوب.

المهم، أن ملفا بتوابل كروية، ما كان يجب أن يصبح سببا للمغالاة في الشوفينية و التعصب لدى الجماهير، صار حمية شعبوية غير طبيعية تمت تغذيتها بتصريحات مسؤولين ربما أنستهم اعتبارات انتخابوية ظرفية، أن علاقة الأشقاء لها قدسية و قيمة لا تقاس بعمر حكومة أو رئاسة. وأتمنى أن لا ينجر حكماء بلد “شقيق و صديق” كان المغرب، و سيظل، مساندا له على الدوام. وليس ترفا التذكير بما كان في الأيام الأولى لاستقلال البلدين، و ما كان أيام التهديدات المقيتة لنظام القذافي لتونس. و يمكن لأصدقائنا العودة إلى ما صرح به المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، في ندوة صحفية مباشرة، بكل شجاعة و روح المسؤولية، أن المغرب أخذ كل الاستعدادات ليكون على وجه السرعة في الجبهة الميدانية دفاعا عن تونس و شعبها، إذا ما حصل أي اعتداء عسكري من قوات العقيد الليبي.

كما أدعو الأشقاء التونسيين إلى تذكر ما كان أيام العُـزلة الرسمية التي فُرضت على تونس من طرف محيطها الرسمي الإقليمي و العربي، عقب تغييرات ربيع تونس 2010. و ليس أبلغ من سرد حدث ذو دلالة رمزية و سياسية بالغة، لا يقوم بمثله سوى الزعماء الأمجاد، حين اختار جلالة الملك محمد السادس أن يكون أول زعيم عربي يزور تونس ما بعد الثورة، و قرار جلالته تمديد  زيارته إلى ذلك البلد الشقيق لأزيد من أسبوع، وتحركه الميداني في شوارع العاصمة تونس، في تحدي شجاع لكل المخاطر الأمنية المحتملة، متحررا من أي بروتوكولات، وكأني بجلالته يقول للعالـم أجمع : “أنا ملك المغرب أتجول بكل ثقة في شوارع تونس… و أومن أن تونس الخضراء بلد آمن و يستحق الدعم و الثقة و المساندة”…. . فهل من حاجة لدليل آخر أكبر و أكثر دلالة على القيم الحقيقية التي يحملها المغرب، قيادة و شعبا، حتى نُقـنع من أساؤوا لنا أن عليهم أن يعتذروا بشجاعة و أدب…؟

على الجميع أن يعلم أن قلوب المغاربة لا تحمل الضغينة لأحـد، و أننا أبناء وطن غفور رحيم مسالم متسامح. و أننا من بلد لم يعتبـر يوما كرة القدم شيئا آخر غير لعبة رياضية شعبية تحمل الفرح و البهجة و التنافس الشريف، و أنها لا يجوز أن تُصبح قضية تستحق أن تقام لها الدنيا و لا تقعـد. ولكن، أقول أيضا لمن كانت ذاكرتهم ضعيفة، أن ذاكرتنا نحن لا تنسى، و أننا لا نطلب شيئا غير أن يُتعامل مع وطننا و رموزه، بكامل الاحترام و كامل التقدير و شديد التوقيـر.

أما مسألة العودة لإفريقيا، و ما سببته من ضيق لبعض الأطراف، فعلى الجميع أن يعلم أن ذلك الأمر أصبح واقعا لا رجعة فيه، و أنه كان قرارا سياديا مسؤولا يستحضر حقائق تاريخية وجغرافية واجتماعية وسياسية لا غبار عليها. و أن بلادنا ستستمر في نضالها المبدئي و مواجهة المغالين في عداوتنا لأسباب مصطنعة ومفبركة، من طرف من كانوا يضيقون على مصالحنا، و يستغلون “المقعد الفارغ” ليـروجـوا عنا ما يقـوي اعتقاد البعض أننا موجودون، ربما بالخطأ، في هذه الزاوية العليا من القارة، أو أن اهتماماتنا منحصرة في ما يأتينا من الشمال الأوروبي، أكثر من تركيزنا على ما يغذي جذورنا، جغرافيا وتاريخيا، من العمق الإفريقي.

المغرب لم يدخل إلى إفريقيا “من الباب الضيق، إنما من الباب الواسع”. كما أن المغرب “اختار تقاسم خبرته ونقلها إلى أشقائه الأفارقة، وهو يدعو، بصفة ملموسة، إلى بناء مستقبل تضامني وآمن”. والمغرب قرر أن جهوده بإفريقيا “ستنكب على لـم الشمـل، والدفـع به إلـى الأمـام”. و للمغـرب منظـورا “للتعـاون جنـوب – جنـوب، واضـح وثابت” مبني على أن “يتقاسم ما لديه، دون مباهاة أو تفاخر”، مع اعتماد التعاون “ليصبح المغرب، وهو فاعل اقتصادي رائد في إفريقيا، قاطرة للتنمية المشتركة”.

تلك هي حقيقة الوضع، و تلك هي المبادئ التي يتأسس عليها تحرك المغرب إفريقيا. أما الباقي فلا يعدو أن يكون سوى تفاهات لا تزن وزن الريح الذي نفخت به الكرة الملعونة التي أشعلت شرارة الخطيئة في ملعب غادس. و لكن، كما يقول أولاد بلادي… “الله يجعل القلب سميح”…

كلمة حق بعد “العاصفة”.. لقجع هو السبب

تعلمت من تجربتي المتواضعة في الصحافة الرياضية، قبل أن أتركها لما أصابها، أن أثريت في الخوض في بعض المواضيع إلى حين، خاصة حين تكون لها علاقة بمصالح المغرب، الرياضية طبعا، على المستوى الجهوي أو القاري أو العالمي.

اليوم، وبعد هدوء العاصفة، والحكم الصادر عن اجتماع لجنة الطوارئ بالاتحاد الإفريقي لكرة القدم، في باريس، لفائدة الوداد، ضد الترجي التونسي، أن من يتحمل مسؤولية في ما حدث في ملعب رادس بتونس، بالدرجة الأولى، فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ونائب رئيس الاتحاد الإفريقي.

المسؤولية ثابتة، وبالحجة والبرهان، حين رضي لنفسه أن يفوز فريقه بمساعدة حكام، سواء كان برغبة منه ودافع منه أو بمخطط كان يهيأ في الخفاء لإسقاط نادي الرجاء لتخلوا الطريق أمام الفرق المتنافسة، خاصة المصرية، وبالأخص التونسية، في إطار لوبي كان متحكما في الاتحاد الإفريقي، وكواليسه، أظهرت إرهاصات أنه عائد، وتأكدت في مباريات لاحقة، قبل أن تتوج في فضيحة رادس.

المجزرة التحكيمية التي ارتكبت في حق الرجاء، في مباراة نهضة بركان، وابتلعها لقجع، دون أن يحرك ساكنا، فتحت المجال أمام ارتكاب مجازر في حق الأندية المغربية، في ما بعد، وسقط نهضة بركان بدوره ضحية لها.

