لماذا صوّتت ضد القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ؟

الأحد 1 نوفمبر, 2015 13:24 حسن طارق
إحاطة -

في الجلسة العامة لمجلس النواب ،المُخصصة للتشريع ،المنعقدة يوم الثلاثاء 27 أكتوبر الماضي ،إخترتُ أن أصوت ضد القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية رسالة تصويتي المُخالف للإجماع، هي إعمالٌ لبند الضمير . لقد كنت منذ البداية ضد إستقلالية النيابة العامة عن وزارة العدل، دافعت عن هذا داخل لجنة العدل والتشريع، وفي عدد من اللقاءات والندوات والكتابات. ولم يكن من المعقول أن أنضم الى الموافقين على هذا القانون التنظيمي .
لقد أثار هذا القانون الكثير من الجدل في المضمون كما في الشّكل، فإعادة بناء التداول العمومي حوله، توضح كيف أنه كثيراً ما دافع انصار هذه الإستقلالية عن حجة إحترام المشرع لتوصيات الحوار الوطني حول إصلاح العدالة، فيما ذهب بعضهم أبعد من ذلك عندما جعلوا من “ثناء” الملك على عمل هذه اللجنة التي دبرت هذا الحوار، ثم مرور المشروع أمام أنظاره داخل المجلس الوزاري، دليلا حاسما على ضرورة غلق ملف النقاش حول المقتضيات الخلافية لهذا القانون.
لقد تابعنا،هنا ،كيف لايزال ،داخل الفضاء العام ،مع الأسف، مكانٌ “لحجة السلطة”، عوض الاحتكام لحجج العقل والمصلحة .
فالمؤكد أن رئاسة الملك للمجلس الوزاري ، لا تحصن في المطلق مشاريع القوانين التي تمر داخل هذا المجلس ،إذ تبقى الكلمة النهائية رفضا أو موافقة أو تعديلا للبرلمان. كما أنه من باب التعسف الاختباء وراء بلاغ للديوان الملكي يثمن أشغال إستشارة عمومية ، لتحصين مخرجات هذه الاستشارة من أدنى مناقشة !
لأنه ببساطة ، توسيع مساحات الحوار والاستشارة والنقاش العمومي ، لا يعني بالضرورة نفياً لوظيفة البرلمان في التشريع وصناعة القوانين .
كما وقفنا ، بمناسبة مرور هذا القانون التنظيمي أمام البرلمان ، على حُضور هاجس التشريع الفئوي لدى بعض التمثيليات المهنية داخل جسم العدالة ،حيث تُصبح وظيفة البرلمان في خطابات هذه المنظمات مجرد تسويغ و ترسيم مصالح الفئات الأكثر دفاعاً عن أنفسها ، وليس التشريع بإسم إرادة الأمة انطلاقاً من استحضار المصلحة العامة.
الواقع أن فكرة هذه الاستقلالية تعود أساساً الى توصيات الحوار الوطني حول إصلاح العدالة ، فالدستور ومع كل الخطوات المتقدمة التي نص عليها في إطار تدعيم السلطة القضائية المستقلة ، لم يحسم في الجهة التي يتبع اليها قضاة النيابة العامة ، إذ سواء في الفصل 110 منه ، عندما اكتفى بالحديث عن ضرورة التزامهم بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون اليها ، او في الفصل 116 عندما اعتبر ان المجلس الاعلى للسلطة القضائية ،يراعي في القضايا التي تهمهم تقارير التقييم المقدمة من قبل السلطة التي يتبعون لها،فان الدستور الذي ظل يعتبر النيابة العامة تابعةً لسُلطةٍ ما ،لم يوضح تماماً ما المقصود بهذه السلطة ،والتي جاءت في النص الفرنسي بصيغة (L’autorité hiérarchique ) و ليس (Le Pouvoir).
أبعد من ذلك عندما نعود الى الحوار العمومي الذي عرفه المغرب منذ إنطلاق ورش إصلاح القضاء ،ووصولاً الى المذكرات المرفوعة الى لجنة المنوني ،فبقدر ما نجد اتجاهاً غالباً لإخراج وزارة العدل من المجلس الأعلى للسلطة القضائية (من اللافت هنا ان نذكر بموقف الاتحاد الاشتراكي الذي طالب بتضمين هذا المجلس أعضاء يعينهم وزير العدل لمتابعة السياسية القضائية للحكومة )، لا نجد نفس التوجه فيما يتعلق باستقلالية النيابة العامة عن وزارة العدل ، إذ يمكن نظرياً تصور امكانيات قانونية تسمح للوزارة التأثير في المادة التأديبية المتعلقة بقضاة النيابة العامة رغم عدم توفر الوزير على مقعد بالمجلس .
لنلاحظ أن كل إختصاصات وزير العدل في تتبع السياسة الجنائية وقع تفكيكها و إخراجها من دائرة مسؤولياته . أكثر من ذلك فهو -طبقاً للدستور- لا يملك العضوية داخل المجلس الأعلى للسلطة القضائية .
