يا نواب الأمة… اتركوا رئيس الحكومة يفرح و يبتسم

السبت 29 يونيو, 2019 09:25 يونس التايب
إحاطة -

لاحظ المتتبعون للشأن السياسي الوطني، مؤخرا، كيف أن رئيس الحكومة أصبح يعتمد خطابا يتمحور حول فكرة أساسية، يكررها فـي كـل خرجاته، هي اتهام المعـارضة ب “إشاعة اليأس والإحباط” وسـط المواطنيـن، من خلال خطـاب “مُغـرق في السلبيـة”. و يبـرز هذا المنحى التواصلي الجديد، بصفة خاصة، عند كل وقوف لرئيس الحكومة أمام نواب الأمة بمجلـس النـواب أو بمجلــس المستشـاريـن.

يوم الأربعاء 26 يونيو، تجددت لحظة تفاعل كهاته، عَـبـرَ خلالها رئيس السلطة التنفيذية أمام النواب، عن رفضه “خطاب المعارضة المُغـرق في السوداوية والتّبْخيس والتيئيس والتّشكيك في معطيات رسمية”، متهما فُـرق أحزاب المعارضة بالقول : “هناكَ من يريدُ مُصادرَة حقّي حتّى في الفرح والسّعادة بكلّ ما أنجزته الحكومة… لا يريدون رؤية الابتسامة على مُحيّاي وأنا أعرضُ حصيلتي”.

مرة أخرى، إذن، يخلف لدينا رئيس الحكومة انطباعا قويا بأن شيئا ما غير طبيعي في علاقة سيادته بمواطني المغرب. فإما أنه يعيش في واقع غير ذاك الذي تعيش فيه الغالبية، أو أنه لا يُوجه نظره في نفس الاتجاه الذي ينظر إليه المواطنون، لذلك فهو لا يرى “الواقع غير الوردي” الذي يراه الناس و يشتكون منه، هم و ممثليهم في البرلمان. أو ربما، هنالك اختلاف عميق، بين المواطنين و رئيس حكومتهم، فيما يخص ترتيب الأولويات التي تستحق اعتبارها “إنجازات” و الافتخار بها.

وبحكم تتبعي لواقع الحياة السياسية الوطنية، ليس لي شك في أن المواطنين يحملون رصيدا من الانتقادات للحكومة، و كما من المؤاخذات على أداءها، يزداد وقعه في الأنفس كلما خرج رئيس الحكومة و لم يُسمع منه حديث يعترف فيه بما يعانيه الناس، و اعتبار ذلك جزءا من حصيلته. إلا أنني، وأنا أقول هذا الكلام، أُعلم قُرائي أنني، في هذا المقال، و على غير عادتي، ارتأيت الاصطفاف إلى جانب رئيس حكومتنا، و محاولة الدفاع عن موقفه. ربما أستطيع إقناعكم بصواب “تحليلاته”، و أثبت لنفسي، من خلال هذا التمرين، كم كنت مخطئا، في مقالاتي السابقة، عندما انتقدت هذه الحكومة وسابقتها، واعتبرت أنهما تسببتا في وقت ميت بئيس عرفه تدبير الشأن العام في المغرب، أضاع علينا ما كان مُتاحا من إمكانية تطوير الذات، و مسـايـرة واقـع التحـولات العالمية، و رفع تحديات التنمية التي تفرض نفسها على بلادنا، و تحقيق  حلم ولوج نادي الدول الصاعـدة.

لا تسألوا عن السر الذي حفز في نفسي الرغبة في هذا “الاصطفاف الجديد”. الأمر بسيط. هي الصدمة من هول على ما اعترف لنا به رئيس الحكومة من تعرضه ل”خرق حقوقي” سافـر على يد المعارضة البرلمانية، التي تجرأت على “مُصادرَة حقّه في الفرح والسّعادة بكلّ ما أنجزته الحكومة”. والحالة هذه، كيف لا أسجل تضامني المبدئي مع شخص رئيس الحكومة فيما تعرض له ؟