لقجع الذي كان منتشيا بـ”نصر” على الرجاء، خاصة والفريق البركاني أصبح على أبواب النهائيات، نسي مقولة “باش قتلت باش تموت”، متغاضيا على ما حدث لحسنية أكادير، وما ارتكب في حقها من ظلم، فأعيدت الكرة مع فريقه النهضة، فابتلع لسانه، لأنه لم يستوعب الصدمة، وهو الذي كان متأكدا أن التحكيم “سينصف” فريقه، نظرا لـ”وزنه” و”ثقله” في الكاف، متناسيا وزن وثقل لوبي يتزعمه الملياردير التونسي، طارق بوشماوي، في تحالف مع ما تبقى من أنصار عيسى حياتو.

والطامة الكبرى، أن رئيس الجامعة الملكية المغربية، لم يحضر نهائي عصبة الأبطال، وترك الوداد، وجمهور الوداد، يتخبط في رادس، دون مساندة من لقجع، باعتباره نائبا لرئيس الكاف، فحصل ما حصل.

وفي الأخير، الأمر المفروض عدم السكوت عنه، هو أن رئيس الجامعة، كاد أن يتسبب في أزمة سياسية بين بلدين شقيقين، والمغرب، تونس إن لم نقل إنها وقعت، لولا تدخل بعض العقلاء، مثل نقابتي الصحافة في البلدين.

اليوم، مطلوب من المسؤول في أعلى هرم كرة القدم الوطنية أن يستوعب الدرس، ويعلم أنه يمثل بلدا، رياضيا، وسياسيا، ويتفادى “التصابي”، لأنه قد يدمر ما بناه المغرب اقتصاديا وسياسيا في إفريقيا.

رسالة مفتوحة إلى السيد فوزي لقجع

تحياتي السيد الفاضل فوزي لقجع،
أخاطب فيكم، المواطن المغربي، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم،
كي أفكر معكم بصوت عال، من موقع المواطنة المغربية، والإنتماء المغاربي، والهوية الإفريقية. انطلاقا من ما منحته لنا جميعا، مناسبة المباراة النهائية لعصبة الأبطال الإفريقية لموسم 2018 – 2019، التي شاء القدر أن تجمع بين فريقين من بلداننا المغاربية (الوداد المغربي، أقدم وأعرق فرقنا الوطنية الذي تأسس سنة 1937، بالتوازي مع التأسيس الفعلي لكتلة العمل الوطني ببلادنا للإصلاح ومناهضة الإستعمارين الفرنسي والإسباني بالمغرب. والترجي التونسي، أقدم وأعرق الفرق التونسية الذي تأسس بعد نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1919، وبداية تشكل الأنوية العمالية والنقابية بالأحياء الشعبية للعاصمة تونس، الذي حمل اسم المقهى الذي اجتمع فيه مؤسسوا الفريق ذاك “مقهى الترجي”).
نعم، كان الأمل أن نقدم كمغاربيين صورة مشرفة لتاريخ الرياضة المغاربية من خلال فريقين وطنيين من حجم الوداد المغربي والترجي التونسي، لكن كان الذي كان من أفعال صغيرة، تترجم أزمة مركبة للقيم ببلداننا الشمال إفريقية للأسف، يتحمل فيها بعض مسؤولي الفريق التونسي المسؤولية الأخلاقية الكاملة. وجديا، لم يكن فريق الوداد المغربي وحده الضحية من تلك الأفعال الصغيرة المفضوحة، بل صورتنا الجماعية كمغاربيين، عرب، أمازيغ وشمال إفريقيين، أمام باقي إخوتنا في الإنتماء القاري (الأفارقة) وأمام العالم.
ولأنه، في كل نقمة نعمة، وأنا أسجل بتقدير، ينبعث من المواطنة المغربية (بعيدا عن أي اصطفاف سياسي يقصر أمام تحديات اللحظة)، شكل ردود فعلكم أمام ضخامة وتعقد المشكلة التي تفجرت في ملعب “رادس”، والتي ارتكنت لقوة المرافعة القانونية الهادئة، دون الإساءة لمسؤولية حماية علاقاتنا الإستراتيجية مع تونس الشعب والدولة، بروح مغاربية،، فإنني أرى (من أمل تعزيز موقف بلدنا والمؤسسة التي تتحملون مسؤوليتها الثقيلة)، أن المعركة يجب أن تذهب في أفق استراتيجي إصلاحي شمولي، تمنحنا “أزمة وفضيحة رادس” الفرصة المثالية له، بما يعزز من استراتيجية المغرب الإفريقية الجديدة، التي تنبني على خدمة المصلحة القارية لكل أبناء قارتنا بما يصالحنا جميعا مع المنطق الدولي، المنتصر للعمل المؤسساتي، القانوني، الحقوقي، النزيه والشفاف. لأنه ذلك هو دفتر تحملات العلاقات الدولية اليوم ضمن مهرجان الأمم والشعوب والقارات. وهي المعركة التي أراها تتحدد في النقط التالية:
1- الدفاع عن تعزيز قيم الشفافية والنزاهة ضمن مؤسسة الكاف، بما يجعلها مرجعا في معنى الروح المؤسساتية بإفريقيا، تعلي من مصداقيتها أمام أبناء إفريقيا وأمام باقي المؤسسات العالمية (الفيفا في المقدمة)، وأمام كل القوى الإقتصادية المتعالقة مع لعبة رياضية شعبية جارفة وحاسمة مثل لعبة كرة القدم. تماما مثلما هو مسجل في المنظومة الأروبية والأمريكو لاتينية.
2- اقتراح آلية إصلاحية تعزز من شروط التنافس الشريف تشمل كل المسابقات القارية للعبة، وتطال كل أذرعها المصاحبة (تحكيم، أجهزة رقابية، مؤسسات مالية). وأن تكون المسؤوليات مؤطرة بميزان قوى يوازن باحترافية بين القدرة الإستراتيجية للجهات الإفريقية وبين القيم الكونية للتدبير المؤسساتي الحديث المنتصرة لروح القانون.
3- القطع مع الأسلوب المتهالك الذي حكم لعقود شكل تدبير مؤسسة قارية وازنة مثل الكاف، الذي جعل تعبير “إنها إفريقيا” بالمعنى السلبي يطال صورتها أمام العالم، ومصالحة صورتها مع القيم الكونية المانحة للمصداقية، بما يمنح لقارة بكاملها أن تكون على قدر المستوى من المؤسسات الموازية ذات الفعالية عالميا.
4- العمل لتكون المجموعة المغاربية والشمال إفريقية (من مصر حتى موريتانيا) قوة اقتراحية إيجابية ضمن منظومة الإصلاح القارية تلك، تعزز من دور الكاف كمؤسسة إفريقية، مؤهلة للعب دور بيداغوجي لإصلاح شكل التدبير العمومي والمؤسساتي بقارتنا في كافة أبعاده السياسية والإقتصادية والقيمية والأمنية.
السيد فوزي لقجع المحترم،
إن المقصود، هو أن المعركة اليوم (والمغرب في دوره وصورته المغاربية والإفريقية الجديدة يفرض ذلك)، هي ربح مباراة الإصلاح داخل مؤسسة وازنة مثل الكاف. وأن تكون مبادرة المغرب من خلال جامعتكم الوطنية، مؤطرة ضمن أفق استراتيجي، ليست فضيحة ملعب “رادس” سوى محطة لتسريع ذلك الدور الإصلاحي. هنا يكتسب المغرب والمغاربيون دورا جديدا ضمن القارة الإفريقية، يتصالح مع منطق التطور الذي هو قدر كل مؤسسات قارتنا. وهنا ستكونون قراء جيدين للدروس وفاعلين مؤسسين لانعطافة في تاريخ إفريقيا (وليس فقط مؤسسة الكاف).
مع موصول الإحترام والتقدير لشخصكم الكريم.

