المدرسة وبناء المعرفة

الأربعاء 26 ديسمبر, 2018 09:40 محمد بوبكري
إحاطة -

يتميز القرن الواحد والعشرون بثورات علمية وانفجار المعلومات وتدفقها الكبير وتحويلها إلى معارف… ويقوم الاقتصاد اليوم على المعرفة وإنتاجها وتسويقها، حيثُ ظهرت أنشطة تذر الملايير على بعض دول العالم الثالث، التي وضعت سياسات ملائمة ونجحت في إنجازها. ولذلك، فقد أصبح التعليم الذي يتصف بالجودة هو التعليم الذي يقوم على إنتاج المعلومات والمعارف… الشيء الذي يفرض تأهيل المدرسين قصد إعداد المتعلمين للتفكير والبحث وإنتاج المعرفة وتحليلها ونقدها…

تمتاز المعرفة بخاصية التحول، ومن ثمة فهي ليست حقائق ثابتة ونهائية، بل خلاصات نسبية قابلة للمراجعة والنقد والتحيين والتعديل والتجديد والتغيير في ضوء معطيات ومعلومات جديدتين، أو اكتشاف أخطاء أو نواقص في البيانات والمعلومات السابقة… بالتالي، . فما لدينا من معلومات أو معارف في فترة زمنية ما يكون دائما غير نهائي ومفتوح وغير مطلق. هذا هو منطق التفكير العلمي ونتائجه فيما هو معروف من تغيير وتطوير لقوانينه وتفسيراته ومعطياته العلمية المتطورة. وتكمن وظيفة التفكير العلمي في تَحَدِّيهِ المستمر لثوابته الخاصة، وفي دحضه المستمر للنتائج التي يتوصل إليها هو نفسه. بذلك، فما يقوم به الإنسان هو مجرد محاولات مستمرة للاقتراب من الحقيقة. بذلك، تتوالى التحولات المعرفية باستمرار، ويشكل كل واحد منها تصحيحا لسابقه وتطويرا له… ويتم في عملية التحول ذاته إحلال نسق معرفي محل نسق آخر، من خلال تغير رؤية هذا الأخير ومنهج تفكيره واصطلاحاته وأساليب إنتاج معرفته… ويعني هذا أنه تتم إعادة النظر في الأساس الفلسفي والفكري للنظام المعرفي القديم قصد وضع نظام جديد، مما يجعل تاريخ العلم تاريخ ثورات متتالية كما أظهر ذلك جيدا توماس كون في كتابه «بنية الثورات العلمية»…

وإذا كان كل تحول في النظم المعرفية يرتبط بسيرورة تاريخيةمعينة، فينبغي استحضار هذه السيرورة عند تقرير الاستفادة من نتائجها في مجتمع آخر غير مجتمعها الأصلي. وهذا يقتضي تربويا أنه لا يمكن أخذ المستجدات التربوية التي هي نتاج لعملية التحول في الأنظمة المعرفية في البلدان الغربية، وتطبيقها بشكل آلي في مجتمع يمتلك نظاما معرفيا آخر يقوم على أسسمغايرة في نظرتها للطبيعة والإنسان…

لقد كثر في السنوات الأخيرة الحديث عن تطور المعارف، وضرورة إجراء تجديدات تربوية لتحديد أدوار جديدة للمدرس والتلميذ. بل، وصل الأمر ببعض المهتمين إلى حدّ اقتراح وصفات جاهزة ضرورية، في نظرهم، لتحسين أداء المنظومة التربوية… لكن بقراءة خطابات هؤلاء وخطاطاتهم يتضح أنها خالية من أي تحليل لطبيعة المعارف المتغيرة المراد تدريسها، وكيفية تحولها…

نحن لا توجد عندنا دراسات جادة تكشف لنا منطق المعارف الحديثة، وكل ما نعرفه هو أن هناك تحولات معرفية يتعين أن يُكَيِّف المدرس دوره معها، لكننا لا نعرف شيئا عن ديناميكية هذه العلوم وطبيعة التحولات التي تعرفها وشروطها الداخلية والتاريخية… وهذا ما يصعب معه تحديد سليم لطبيعة الأدوار الجديدة للمدرس التي ينبغي أن تنسجم مع طبيعة المعرفة الحديثة، ولا تتناقض معها أو تنسفها… ولذلك، فحديث هؤلاء عن وجود أدوار جديدة للمدرس هو مجرد حديث عن تقنيات للحصول على المعرفة وترويجها بشكل آلي، لا حديث عن معرفة المعرفة عبر بنائها…