والواقع أن فكرة “إخراج “وزارة العدل من المجلس الاعلى، نفسها تحتاج الى نقاش ،إذ كيف يستقيم الوضع، من جهة مع تنصيص الدستور على صلاحية الحكومة في إقرار السياسات العمومية والسياسات القطاعية (الفصل92)، وضمنها نتصور طبعاً السياسة الجنائية ، او سياسات الدعوى العمومية ، وتنصيصه على مسؤولية الوزراء عن تنفيذ السياسة الحكومية كلٌ في قطاعه (الفصل 93)،ومن جهة أخرى مع تحميل القانون التنظيمي المذكور للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض مسؤولية تنفيذ السياسية الجنائية ،التي يضل الوزير هو من يقوم بإعدادها وفقاً للمادة 51 من المسطرة الجنائية.!
نفكر في هذا الموضوع ونحن نستحضر النقاشات حوله في كل أنحاء العالم ،حيث تضل-غالباً- النيابة العامة إمتداداً للسلطة التنفيذية والمسؤولية السياسية داخل جسم العدالة .
إن مفهوم “دولة القضاة “الذي عاد للتداول بقوة بمناسبة مناقشة هذا القانون ،قد وُجد في سياق تاريخي وسياسي ودستوري مغاير ،لاعلاقة لنا به في المغرب ،لكن المقصود هنا بالمفهوم هو مجرد إستعارة تعبر عن التّخوف من إخراج جزء مهم من صلاحيات الحكومة في صياغة السياسة الجنائية ،من دائرة المسؤولية السياسية للحكومة ،و توسيع دائرة اللامسؤولية ،والابتعاد عن منطق و روح دستور 2011،المثمتل في تعزيز فكرة المسؤولية .
علينا أن نكون واضحين مشكلة القضاء في بلادنا لم تكن يوماً هي تبعية النيابة العامة لوزير العدل .لم يكن بالقطع وزراء العدل هم من فَبرك المحاكمات الصُورية في زمن الرصاص ،ولم يكن وزراء العدل هم من يتحدث على الخط الآخر من هواتف التعليمات التي طالما تحدتث عنها بلاغات الحقوقيين وتقارير الإنصاف والمُصالحة،ولم يكن وزراء العدل هم من يأمر باقتحام المنازل لضبط الخصوم السياسيين للدولة في وضعيات الفساد و”الخيانات الزوجية ” الجاهزة.
هل حان الوقت في بلادنا ،لتحصين قُضاة النيابة العامة من الرقابة الرئاسية والسياسية للحكومة ،وهم الذين يتوفرون على صلاحيات هائلة في تماسٍ مع حريات المواطنين وحياتهم اليومية ؟
ألن يكون هذا التحصين ،مُجرد خُطوة لمزيدٍ من إضعافهم أمام مراكز النفوذ ؟
أسئلةٌ لايمكن القفز عليها بسهولة في مناقشة قانون تنظيمي مُهيكل لمُستقبل القضاء و لهندسة العدالة ،برهانات خطيرة على ممارسة المواطنين لحرياتهم وحقوقهم .
طبعاً هناك أوجه سياسية للنقاش ،لقد تم التعبير في أكثر من مناسبة على التخوف من أن يكون الدفاع عن أطروحة استقلالية النيابة العامة ،مدفوعاً بخلفيات سياسية تجعل البعض يفكر في تقليص الصلاحيات الدستورية للحكومة ،فقط لأننا اليوم أمام حكومة يقودها البيجيدي !.
طبعا هذا الامر لا يعفي حكومة بنكيران من مسؤوليتها في التدبير الكارثي لهذا الملف ،مع هذا القانون التنظيمي وإضافة الى القانون التنظيمي للتعيين في المناصب العليا ، تكون هذه الحكومة قد قادت أكبر عملية انقلاب ضد القراءة الديمقراطية للدستور ،مبتعدة به عن فكرته الرئيسية المتمثلة في الانتقال من لحظة اللامسؤولية المنظمة الى تعزيز منطق المسؤولية السياسية والبرلمانية .
المواطنين ومُمثلوهم داخل البرلمان وفي الأحزاب والجمعيات من سيُحاسبون غداً ،عندما تقع إختلالات في عمل النيابة العامة؟
لنتأمل الحالة السياسية التي يعرفها المغرب منذ 2011، والمتميزة بتصاعد مايعرف بديمقراطية الرأي ، الديمقراطية غير المؤسساتية ،كتوصيف للشحنة التعبوية التي يخلقها تقاطع مواقف مواطنين /أفراد عبر وسائط الاتصال والصحافة ، وإذا علمنا ان المسائلة تكاد تكون عقيدة هذه “الديمقراطية الجديدة”،كما هو الحال في قضيتي “گالفان”و “ملعب الرباط “، فانه من الواضح أن إخراج النيابة العامة من دائرة المسؤولية السياسية للحكومة و من خطاطة ديمقراطية المؤسسات ،لن يُعفيها في المطلق من مُتابعة ورقابة “ديمقراطية الرأي “، وهو ما يجعل من هذا الامر مجرد مغامرة غير محسوبة لتحميل المؤسسة الملكية ، وزر كل الإنحرافات الممكنة للنيابة العامة ، وهو مايعني ببساطة جعل الملك في مواجهة مباشرة مع جمهور المتقاضين من ضحايا إختلالات جهاز القضاء الواقف.