واقعة الاستحمام في الحافلة و استعجالية الوعـي بخطـر استمرار التحلل

يروج منذ ليلة الأربعاء، على صفحات التواصل الاجتماعي، فيديو لشابين اختارا الاستحمام وسط حافلة للنقل الحضري، و هي تجوب شوارع مدينة مغربية، فيما اختار أصدقاءهـما تصويـر “المشهـد الاحتفـالي” غيـر المسبـوق عالميـا. الصـور كـانت واضحة و أكدت بجلاء أن المشهد تـم أمام سلبية رهيبة لكـل المواطنين من ركاب الحافلة، ومن سائقها الذي واصل سيره، بينما كان المفروض أن يتصل بحراس الأمن الخاص لشركة النقـل، أو أن يقوم بتحويل مسار الحافلة إلى أقـرب مـركز شرطة ليتم اتخـاذ اللازم، و وقف المهزلة.

المهم، أن العبث حصل و السلبية طغت، لتتم بهـدوء فصـول إبـداع جديـد من إبداعات زمن “الضسارة” و “قلة الحياء”، و انعدام الخوف من القانون، و انعدام الأخلاق الحسنة، و التسيب و احتقار الأعراف المُجتمعية لهذا الوطـن الذي يتكالب عليه المغرضون و المفسدون من كل الأصناف. صورة أخـرى، إذن، تنضاف إلى ما نُغـرق تحـتـه مـن أمـواج عاتية في بحـر الـرداءة و تسفيه كل شيء، و هـدم الـذات المجتمعية الوطنية، دون أن تلوح في الأفق ملامح عزم على التحـرك لـوقـف هـذه المأساة الني تزحف على كل شيء جميل.

في الحقيقة، رغم كم التفـاؤل و تغليب حسن الظن الذي أحمله، إلا أنني وأمام مشاهـد مُحزنة كثيرة للأسف، تقع على مستويات مختلفة و في مناطق متعددة من الوطن، و تأخذ أشكالا غير مسبوقة، لا أجـد مبررا أقنع به نفسي أمام كل هذه السلبية و اللامبالاة التي تميز سلوك الناس، كما تطبع سلوك القائمين على تدبير الشأن العام، و المعنيين بتتبع و تقييم السياسات العمومية، سواء من موقع الحكومة أو من موقع هيئات الوساطة السياسية و المجتمعية. أتُراهم أنهكهم واقعنا الذي أصبح بئيسا جدا، وأصابهم من جراءه الإحباط فاستسلموا؟ أم هم لا يزالون مستمرين في سياسة “خليها تخماج… أنت مالك”؟؟

و إذا كان البعض لا يُـدركون دلالات ما يجري تحت أعينهم، و أثـر حفـل الاستحمام العمـومي في الحافـلـة، نموذجا، أنبههـم إلى أن تلك “الواقعة” ستتحـول إلى مـادة إعلامية في كل القنوات الإخبارية العالمية، و سيتم الحديث بإسهاب عن وجه من واقع “أجمل بلدان العالم”، كما لن تتردد الصحافة العالمية في البحث في كل الأبعاد المستترة للظاهرة، و سيقوم المهنيون بمزيد من الاستقصاء و الغوص في أوجـه أخـرى لـواقـع مجتمعـي مريض و مُخجل، لعلهم يجدون الأسباب و يحددون المسؤوليات في ما استجد من أوضاع في بلد “لا ينقصه خير” بحسب ما هو معروف و ما هو متداول لدى من لا يريدون رؤية نصف الكأس الفارغ في واقعنا.

كما أن مشهـد “الاستحمـام” سيـرتبـط بشكل استهـزائي بصورة وطـن ومواطنيـه، و ستنتـج عنه النكـث في كل بقاع الدنيا، و سيتسائل السُياح الذين تمنـوا زيارة المغـرب، عن حظوظهم في أن يصادفـوا لوحة “حضارية مُخجلة” كهاته التي تسربت في الفيديو، إن هم زاروا بلادنا.  ولكي تتصوروا جيدا، و نحن في شهر يونيو، أثر هذه “المُـزحة” و هذه “الضسارة” على السياحة الوطنية، تخيلوا أسرة يحاول أعضاؤها الحسم بين اختيار الذهاب، هذا الصيف، إلى تركيا أو تونس أو مصر أو المغرب، ثم فجأة صادف أحد الأبناء هذا الفيديو و تقاسمه مع أسرته… ترى إلى أين سيختارون السفـر؟

ماذا يحدث لنا ؟ لماذا كل هذا التطاول الذي نسمع عنه هنا و هناك ؟ كيف يتجرأ البعض على الاستخفاف بكل الأعراف و التهجم على قوات الأمن العمومي و تحدي القانون ؟ أنحن فعلا إلى هذا الحد أصبحنا تافهين ؟ أم ترانا فقط مستهدفين بمن يريدون لنا أن نبـدو تافهيـن و يريـدون إقناعنا بذلك؟

لا شك أننا نرى كثيرا من الأحداث في حياتنا اليومية، تستدعي الأسـى والأسـف والتـذمـر، إلا أن فينا الخير الكثير، و لن نكون إلا ظالـمين لـذواتنا الفرديـة والجماعية، إذا لم نستحضر حقيقة أن الغالبية العظمى من نساء المغرب، ومن شبابه ورجاله، يثبتون قدراتهم بنضالية حقيقية، و يسعون للعيش بشكل كريم و يحترمون أنفسهم و الناس أجمعين. كما أننا سنظلـم أنفسنا إذا لم نواجه ما يروجه المغرضـون و أعداء مستقبل هذا الوطن، من أن النجاح والتفـوق ليس مغربيا و لن يكون مغربيا، و أننا عاجزون عن الإبداع والتميز،  و لا ننتج سوى سلوكات شعبوية تافهة وخطابات متكلسة.