إضافة إلى ذلك، يغفل هؤلاء البنية الثقافية المؤسِّسَة لعقلية كل من المدرس والمتعلم عندنا وانعكاس ذلك على تمثلاتهم للمعرفة الحديثة. إن لعقلنا الضارب في الماضي نظاما وطرائق خاصة في تمثل المعرفة واستيعابها وإنتاجها، تختلف عن نظائرها عند العقل الغربي، ما يجعل عقنا مختلفا عن نظيره الغربي مُنتج المعرفة الحديثة. لذلك يقتضي نقل هذا الإنتاج العقلي إلى نظام عقلي آخر الاشتغال على ذات الأخير من أجل تكييفه وإعداده لاستقبال هذا الإنتاج واستيعابه، ومعرفة حدوده، وامتلاك القدرة على الاشتغال به والإبداع فيه… وإذا لم يتم ذلك، فعملية النقل هذه لن تكون مفيدة، بل ستخلق الكثير من المشكلات…

بالإضافة إلى ذلك، فهؤلاء يتجاهلون السيرورة التاريخية والاجتماعية التي رسمت الرؤية الغربية في إنتاج المعرفة وتلقيها، وهو ما حال دون نفاذهم إليها، وإدراك منطقها والخلفيات الفلسفية التي أنتجتها؛ فهم يتحدثون عن تقنيات وأساليب بيداغوجية لكيفية نقل المعرفة بشكل آلي، دون وعي بمسارات تحول المعرفة وتمثلها… لذلك ركزوا جهودهم على كيفية جمع المعلومات وتنظيمها، دون التفكير في كيفية إنتاجها ومعرفة حدودها…، ودون أن تجد الذات المتعلمة معنى للوضعية التعليمية –التعلمية التي تعيشها… وهذا ما يحول دون امتلاك المتعلم لمنطق الإنجاز والاكتشاف، كما لن يجد معنى في ما يتعلمه، ولا لذة فيه، ولا حافزا ورغبة في تعلمه… سيكون التعلم من أجل التعلم، وليس لفعل شيء ما، أو لتحليل واقع أو ظاهرة بالاعتماد على ما نعرفه. وستتم مراكمة المعارف بدون أي ربط بينها، ممَّا يُحولها إلى شبه كلمات متقاطعة غير قابلة للتوظيف في الحياة والعيش في المستقبل، وغير مرتبطة بظروف تطورها، بل وجدت فقط لتشكيل برامج دراسية لا علاقة لها بما يجري خارج المدرسة… بالتالي، لن يعرف المتعلم مبادئ المادة الدراسية، ولا تطورها، ولا أسئلتها، ولا مفاهيمها، ولا أساليب إنتاج المعرفة في إطارها… من ثمة، سيعجز عن تعلم ما يدرسه عبر تطبيقه وإنتاج معارف حول مختلف جوانب موضوع دراسته… نتيجة ذلك، تتم برمجة المتعلم ليشتغل بطريقة خطية وآلية…، الشيء الذي يقود إلى تبديد كل ما يمتلكه من جهد فعال وطاقة خلاقة…، فلا يكون للحديث عن الإبداع آنذاك دلالة ولا غنى فيه. كما لا يمكن للمتعلم أن يَكوِّن ذاته بالحركية والعمل وبذل الجهد وإجراء التجارب في سياقه الخاص، ما يعيق تحوله إلى ذات، ويحرمه من تطوير أي مشروع شخصي أو مهني…

وبعدم النفاذ إلى عقل التحولات المعرفية الجديدة يبقى التفكير منصبا على طرق إيصال المعرفة مبتورة عن جذورها، ودون أي ربط بين عناصرها…، ومُستبعداً التفكير في طبيعة المعرفة التكنولوجية والتحولات المعرفية التي أنتجتها. في المقابل، يتم فقط إعداد مستهلك آلي جيد لهذه المعرفة. ولعل هذا ما يفسر تغلغل أكثر الأفكار انغلاقا وتخلفا في أذهان الكثير من المشتغلين في التخصصات التكنولوجية…

إن حديث هؤلاء عن الانفجار المعرفي لهذا العصر والأدوار الجديدة للمدرس، يغفل أهمية معرفة بنية تفكير هذا الأخير، وضرورة زعزعتها، ليستوعب (هذا المدرس) تلك التحولات في جذورها العميقة وسيرورتها وكيفية إنتاجها… وهكذا، لن يكون للحديث عن تحول دور المدرس أي أهمية معرفية، بل سيبقى مجرد تحول شكلي غير قائم لا على معرفة طبيعة المعرفة العلمية وتحولاتها، ولا على استيعاب للبنية الثقافية للمُدَرِّس والمتعلم…