في ضرورة إصلاح التعليم الديني

الخميس 14 فبراير, 2019 09:47 محمد بوبكري
إحاطة -

يرى دارسو تاريخ فكر المجتمعات العربية الإسلامية أن ظاهرة التطرُّف والعنف ضاربة بجذورها العميقة في هذه المجتمعات وتاريخها، وأن انفجار العنف الديني والقٓبٓلِي من حين لآخر هو مجرد تنويع على ما استمر حدوثه في الماضي ابتداء من القرن الهجري الأول. ويعود سبب هذه العودة الدورية للعنف إلى أن هذه المجتمعات لم تعرف طوال تاريخها إلى الآن ثورة معرفية وسياسية تُمَكِّنها من ممارسة قطيعة مع هذه الظاهرة…

من الأكيد أن لهذه الظاهرة عوامل داخلية وخارجية تتجسد في الاحتلالات العسكرية الأجنبية والاستعمار وغيرهما من أشكال التدخل، وفشل السياسات الحكومية، وغياب الحريات، والأزمات المالية والاقتصادية، وشعور الناس بالإقصاء، مما أدى إلى سيادة الفكر الخلاصي القائم على مانوية الأسود والأبيض، وطغيان التفسيرات الدينية الفقهية الطائفية الأكثر تشدُّدا وعنفا…

وإذا كانت هناك عوامل عديدة تساهم في نشأة ظاهرة الإرهاب وتطورها، فنظام التعليم، وخصوصا التعليم الديني، يلعب دورا كبيرا في توفير المناخات التي تفرِّخُ التطرُّف والعنف وتحتضنهما. وهذا ما دفع بعض الباحثين إلى استنتاج أن ثقافة التعصب والعنف التي تتبناها تنظيمات الإرهاب التكفيري يتم تدريسها نظريا، بشكل أو بآخر، لتلاميذ مدارس هذه المجتمعات، بأساليب خجولة أحيانا وصريحة أحيانا أخرى…

ويتجلى ذلك في كون أنظمة التعليم في هذه البلدان تُولِّد شعورا لدى التلاميذ العرب المسلمين بأنهم أفضل من غيرهم من أبناء الطوائف والديانات الأخرى، ما ينجم عنه إحساسهم بتعاليهم عليهم واحتقارهم لهم… وبذلك تُرَسِّخ هذه النظم نوعا من ثقافة استعلاء الذات والاعتقاد بأنها أفضل من غيرها.

ويتضح ذلك في عدم تضمُّن المنهاج الدراسي الديني العربي الإسلامي مبدأ ضرورة تقبُّل تعدد الأديان واختلاف المذاهب الدينية وغيرها، والتعايش مع أصحابها. في المقابل، نجد أن الخطاب المدرسي العربي الإسلامي يُرسِّخُ في أذهان تلاميذ المجتمعات العربية الإسلامية عدم الاعتراف بالأديان السماوية الأخرى، مع أنَّ من لا يعترف بديانات الآخرين وقناعاتهم لن يحترمه الآخرون. كما أن من لا يعرف ديانة غيره لن يعرف ديانته… وهذا يعكس أحد مظاهر ضيق أفق وظيفة المدرسة في هذه المجتمعات، إذ ينبغي ألا تحصر نظرة التلاميذ وفكرهم في نطاق طائفتهم وقبيلتهم ومجتمعهم الصغير. في المقابل، على المدرسة أن تفتح أعينهم على العالم، وهذا ما لا أثر له في الخطاب المدرسي العربي الإسلامي، حيث يغيب العالم الرحب تقريبا لفائدة تمركز حول الذات العرقية والثقافة والديانة المحليتين.