صحيح أن طغيان منطق الإعلام المرتكز على الإثارة و على نزوعات النفس البشرية و ميولها نحو المثير والخارج عن المألوف والتفاهة، يدفع إلينا كل المعلومات التي تُغـرقنـا و تحبط عزيمتنا وترمي بنا في حالة من انعدام الثقة في النفس وفي الآخر، مما لا يساعدنا على بناء الذات المجتمعية، ويجعلنا عرضة للهشاشة بمفهومها الإستراتيجي. لكن، علينا ألا ننسى أن في واقعنا أيضا شباب مغاربة، ونساء ورجال، كثيرون يحققون نجاحات، داخل الوطن وخارجه، في الحواضر الكبرى وفي البوادي المعزولة، و في القطاعين العام و الخاص، و في فروع الهيئات السياسية والمنظمات والجمعيات المدنية، و في الثقافة والاقتصاد والابتكار والرياضة والإدماج الاجتماعي والتضامن. أم هو ذنبهم أننا لا نسمع عنهم بالقـدر الكـافي ؟ أم تراه ذنبنا نحن لأننا لا نجتهد و لا نواجه مروجي التفاهة بالصرامة اللازمة؟  أم أن المشكل يكمن في أن “النجاحات” لا يتم تسويقها إعلاميا، نظرا لظاهرة الأخبار المختلقة أوالزائفة  (Fake news)، و “تقنيات التسويق الإعلامي” لكل ما فيه الإثارة و السعي إلى إحداث “البوز Buzz” عبر الأخبار الغرائبية و الخارجة عن المألوف، ومخاطبة الحواس والرغبات و الشهوات أكثر من مخاطبة العقل والأفكار والقيم ومنطق التحليل المتزن ؟

المهم، أننا أمام كل هذا الواقع، مطالبون ألا نخطئ التحليل، وعلينا أن لا نثق في أصحاب “جبهة العدمية و الإحباط”، و علينا أن ننتبه إلى خبثهم ومكر مسعاهم وهم يحاولون إغراقنا في نبذ الذات و جعلنا نستعر من أنفسنا و من أبناء جلدتنا. تأكدوا أنهم عندما ينشرون “فضائح الواقع”، لا يفعلون ذلك لأن الوطن و صورة الوطن تهمهم. أبدا… والله لا يهمهم لا تغيير واقع الفوارق الاجتماعية الكبيرة والمستفزة، ولا واقع تهميش فئات واسعة من الشباب وتحييدهم عن أي أفق مشجع، و لا تستفزهم حالات سوء تدبير مجموعة من المؤسسات العمومية، و لا حالات انعدام التوازن في المجال بين الغنى الصارخ و مظاهر العزلة والفقر القاسٍي، في عدة مناطق.

ما يهم البعض، في المقام الأول، هو أن يستغلوا ما ليس على ما يرام في واقعنا، و يقوموا بالترويج له بكثافة، بدون أفق إصلاحي، حتى نظل مصدومين و شاردين وهائميـن، و نحتقر هويتنا و انتماءنا، و تتزعزع ثقتنا في أنفسنا، ليهنئوا بالغنائم والمواقع التي يحتلون هنا وهناك، بدون استحقاق و لا كفاءة وبكثير من الزبونية ومن تشجيع لمنطق الولاءات الضيقة، عوض معيار الانتماء للوطن والولاء له، و اعتماد الكفاءة قبل كل شيء.

أما واقعة “الاستحمام العمومي  في الحافلة”، و ما سواها من مناظر أخرى بئيسة، فهي للأسف حلقة جديدة ستزيـد مـن التذمر والقلـق الجماعي الذي يشتكي منه الغالبية تقريبا، نتيجة لتراكم الإحساس بالفشل و”التفاهة” من كثرة ما يتم الترويج للفشل والفاشلين، و محاربة النجاح والناجحين.

لذلك أعتقد أنه لم يعد ممكنا قبول أن يستمـر هـذا الانحـدار القيمي دون تدخل حـازم و راشـد و غيور على الوطن. و على من قد يعتقدون أن ما حمله فيديـو “الاستحمام”، مجرد مُزحة أطفال أو شباب يلعبون في يوم رمضاني طويل، أن يتوقفوا عن الوهم. ما رأيناه ليس سوى تجل بسيط من استراتيجية متكاملة الأركان تستهدف تسفيه وطـن عـريق، وتشويه شعـب مجيـد، و تـدميـر تاريـخ عظيـم.

وبالتـالي، فإن المطلـوب، بصورة استعجالية، وأكثـر مـن أي وقـت مضى، هو تغييـر اتجـاه الدينامية المتسارعة لاضطراب الأوضاع، والقلق الذي يتقاسمه الناس وتـدل عليه حالات الانتحار المتكررة في عدة مدن، وحالات العنف المجاني المستجد، واستمرار نشر خطابات العدمية والتبخيس لكل شيء.

ولن يتسنى وقف النزيف إلا من خلال اتخاذ خطوات حازمة تعيد الهيبة للقانون بالقانون و بالصرامة اللازمة، و من خلال تفعيل المؤسسات المختصة لتلعب دورها كاملا في النهـوض بأوضاع الشباب وحمايته و تأطيره واسترداده من براثن التهميش و الإحساس بالدونية و بالحكرة، و جعله هدفا أساسيا لكل استثمار عمومي. كما يتعين العمل بقوة لتضييق المساحات الفارغة حتى لا تستغلها بعض الخطابات التي تُروج “حقا يُراد به باطل”، تحت يافطة الحق و الحرية، بينما تسعى في العمق لتتعـزز فوضى التسيب في الشارع العام، ومنطق “خليها تخماج”، و تحلل الوظائف الطبيعية لمؤسسات تدبير الشأن العـام.

وعلى من لهم سلطة الفعل، بقوة القانون و شرعية المؤسسات، أن يتدخلوا لأن الوطن أرقى وأعرق و أقدس و أهم من أي اعتبار آخر. عليهم أن يتدخلوا لأن الأخطر في هذا الواقع إذا استمر هكذا، هو أنه قد يقتـل كل حظوظ النهوض المجتمعي، يـوم سيكـون من الواجـب علينا ومن مسؤولياتنا، أن ننهض من أجل الدفاع عن قضية ما، أو يوم سيُراد لنا أن ننهض.

كما عليهم أن يتدخلوا لنحافظ على المقومات الاستراتيجية التي تُبقي على تنافسيتنا و تحمي قوة مؤسسات دولتنا الوطنية، في عالم شرس لا يرحم من يترك بذور الهشاشة تنمو في كيانه، أو يتردد في اتخاذ القرارات اللازمة أمام تحديات واقع يفرض الحزم في الاختيارات.

ولأن في وطني، رغم كل شيء، آلاف الأشياء والأحوال والأماكن، والمكتسبات المجتمعية الراسخة في عيشنا المشترك منذ عشرات السنين، و الإنجازات والأفكار المتميزة والإبداعات، والكتابات الرصينة والمواقف الصادقة، والأشخاص المحترمين جدا والنزهاء الأوفياء لقيم وطنية ومبادئ إنسانية عالية،  و من الثوابت المقدسة و من القيم العالية الشيء الكثير، سأبقى شخصيا أؤكد و أدافع عن فكرة أن الاستسلام لليأس و الانهزام أمام مظاهر التفاهة، غير مُجد بتاتا، ولا يخدم إلا أجندة من يريدون كسرنا و يسعون إلى أن أن يعُـم العزوف عن كل شيء يُعطي لهذه الحياة معنى، وكل مبدأ يعزز قدرتنا على تقليص دائرة السوء والتفاهة، وعلى توسيع دائرة الخير والقيم، و يحد من رغبة الناس في المساهمة و إبداء الرأي و تتبع تدبير الشأن العام، واختيار الأنسب من أطر وكفاءات لإنتاج السياسات العمومية والبرامج وتدبير المرافق والمؤسسات المسؤولة عن تنزيلها. والأكيد أن مثلي كثير من الطاقات تؤمنبأن إبقاء شعلة الأمل ضرورة مجتمعية استراتيجية، و أن هذا الوطن يستحق الأفضل، لكنها طاقات تحتاج لرؤية تدخلات تعطي لهذا الأمل معنى و تجعل له أفقا منطقيا رصينا… و الله يجيب الخير

“الماضي لا يموت” .. كيف أساء المحامون إلى أنفسهم

في 1857 كتب كوستاف فلوبير رواية من روائع الأدب الفرنسي والعالمي، ويتعلق بالعمل الشهير الذي اقتبست منه أفلام وإنتاجات درامية “مادام بوفاري”.