صراحة، لا أدري، كيف أمكن، بعد “رصيد التراكمات الحقوقية” و ما تم تسجيله من “غياب أي مس بالحقوق أو تراجع في الحريات”، في عهد حكومة بلادنا خلال الثمان سنوات الماضية، أن تمنح المعارضة  لخصوم الـوطـن، “هـدية مجانية” و فرصة لانتقاد سجـلنا الحقـوقي ؟ بل الأدهى من كل ذلك، هو كيـف أمكن أن يمـر هـذا “الخـرق الحقـوقي” دون أن ينتبه إليه الرأي العام الوطني، و الفاعلين الحقوقيين، و تضيع بذلك فرصة الضغـط على المعارضة البرلمانية، و التدخل لثنيها عما تقوم به من مُصادرة “الحق في الفرح و السعادة” من مواطن محترم يشغل منصب رئيس الحكومة؟

لولا خوفي من أن أُتهم بالمحاباة أكثر من اللازم، لأطلقت العنان لكل الشكوك التي تراودني و توحي لي بأن ما جرى من استهداف حق رئيس الحكومة، ليس إلا “مؤامرة دُبرت بليل” و التقت فيها إرادات عديدة. ولولا حرصي على أن لا أُتهم بالسعي غير المعلن للحصول على ريع أو موقع ما، لطالبت بضرورة “الإسراع بفتح تحقيق” و “تحديد هوية الجُناة و مُنتهكي الحق في الفرح”، و “ترتيب العقوبات الطبيعية في حق المتورطين في هذه الانتكاسة الحقوقية غير المسبوقة”، و المسارعة إلى ذلك قبل أن تدخل على خط القضية تلك الجهات المُغرضة و المُعادية، لتتصيد هذه المرة أخطاء “منتخبي الأمة” في حق رئيس حكومة البلاد.

كما لا يفوتني أن أتبـرأ مـن كـل أولائـك الذيـن “لا يريـدون رؤية الابتسامة على مُحيّا رئيس الحكومة وهـو يعـرضُ حصيلته”، و أن أعبر عن استنكاري لهذا الموقف، متسائلا كيف أصبحنا مجتمعا يضيق صدره برؤية ابتسامة سرور، و يكره تعابير الفرح في وجه المسؤول الحكومي الأول عن تدبير واقعنا الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي و البيئي و الإداري، رغم كل ما يبدله من جهد لأجل سعادتنا؟ ما الذي يعتمل في أنفس المواطنين، حتى أصبح نواب المعارضة على تلك الحالة التي يراهم عليها رئيس الحكومة… مُشككين و مُبخسين و مُيئسين؟

أليس عيبا على جيلنا، و نحن في القرن الواحد و العشرين، أن نُسجل “سابقة” لم يشهدها تاريخنا السياسي الوطني منذ الاستقلال، و نتصرف بالشكل الذي جعل رئيس الحكومة يتهم المعارضة البرلمانية، و بصفة غير مباشرة المواطنين الذين انتخبوا ممثليها، بأنها تعادي فرح و سعادة سيادته ؟ ألسنا نحن المواطنين من أسرفنا في الشكوى و التظلم، حتى هيجنا نواب المعارضة لانتقاد الواقع الذي يرونه سوداويا ؟

لا يقولن لي أحد أن للناس تبريراتها لمثل هذا السلوك، فلن أقبل أيا منها. ألا يكفيكم أن رئيس الحكومة، و هو المؤتمن على مستقبلنا، قال لنواب المعارضة أن “كل ما أنجزته الحكومة إيجابي وواعـد” ؟ ألم تلمسوا درجة صدق الرجل و مدى اقتناعه بما يصدر عنه من كلام ؟ إنه رجل ورع ولاشك، ألا تثقون في كلامه؟

ألا يكفيكم أنه قال أن “الحكومة قدّمت الحصيلة معزّزة بأرقام موضوعية ومعطيات رقمية صادرة عن المؤسسات الدستورية للمملكة”؟ أم أنكم تريدون تذكيري أن محسوبين عليه و وزراء من حكومته، هم من سنوا سنة التشكيك في أرقام و مؤسسات الدولة، عندما ظلوا لأشهر ينتقدون نفس تلك “المؤسسات الدستورية للمملكة” على ما كانت تُصدره من “أرقام و معطيات رقمية” لم تكن تسير على هواهم؟