وعندما يعتقد الإنسان بأنه أفضل الناس تَوَهُّما منه أنه يحتكر الحقيقة المطلقة، فهو سينظر لا محالة إلى الآخرين ممن يعتقدون أو يتبنَّون “حقائق” مغايرة، بوصفهم ليسوا مساوين له في الحق في الوجود والتفكير والتعبير، بل بكونهم كائنات منحرفة وضالة. ويرجع ذلك إلى أن طائفية المناهج الدراسية لا تتجاهل تنوُّع الأديان والمذاهب والأفكار في هذه المنطقة فحسب، بل تتجاهل أيضا تنوُّعَها الإثني واللغوي والثقافي الداخلي، فضلا عن التعدّد المذهبي داخل الدين الإسلامي ذاته، عندما تفرض وجهات نظر بعينها في قضايا تباينت فيها آراء المسلمين…يقوم المنهاج الدراسي الديني العربي الإسلامي، عموما، على التدريس بالأوامر والنواهي القاطعة، إذ يحول دون تساؤلات التلميذ، فيحرمه من التفكير والتعبير والتواصل، ما يعوق استعماله لعقله وفهمه للدين،علما أن مؤرخي العالم العربي الإسلامي يَرَوْن أن مأساة المجتمعات العربية الإسلامية نتجت تاريخيا عن الفصل بين النص الديني والعقل، أي عن حظر استعمال العقل في تفسير القرآن وتأويله… أضف إلى ذلك أن المدرسة لا تمتلك أية مقاربة تمَكِّن المتعلِّم من إدراك الجانب الروحي والجمالي للنص الديني الإسلامي الذي تتناوله الأغلبية الساحقة من آيات القرآن الكريم، حيث لا تهتم غالبا إلا بتحفيظ التلميذ بعض الأحكام المرتبطة بالعلاقات بين البشر التي هي قابلة للتغيير بتغير أحوال المسلمين وظروفهم. وما يزيد الأمر خطورة هو أن هذا التعليم “بصيغة الأمر والنهي” يمتد غالبا إلى أغلب المواد الدراسية الأخرى بما في ذلك المواد العلمية والأدبية،كما أنه يحتقر الفنون…

إضافة إلى ذلك، تنهض معظم المناهج الدراسية في هذه المجتمعات على الإلقاء والتلقين، واعتماد ثقافة الخبر والآراء الدينية والفتاوى الشرعية التي كانت سائدة في القرون الماضية، حيث يتم استحضار بعض التفسيرات الدينية التي أنتجها فقهاء طائفيون في تلك الأزمنة. لكن ما يتم نسيانه أو تناسيه هو أن تلك التفسيرات قد تكون مناسبة لعصرها دون أن تكون مُطلقة، إلا أنَّ هذه البديهية لم تجد بعدُ طريقها إلى العمل بها في التعليم الديني في هذه المجتمعات.

لقد تغيرت مجموعة من الأحكام المتعلقة ببعض القضايا بتغير الظروف والأحوال في عهد الرسول (ص)، ما يشكل درسا للمسلمين. فلو أراد الله حكما قاطعا واحدا بدون تبديل ولا تغيير لفعَلَ. ومعنى هذا أن الإسلام ليس جامدا ثابتا، وأن للمسلمين دورا فاعلا، ما يستوجب ضرورة تغيّرهم كلما ظهرت مستجدات وتحولت ظروفهم وأحوالهم. ويقتضي ذلك تغيير الأحكام المتعلقة بحياتهم دون المساس بجوهر العقيدة.

لكن فقهاء الإرهاب التكفيري في منطقة الشرق الأوسط تنكروا لهذا الدرس، فأصبحوا لا يتردَّدون اليوم في اللجوء إلى ممارسات الرق والمتاجرة بالنساء والأطفال باعتبارهم سبايا حرب… كما أننا صرنا نقرأ ونسمع بعض الشيوخ والفقهاء يتقدمون بفتاوى وجوب غزو المسلمين لبلاد غير المسلمين لحل مشكلات الاقتصاد والفقر في دار الإسلام… إن هذه “الأحكام” وغيرها تُلَقَّن في مدارس المجتمعات العربية الإسلامية في هذه المنطقة بشكل أو بآخر، وهذا مما يفسر التطرّف والتشدُّد الذي يطغى عليها اليوم ويدمِّرها…