في السنة ذاتها، حوكم فلوبير بسبب مضامين الرواية التي تحكي عن امرأة تخون زوجها الطبيب، باعتبارها عملا أدبيا غير إخلاقي يدعو الى الفاحشة والتهتك، لأن الكاتب لم يبد أي إدانة للسلوك السلبي للمرأة الخائنة بل إن القارئ يحس بنوع من التعاطف النسبي معها.

انتهت المحاكمة في آخر المطاف بتبرأة فلوبير “مادام بوفاري”، ما أكسب الرواية شهرة أكبر، وبقيت المحاكمة صفحة سوداء في تاريخ الأدب ودليلا على القمع والرجعية.

اليوم في 2019 خرج محموعة من المحامين بعريضة موجهة إلى رئيس جمعية “هيئات المحامين في المغرب”، بخصوص مسلسل “الماضي لا يموت” لمخرجه هشام الجباري نظرا لأنهم رأوا في شخصيات سلبية داخل العمل الدرامي إساءة لمهنتهم.

وجاء في العريضة أن المسلسل التلفزي الذي يقوم ببطولته رشيد الوالي وأمين الناجي وفاطمة خير وعبد الله ديدان، يدور حول مكتب للمحاماة في مدينة الدار البيضاء، وحول الحياة المهنية، يطرح واقعا غير صحيح للمهنة وللقوانين المنظمة لها.

واعتبرت العريضة، أن المسلسل قدم المحامي لعموم المشاهدين داخل الوطن وخارجه، على أنه يبيع أسرار موكله للخصوم، ويتم الاعتداء عليه داخل مكتبه وينعته بلفظي النصاب والشفار، ويرتكب جرائم القتل، ويعتقل على خلفية ذلك ويتم وضع الأصفاد في يديه واهانته من طرف رجال الشرطة ومدير السجن، والاعتداء عليه من طرف السجناء. بل إن محاميا أخذته الحماسة خلال تصريح صحافي حد القول إن «العمل مس بهيبة المحامي».

ليسمح لي أصحاب البدلة السوداء أن أكبر إساءة يمكن أن تلحقهم هو نشر مثل هذه الخزعبلات التي تدعو إلى الحسرة والكرب أكثر ما تدفع للسخرية والتنكيت. فنحن البلد الوحيد الذي يعتبر محاميا فاسدا في دراما تلفزيونية إساءة لمهنة نبيلة كالمحاماة، وكأن مهنة المحاماة “هينة” إلى حد يمكن أن ينال منها مسلسل رمضاني.

هي نظرة غريبة من الطهرانية الغائبة في أشد اليوتوبيات صرامة، فالمحامون ليسوا ملائكة تمشي على الأرض، في وقت لم تسلم أي مهنة من الفساد والمفسدين، حيث هناك المحامي الفاسد والمعلم الفاسد والصحافي الفاسد … على غرار المهن جميعها. فهل المطلوب من الدراما في هذا البلد السعيد أن يكون فيها “الأشرار” بلا مهنة وبلا هوية أو انتماء؟

صحيح أن معشر السيناريست يرتكبون أخطاء في طريقة عمل الكثير من المهن، مثل الشرطي والصحافي والمحامي… ومرد ذلك إما ضيق الوقت أو قلة الامكانات، او لنقلها صراحة، الكسل وغياب روح الابتكار، ففي الانتاجات الاجنبية المحترمة يتخذ المنتجون مستشارين في مختلف المجالات حسب صنف العمل الدرامي، لكن هذا نقاش آخر.

لأجل كل هذا،

علينا أن نعترف أن الحالة التي بين أيدينا تنتمي الى عصر الظلمات. فالحساسية المفرطة لا تجلب سوى تفاهات التدخل في رمزية الأدوار والمهن وغيرها من التفاصيل.. هي باختصار الدرجة الصفر من النقاش.

رفعت الجلسة.

هل تزدهر الثقافة في نظام قمعي..؟!

حدث ذلك منذ ثلاثين عاما. كنت لازلت أتلمس خطواتي الأولى في عالم الأدب وقمت مع بعض الزملاء بتنظيم ندوة أدبية أسبوعية دعونا إليها ناقدا معروفا يعمل أستاذا للأدب في الجامعة. نصحنا الناقد الكبير بأن نتعلم الطريقة الحديثة في الكتابة وذكر لنا رواية “الريح ” للكاتب الفرنسي كلود سيمون باعتبارها نموذجا للكتابة العصرية العظيمة.

كنت قد قرأت هذه الرواية فلم تعجبني وأصابتني بالملل الشديد. قمت بطبع أول فصلين من رواية “الريح” بعد أن غيرت الأسماء الفرنسية إلى أسماء عربية وفي الأسبوع التالي قلت للناقد الكبير:

– لي زميل طبيب أرسل معي فصلين من أول رواية يكتبها. هل تسمح لي بقراءتها ثم تبدى رأيك؟

بدأت في قراءة رواية “الريح” وبعد صفحتين فقط قال الناقد:

– أظن هذا يكفي. هذه كتابة رديئة.

أصررت على إكمال القراءة وبعد بضع صفحات قال الناقد بحدة:

– كف عن القراءة من فضلك. صديقك عاجز عن كتابة عبارة واحدة سليمة وهو لا يعرف شيئا عن الصورة الأدبية أو رسم الشخصيات.

قلت له:

– ألا يمكن أن يتعلم صديقي الكتابة مع الوقت..؟

رد الناقد ساخرا:

– لا يمكن أن يتعلم لأنه غير موهوب. أنصح صديقك بأن ينسى الأدب ويتفرغ للطب حرصا على صحة المرضى والقراء.

عندئذ أخبرته بأنني كنت اقرأ من رواية “الريح” التي يعتبرها سيادته نموذجا للكتابة العظيمة.

حدثت بيننا بالطبع مشاجرة عنيفة، لكنني تعلمت يومئذ درسا مهما: ألا أحس برهبة من المشهورين وأن أعبر بصراحة عن رأيي الشخصي في العمل الأدبي بغض النظر عن الرأي السائد عنه. بعد سنوات أتيحت لي فرصة التعرف إلى النقد الأدبي في البلاد المتقدمة فتعلمت أننا يجب أن نفرق بين أربع مهن مختلفة:

أولا: الصحفي العارض REVIEWER

_______________________

وهو صحفي مهمته أن يقدم عرضا للكتب الصادرة حديثا، وقد يضيف إلى العرض انطباعاته لكنه لا يعتبر ناقدا أدبيا.