ألم يُقنعكم رئيس الحكومة و هو يقول للنواب “كيف يمكن أن يكون هناكَ ضرب للمكتسبات وقد وقّعنا اتفاقاً تاريخياً مع شركاء اجتماعيين كلفته 14.6 مليارات؟” ؟ أم أنكم هنا أيضا ستضحكون و تقولون أنه يروي مهزلة “الاتفاق التاريخي” للحكومة مع نقاباتها في “سعي غير راشد للسلم الاجتماعي”، يوم 25 أبريل 2019، الذي تمخض عنه منح موظفي الدولة و القطاع الخاص 200 درهم زيادة في الأجور، و وعدهم بمبلغ مماثل بعد سنة، و بمبلغ 100 درهم بعد سنتين؟

ألم يؤثر فيكم كلام رئيس الحكومة من أن “الحكومة قلّصت نسبة البطالة بشهادة المندوبية السامية للتخطيط، ورفعـت ميزانية القطاعات الاجتماعية، كما رفعت مستوى الدعم لعدد من الفئات الاجتماعية، وقـلـصـت الهـدر المدرسي وعدد وفيات الأطفال والأمهات”؟ أم أنكم ستتحججون بأن واقع المدرسة العمومية كارثي بدليل أن أربعة أخماس ما ينتجه من رأسمال بشري، لن يكون بمقدورهم الإندماج في سوق الشغل، و لا حتى متابعة دراسات عليا؛ و أن واقع المستشفيات العمومية كارثي بشهادة الجميع؛ وأن إضرابات الأطباء و الممرضين تكاد لا تتوقف؛ و أن أطفالا رُضعا ماتوا في عدة مناسبات لأسباب لم يتم إقناعنا بأنها موضوعية و لم تتم معاقبة أحد بهذا الشأن؛ و أنه تم تسجيل حالات نساء حوامل ذهبن إلى مراكز صحية، فلم يجدن من يتكفل بهن و ولدن على الرصيف؛ و أن مستوصفات عديدة لم يدخلها طبيب و لا ممرض في عدة مناطق هامشية منذ أشهر؛ وأن تدبير ملف صناعة الأدوية غارق في الشبهات؛ وأن مواعيد الفحوصات بالأشعة تبرمج لأشهر و أحيانا لأكثر من سنة ؟

لا… لا… حتى و لو قلتم ذلك، أنا أفضل رواية رئيس الحكومة. هو مسؤول، و أرقامه لا يمكن إلا أن تكون صحيحة رغم كل ما تدلون أنتم به من حقائق. أم أنكم تريدون مني أن أظن أن معلوماته غير دقيقة، أو أنها مجتزأة عن الواقع، أو أن من يُعد له تقاريره و خطاباته يكذب عليه و علينا؟

ألم تسمعوا رئيس الحكومة و هو يقول لنواب المعارضة أن “الحكومة استطاعت أن تُقلـص الفساد، وأن تكون سببا في تحسين ترتيب المغرب من بين الدول في مؤشّر إدراك الفساد، وهي مؤشرات دولية لا تحابي المغرب وحكومته”؟ أم ستعودون مرة أخرى للحديث عن واقع الرشوة في عدة قطاعات، واستمرار الريع و استغلال للنفوذ، و ما تكتبه الصحافة الوطنية من تقارير عن فساد في تدبير صفقـات عمومية؛ و ما يصـدر من تقاريـر عن فضائح سجلها مفتشو وزارة الداخلية، و قضاة المجلس الأعلى للحسابات، و مفتشو المالية العمومية، ينتظر المواطنون بشأنها تفعيل المتابعات القضائية؟ لا… لا… لن آخذ بكلامكم و حُججكم. رئيس الحكومة لا يمكن أن يكذب.