لذلك، أصبح إصلاح التعليم الديني ضرورة مُلِحَّة في هذه المجتمعات، لاسيما أنها تأخرت في ذلك كثيرا إلى أن تم الشروع في الفتك بها. والإصلاح التعليمي والديني المطلوب ليس مجرد معالجة سطحية، أو الاكتفاء بالتعبير  عن قيّٓمِ “التسامح والتعايش”  لفظيا في الكتب المدرسية أو في بعض البرامج التلفزيونية أو المقالات الصحفية، لأنَّ الإصلاح الديني الفعّال يقتضي القيام بثورة حقيقية تهدف إلى إعادة بناء نظام التعليم على أساس المواطَنَة والمساواة والدولة الوطنية الديمقراطية، بعيدا عن النزعات الطائفية والقَبَلِية التي تمدُّ الاستبداد بشرعيته وترسِّخ أخواته.

عندما يتم الإعلاء من شأن المواطَنَة والمساواة، والتخلي عن قيم الاستبداد والطائفية والقَبَلِية، آنذاك سوف يتم تكوين أجيال تنظر إلى أفراد المجتمع بأنهم كلهم مواطنون يتنافسون بينهم على أساس الكفاءة والإنتاجية وسائر ما ينظمه القانون ويضمنه. بدون ذلك، سيظل مجال التفسير الديني مفتوحا في وجه من هبَّ ودبَّ فيبيح لنفسه تحديد معايير الولاء والانتماء، ويُدخل إلى دوائر ولائه من شَاء ويُخرج منها من شاء. ما ينبغي التشديد عليه، كما ذكرنا أعلاه، هو أن هذه التفسيرات يتم التأسيس لها في مناهج التعليم التي تنظر إلى الناس وتصنِّفهم باعتماد معايير طائفية وقَبَلِية تتعارض جذريا مع مفهومي المواطَنَة والأخوة والمساواة…

إضافة إلى ما سبق، يتعلم تلاميذ مدارس هذه المجتمعات أن من أسباب تراجع الأمة تبَنِّي الكثير من أبنائها معارف وعادات وقِيم دخيلة على الأمة العربية الإسلامية، وغير متناسبة مع “قِيمِها وسلوكها”، لأنها تعود إلى أمم أخرى كافرة… وبذلك، فما تقوم به جماعات الإرهاب التكفيري هو تفعيل بعض ما يتلقاه التلاميذ في المدرسة. فالمناهج الدراسية القائمة على ثقافة حرمان الإنسان من حقوقه ومواطَنَتِه… هي التي تهيئ الأفراد، إلى جانب عوامل أخرى، للانخراط بشكل تلقائي في مشروعات الإرهاب التكفيري مستقبلا. وإذا استمرت الأنظمة التعليمية على هذا النهج، ولم يتم إصلاحها، فإن هذا الإرهاب سيستمر، وسيظل جاهزا للاشتعال، ولن يحتاج سوى لمن يطلق شرارته الأولى لكي ينفجر، فيأتي على الأخضر واليابس ويحرق الحرث والنسل…

إن مناهج التعليم في هذه المجتمعات تحتاجُ إلى ثورة ثقافية حقيقية تُعلي من شأن العقل والنقد والسؤال… وبدون الانخراط في إصلاح جدِّي وشامل لنظام التعليم، يروم تحريره من سيطرة الفكر الطائفي -القبلي الجامد والمنغلق، ستعجز كل جهود مكافحة التطرف والعنف والتهديم الذاتي في هذه المنطقة عن التخلص منه نهائيا، لأنه سيظل قابعا في بنيتها الذهنية العميقة، وسيطفو إلى السطح من حين لآخر كلما توفرت له  الشروط المناسبة للانفجار….