ثانيا: أستاذ الأدب

_________

وهو أستاذ جامعي يقوم بتدريس مادة أدبية للطلاب لكنه ليس بالضرورة ناقدا أدبيا.

ثالثا: الناقد النظري

__________

وهو مفكر أو أكاديمي يقدم ويشرح وينقد نظريات الادب ويستعمل الأعمال الأدبية كنماذج للتدليل على آرائه النظرية

رابعا: الناقد التطبيقي

____________

وهو يستوعب النظريات الأدبية المختلفة ثم يطبقها على العمل الأدبي وهو الوحيد بين المهن الأربع الذي يعتبر ناقدا أدبيا. للأسف فقد تعودنا في مصر والعالم العربي أن نخلط بين المهن الأربع فيكفي أن تكون صحفيا ولديك مساحة تكتبها كل أسبوع حتى تعتبر نفسك ناقدا أدبيا. وكذلك الأستاذ الجامعي قد يكون حاصلا على الدكتوراه في تاريخ الأدب أو الشعر الصوفي أو اللغويات لكنه يعتبر شهادته رخصة تسمح له بممارسة النقد في كل فروع الأدب بدءا من الشعر والمسرح وحتى الرواية والقصة القصيرة.
هذا الخلط في مفهوم النقد أدى إلى العشوائية في حياتنا الثقافية ومع قلة القراءة وعدم وجود رأي عام أدبي وانتشار الفساد والمحسوبية تكونت مراكز قوى في مجال الثقافة وتم فرض أسماء ضعيفة فنيا وتجاهل قامات أدبية حقيقية لم تتوائم مع قواعد المؤسسة الثقافية الفاسدة.

هل يمكن ازدهار الثقافة في نظام قمعي؟ الذين يؤمنون أن القمع لا يؤثر على الثقافة يضربون مثلا بالنهضة الثقافية التي حدثت في العهد الناصري، وهذه مغالطة كبيرة لأن المبدعين الذين أثروا الحياة الثقافية آنذاك كانوا قد أتموا تكوينهم الثقافي في العصر الليبرالي قبل الحكم العسكري.

كما كان اعلان الولاء لعبد الناصر شرطا أساسيا لوجودهم في الإعلام والمسرح والسينما. كثير من هؤلاء المبدعين آمنوا فعلا بمشروع عبد الناصر وكثير أيضا اضطروا إلى نفاق النظام طمعا في عطاياه أو خوفا من بطشه، وكثير تحولوا إلى مخبرين يكتبون التقارير عن زملائهم عندما تم تجنيدهم في التنظيم الطليعي.

لا يمكن لثقافة حقيقية أن تزدهر في ظل الاستبداد لأن الإبداع يستحيل بدون حرية كما أن الاستبداد يقضى على تكافوء الفرص ومبدأ الاستحقاق ويقطع العلاقة بين الأسباب والنتائج، عندئذ لا تؤدي الموهبة بالضرورة إلى النجاح ولا يؤدي العمل الجاد بالضرورة إلى الترقي ولا تؤدي الكفاءة بالضرورة إلى تولى المناصب.

كيف يتم تعيين وزير الثقافة أو عميد كلية الآداب أو رئيس تحرير جريدة الأهرام أو حتى رئيس الأوبرا في مصر؟

الإجابة دائما واحدة: بترشيح من أجهزة الأمن التي لا تعنيها إطلاقا كفاءة المرشح للمنصب، وإنما الأهم دائما مدى ولائه للنظام. لا يمكن الحديث إذن عن نهضة ثقافية في ظل الديكتاتور وقد فشلت ألمانيا النازية في إنجاب أديب بحجم توماس مان وفشل الاتحاد السوفيتي في انجاب أدباء مثل دوستويفسكي وتشيكوف.

لقد كانت المواهب الكبرى دائما في خصومة مع الأنظمة القمعية. أقصى ما يحققه النظام القمعي مجرد أنشطة استعراضية تقام لتمجيد الديكتاتور بغير أن يكون لها تأثير حقيقي على الثقافة. يُذكر هنا أن معظم  قصور الثقافة مغلقة في مصر وأن عدد دور السينما الآن أقل بكثير من عددها في أربعينيات القرن الماضي (بالمقارنة مع عدد السكان) وأن الصحف الحكومية تحقق خسائر مالية رهيبة نتيجة لفشل إدارتها ونذكر أيضا ملايين الجنيهات التي ينفقها النظام من أجل عمل مؤتمرات للشباب لا تحقق أية فائدة باستثناء الدعاية للسيسي والتنافس في مديح عبقريته. الحرية شرط أساسي لأي إبداع. يستحيل أن تزدهر الثقافة في نظام قمعي.

الديمقراطية هي الحل.

حماية البيئة و تعزيز التنمية المستدامة… ورش وطني غير قابل للتأجيل

سرني أن أطالع هذا اليوم، من خلال الصفحة الرسمية على الفيسبوك للسيدة كاتبة الدولة المكلفة بالبيئة و التنمية المستدامة، أنه تم اليوم الإثنين 27 ماي 2019، بمجلس النواب، تقديم مشروع قانون رقم 49.17 يتعلق بالتقييم البيئي.

وبحسب نفس المصدر، من مستجدات هذا المشروع “إخضاع السياسات والاستراتيجيات، والبرامج والمخططات، وتصاميم التنمية القطاعية أو الجهوية،  بالاضافة إلى مشاريع أخرى سيحددها نص تنظيمي، من المحتمل أن تكون لها تأثيرات على البيئة، للتقييم الاستراتيجي البيئي، مع تحديد طرق وكيفيات دراسة التقييم البيئي الاستراتيجي، واللجوء إلى الاستشارة العمومية، بالإضافة إلى إقرار “الافتحاص البيئي” المنصوص عليه في القانون الإطار رقم 12-99 بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة”.
كما يهدف مشروع القانون، كما جاء في تقديمه أمام أعضاء “لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة” بمجلس النواب، إلى “تجاوز بعض الثغرات التي أبان عنها تطبيق القانون رقم 03-12، المتعلق بدراسات التأثير على البيئة، ومن بينها عدم خضوع بعض المشاريع الملوثة لدراسات التأثير على البيئة، وعدم تلاؤم نظام المراقبة مع التطور المؤسساتي الذي عرفته الشرطة البيئية. و كذا إخضاع الوحدات الصناعية والأنشطة الموجودة قبل صدور هذا القانون، والتي لم تكن موضوع أي تقييم بيئي، للإفتحاص البيئي، وذلك بغرض مواكبتها لاحترام القوانين البيئية الجاري بها العمل”.
مشروع القانون يبتغي كذلك، حسب ما تسرب بشأنه، “تعزيز دور اللجان الجهوية لدراسة التأثير على البيئة، من خلال تسهيل ظروف عمل هذه اللجان على المستوى الترابي، وتعزيز مراقبة المشاريع الخاضعة للتقييم البيئي، والرفع من العقوبات المطبقة على مخالفات هذا القانون”.