ربما كنتم تريدون من رئيس الحكومة أن يقول أمام نواب المعارضة أن فريقه عاجز عن تدبير ملف ما يزيد عن 2.5 مليون شاب، سنهم بين 15 و 25 سنة، لم يسبق أن درسوا، و لا يدرسون حاليا، و لا دخل لهم لأنهم لا يعملون، و أن حكومته لا تعرف عن هؤلاء شيئا؟ أو كنتم تريدونه أن يقول أن 3.5 شخص معاق يعيشون بيننا، ليس لهم من الحكومة إلا الدعاء الصالح و النوايا الحسنة، و بعض الكراسي المتحركة و المتهالكة التي تُوزع بين الحين و الآخر، هنا و هناك، وأن قرابة 1,5 مليون شخص منهم لا يتوفرون على أي مستوى دراسي؟

أو لعلكم انتظرتم من رئيس الحكومة تفسيرات بشأن عجز حكومته عن مواكبة وإنقاذ مئات الشركات الصغرى و المتوسطة التي تغلق أبوابها كل حين، و توضيحات عن سبب تراجع جاذبية بلادنا للاستثمارات الخارجية المباشرة، وتبريرات بشأن العجز عن إخراج التصور الجديد لتدبير منظومة الحماية الاجتماعية و محاربة التهميش، و عن استفحال ظاهرة التسول في كل المدن، و عن تنامي شبكات الاتجار بالبشر، و عن تزايد الأطفال المهملين و الأطفال الذين يعيشون في الشارع، و عن ظاهرة الانتحار في عدة مدن، و عن استمرار الهجرة السرية كتلك التي ذهبت بأرواح ستة أشخاص في سواحل سيدي إفني يوم الخميس، و استعداد الألاف للهجرة لو فتح السليل لذلك، و عن تأخر الحكومة وأغلبيتها في إخراج القوانين الإطار من البرلمان، و عن تأخر إصدار القانون الجديد المنظم للمراكز الجهوية للاستثمار، و عن البطء الشديد في تنزيل مقتضيات ميثاق اللاتمركز الإداري …إلخ.

إنكم تضيعون وقتكم يا سادة. لن يُقـدَمَ لكم أي جواب عن أسئلتكم، و لن تُمنح للمعارضة اعترافات من رئيس الحكومة تُبين أنها على حق عندما تنتقد و تنتفض. لا… لن يسقط رئيس الحكومة في فخ مُجارات انتقادات المواطنين و مُمثليهم.  الرجل أذكى من معارضتكم، بدليل ما ترونه من تحوله إلى مُنتقد وفي لخطاب “السوداوية والتّبْخيس والتيئيس والتّشكيك”، عملا بالمثل المغربي المعروف “ضربني و بكى، و سبقني و شكى”.

لذلك من الأفضل أن تتحرروا مما علق في ذاكرتكم من رواسب أيام كان “رئيس الحكومة و عشيرته السياسية” في المعارضة يحاربون الفـرح و كل مصادره، و ينتقدون كل السياسات و المبادرات و يشككون في مدى “التزامها”، ويبشرون الناس بأن “معهم الحل، و أن الحل هم”.

أخرجوا من مخيلتكم صور تلك “الملاحم”. فالزمن غير الزمن، والواقع غير الواقع، و ليس من هو في رغد امتيازات تدبير الشأن العام الوطني من موقع الحكومة، كمن هو خارجها. رئيس الحكومة سيتهم المعارضة، و سيبتسم. و لها هي أن تستمر في “سوداوية خطابها”.

كونوا موضوعيين يا مواطني بلدي، و اعترفوا أن رئيس حكومتنا استطاع بقدراته النفسية، و مهاراته التواصلية المُستجدة، أن يتجاوز “عُقـد الماضي القريب و البعيد”، و يُصبح الآن هو أحد أكبر دعــاة الفـرح، و أشـد المطالبين بالحق في الابتسامة. و لا يهم بعد ابتسامته و فرحه و سعادته هو، أن شيئا من كل ذلك لم يعـد يَجدُ طريقه إلى وجوه غالبية الناس، وإلى قلوبهم إلا بشق الأنفس، في وطن لا يكون كمثل حكومته حكومة، حينما ينهمك رئيسها في الدفاع عن السعادة و السرور.

قبل أن أنهي كلامي، هل أقنعتكم بصواب تحليلات رئيس الحكومة؟