شخصيا لم يتسن لي، بعد، أن أطلع على مشروع القانون المشار إليه أعلاه، والوقوف على حيثياته و قراءة تفاصيله. و لأن في التفاصيل الجزئية تكمن غالبا معوقات التنفيذ السلس لأي قانون، سأعمل على الإطلاع على مسودة مشروع القانون، حالما سمحت ظروفي بذلك. لكن، في الانتظار، أعتبر بصورة مبدئية أن المبادرة محمودة جدا، و قد تساهم في تعزيز تأكيد التزامات المملكة المغربية في مجال التنمية المستدامة، كما ألح عليها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في خطاباته. و لعل المواطنين يتذكرون حدث تنظيم محطة كوب 22 بمراكش، و الذي كان لحظة فارقة، بتنظيم رائع، منحت بلادنا احتراما كبيرا من لدن دول العالم، و من لدن هيئات المجتمع المدني و المنتظم الأممي ذات الصلة بالشأن البيئي.

و إذا سار إعداد نص الصيغة النهائية الرسمية للقانون، وفق معايير الجودة اللازمة في هذا الباب، و تم الأخذ بأفضل ما في التجارب العالمية من اجتهادات و معايير و ميكانيزمات ضبط، و تم تحميل القانون بكل شروط التفعيل الجيد و الملزم، و بقوة ضغط حقيقية و كبيرة، للتغلب على بعض “اللوبيات القطاعية” التي سترفض الخضوع لمثل هذه الإجراءات الاحترازية، ستكون بلادنا من خلال هذا القانون الذي سينضاف إلى ما سبقه من قوانين في الموضوع، قد سجلت نقطة إضافية مهمة للغاية، قد تساهم في تحسين ترتيبنا و مؤشراتنا في باب الحكامة البيئية، بما سيكون لذلك من أثر إيجابي على تشجيع الاستثمار الدولي الذي أصبح الشرط البيئي جزءا أساسيا حاسما في قراراته.

و هنا، لا بد من تسجيل أنه إذا كانت المواد الإخبارية و المقالات العلمية التي نطلع عليها في وسائل إعلام دولية متخصصة، تبين مدى ما بلغه مستوى الوعي بالإشكالات البيئية في عدة مناطق من العالم، وما أصبحت عليه مجتمعات عديدة من نضج في التعاطي الشعبي و الرسمي معها، فإن أقل ما يمكن قوله عن حالتنا الوطنية بخصوص محور البيئة و التنمية المستدامة، هي أننا نعيش، حتى الآن، خارج سياق تعميم الوعي بالمشاكل البيئية المطروحة في وطننا، و خارج سياق التوفر على ديناميكية مؤسساتية، فعالة و ناجعة، للتتبع و التقييم و إنتاج حلول عملية وتدبير تنزيلها بشكل تشاركي و مبتكر.
و رغم طفرة القوانين التي صدرت ببلادنا، و التي ابتهجنا لها، لكننا لا زلنا نسمع كل يوم أخبار عن عجز الحكومة عن مواجهة حالات تسيب و استغلال غير عقلاني، و في بعض الأحيان غير مشروع، لموارد طبيعية عديدة، أهمها “الفرشة المائية”، و “مقالع الرمال”، و “الرصيد الغابوي”، و “الأودية و الأنهار”…. إلخ.
وهنا لا بد من التأكيد على أن أمر تعميم الوعي و إعطاء الأولوية لاحترام المعايير البيئية، ليس مرتبطا بعدم استطاعة الفاعل الرسمي و المؤسساتي على استيعاب التحديات البيئية المطروحة. إنما للأمر علاقة بكون موضوع “البيئة” لا زال، رغم تقدم التشريعات الوطنية، يشكل بالنسبة لفاعلين عديدين، ترفا و قضية ليست بملحاحية قضايا معيشية أخرى. و مبعث ذلك، إضافة إلى غياب وعي مجتمعي بطبيعة المشاكل و عمقها، و حقيقة وجود صعوبات في توفير التمويلات الكافية، أن الإشكالات البيئية تشبه “فاتورة مُستحقة للغير، و لكنها مؤجلة التسديد”. وبالتالي لا نفكر فيها الآن، و نؤجل موضوعها إلى القادم من وقت.
لكن، ما يجب أن يعيه الجميع أن “الفاتورة”، وإن كانت ستؤدى لاحقا، و ربما من طرف جيل قادم، إلا أنها ستكون جد مرتفعة، و كبيرة القيمة، و حتمية الأداء. و من واجبنا الأخلاقي، و مسؤوليتنا المجتمعية، أن نساهم في جعل الفاتورة خفيفة الأثر و الوقع على من سيأتون بعدنا من أجيال، من خلال تأهيل قانوني و سياسات عمومية ناجعة.
و ليس لذلك من سبيل، سوى تكثيف الترافع، و توسيع دائرة النقاش بشأن قضايا البيئة، بحضور الرسميين وأصحاب القرار و مكونات المجتمع و المواطنين. كما يجب استنباط التجارب الناجحة عبر العالم، و تركيز التواصل على خطاب رئيسي يبين بأن “الاستثمار في البيئة ليس استثمارا غير مجد و لا مربح”. بل بالعكس على كل المعنيين أن يعلموا أن “التحول الطاقي” la transition énergétique ، يمكنه أن يساهم في إنتاج الثروة و تعزيز التنمية، و جعل الإنفاق في هذا المحور، استثمارا أكيدا من أجل مستقبل مشرق.

كما أن الحكومة مطالبة،  عقب المصادقة على القانون الجديد، أن تبدل مجهودا كبيرا لتأهيل و تطوير كفاءات الموارد البشرية، و تمكنها من آليات الاشتغال، و توفر لها الحماية الميدانية اللازمة، و تمكن الإدارات و مؤسسات الرقابة المعنية من سلطات تنفيذ مقتضيات القانون، بعيدا عن أي محاباة أو غض للطرف أمام خروقات قد تصدر من أي جهة كانت.

و أظن أن أمامنا، كمهتمين و كفاعلين سياسيين و مجتمعيين، مساحات هائلة من الفعل الإيجابي في هذا الباب، بعيدا عن أي تخندق إيديولوجي أو حسابات ضيقة، لأن حماية البيئة في التراب الوطني كاملا، فرض عين على الجميع، و هي أيضا مسؤولية وطنية أكيدة، لكي تظل موارد الوطن وبيئته  محصنة. و علينا المساهمة ما استطعنا في ذلك المجهود من خلال تناول عقلاني لقضية تهم الجميع، من أجل نماء وطن يسع الجميع،  و يتقدم بسواعد و ذكاء الجميع.

من يقرأ الأدب في مصر..؟!

من سنوات تناقشت مع مهندس شاب ففوجئت به يهاجم الأديب الكبير نجيب محفوظ ويؤكد أنه حصل على جائزة نوبل لأنه هاجم الإسلام في روايته “أولاد حارتنا “.. سألته:

–      هل تعلم أن جائزة نوبل لا تمنح لعمل أدبي واحد وإنما لمجمل أعمال الأديب؟

أجاب بثقة:

–      بغض النظر عن ذلك. لقد كافئوه على هجومه على الإسلام.

–      هل قرأت رواية أولاد حارتنا..؟!

–      لم أقرأها

–      ماذا قرأت لنجيب محفوظ؟

فكر الرجل قليلا ثم قال:

–      قرأت له كتاب “المعذبون في الأرض”.

أخبرته بهدوء أن “المعذبون في الأرض” من تأليف طه حسين وليس نجيب محفوظ ثم أنهيت المناقشة.

هذا المهندس الجاهل للأسف ليس نموذجاً نادراً في مصر ؟ لو أنك سألت عشرة أشخاص من معارفك عن قراءاتهم الأدبية فإن إجاباتهم ستصدمك. معظم المصريين والعرب لا يقرأون الأدب والاحصائيات التي قارنت بين العرب والغربيين في القراءة الأدبية تثير الخجل.

لقد جاء مثلاً في “تقرير التنمية الثقافية” لعام 2011 الصادر عن “مؤسسة الفكر العربي” أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنوياً بينما يقرأ الأوروبي بمعدّل 200 ساعة سنوياً.. قلة القراءة الأدبية في مصر ترجع في رأيي للأسباب الآتية:

أولاً: منذ بداية الحكم العسكري لمصر عام 1952 أخذ مستوى التعليم في التدهور حتى خرجت مصر مؤخراً من التصنيف العالمي للتعليم.. هذا التدهور لا يرجع إلى مجانية التعليم وإنما يعود إلى منح المناصب في مجال التعليم لشخصيات موالية للنظام تفتقر إلى الكفاءة لأن القاعدة في الحكم العسكري ان الولاء أهم من الكفاءة.
ثانياً: أدى انتشار الإسلام السياسي إلى عدم الاهتمام بالأدب. إن الأدب برحابته الانسانية وتعاطفه مع كل البشر بعيوبهم وانحرافاتهم لا يناسب عقلية الإسلاميين التي ترى العالم بلونين اثنين فقط: الأبيض للمؤمنين والأسود للكفار والفاسقين. عضو الإخوان المسلمين يخضع إلى جدول للقراءة يحدده التنظيم لا يشمل الأعمال الأدبية كما أن الشاب الذي ينضم إلى الحركات السلفية الوهابية يتعلم من شيوخه أن كل ما يهمه في الدنيا موجود بين صفحات القرآن وبالتالي لا ضرورة لقراءة الأدب الذي يحتوى عادة على مشاهد عاطفية قد تثير الشهوات وتفتن الإنسان في دينه.

ثالثاً: لم تعد القراءة الأدبية شرطاً للترقي الاجتماعي في مصر. إن حسن المظهر وإجادة اللغات الاجنبية والكمبيوتر والطبقة الاجتماعية الراقية والعلاقات بأصحاب النفوذ، كلها مواصفات ستساعدك قطعاً على الحصول على فرصة عمل جيدة، أما الثقافة الأدبية فلم تعد سمة تميزك أو تمنحك أي تفوق أو جدارة.

رابعاً: الإعلام المصري الذي تسيطر عليه المخابرات يبث على مدى ساعات يومياً المسلسلات الدرامية ومباريات كرة القدم وأخبار اللاعبين وحكايات الطلاق والزواج بين نجوم السينما، بينما لا يخصص أي وقت للبرامج الأدبية. ليس إهمال الأدب في الإعلام من قبيل المصادفة فلاشك أن المخططين للإعلام يعلمون أن الشعب إذا قرأ الأدب سيثور ضد الديكتاتور.

خامساً: الأدباء في العالم كله يدافعون عن الديمقراطية ويدفعون ثمن مواقفهم من حياتهم وحريتهم، أما الأدباء في مصر فإن كثيرين منهم متوائمون تماماً مع الديكتاتور وهم يعتبرون الأدب مجرد صنعة ووسيلة رزق وليس رسالة إنسانية، وبالتالي فإنهم يدعمون نظام الاستبداد مقابل حصولهم على جوائز الدولة ومناصب بمرتبات مجزية في وزارة الثقافة. تواطوء الأدباء مع الديكتاتور يبعدهم عن تعاطف الناس ولا يشجع أحداً على قراءة أعمالهم.

سادساً: أدى غياب القراء إلى عدم وجود رأي عام أدبي في مصر كما أدى الفساد المصاحب للحكم العسكري إلى إفساد نقاد كثيرين مما جعل الحركة الأدبية أشبه بمستنقع آسن يحكمه أفراد قليلون يحتكرون السلطة الأدبية ويملكون تصعيد أي أديب أو القضاء على مستقبله الأدبي. هذا الاستبداد الثقافي كثيراً ما يروج لأعمال أدبية ركيكة ينصرف عنها القراء.

سابعاً:  غياب الأدب في التعليم والإعلام أدى إلى انتشار الجهل بطبيعة الأدب الإبداعية ولعل البلاد العربية المكان الوحيد في العالم الذي يقاضي فيه أصحاب مهنة معينة الأديب إذا قدم في روايته شخصية من مهنتهم بطريقة لا تعجبهم. هذا الخلط الساذج بين الخيال والواقع كان موجوداً في أوروبا منذ قرنين فقد حوكم الأديب الفرنسي جوستاف فلوبير عام 1857 لأنه قدم شخصية الزوجة الخائنة بشكل متعاطف في روايته “مدام بوفاري”. ومنذ ذلك الحين تعلم الناس في العالم المتقدم أن الأدب يقدم نماذج إنسانية وليدة خيال المؤلف وأنه لا يجوز محاكمة الخيال.

ثامناً: الأدب لا ينفصل عن الواقع الاجتماعي والسياسي فالإنسان يقبل على قراءة الأدب عندما يشعر بأن له دوراً في تقرير ما يحدث في بلاده وقد زادت معدلات القراءة الأدبية خلال السنوات التى سبقت ثورة يناير. وكان آلاف القراء يتزاحمون على حفلات التوقيع بل إن الشباب الذى صنعوا هذه الثورة كانوا غالباً من قراء الأدب. أما الآن وقد تعثرت الثورة وصارت الثورة المضادة في الحكم فقد أكد لي ناشرون مصريون أن قراءة الادب قد تراجعت وكأنها كانت مواكبة للأمل في التغيير والقدرة على تحقيقه.

إن أزمة الأدب في مصر تؤكد مرة أخرى أن الجو المسموم الذي تصنعه الديكتاتورية يتسرب إلى كل المجالات بلا استثناء، وبالتالي فإننا لن ننتصر في معركة التغيير الديمقراطي إلا إذا استعاد الأدب دوره التنويري الفني ووصلت رسالته إلى الجماهير. إن الثورات لا تنتصر إلا بالوعي والوعي يستحيل أن يتحقق إلا بالمعرفة الإنسانية التي لا تكتسب أبداً إلا بقراءة الأدب.

الديمقراطية هي الحل.