جاك شيراك.. وفاة رئيس محترم

الجمعة 27 سبتمبر, 2019 15:27 يونس التايب
إحاطة -

أعلن يوم الخميس عن وفاة الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك. حدث حزين و لا شك بالنسبة لأسرة الراحل و للشعب الفرنسي، و لكافة أصدقاءه عبر العالم. الرجل لم يكن سياسيا عاديا، بل كان من الرجالات البارزين الذين طبعوا الحياة العامة الفرنسية، لأزيد من خمسين سنة، بشكل سيمنحه، ولا شك، مكانا متقدما في التاريخ السياسي الحديث لفرنسا.

الرئيس شيراك الذي يعتبر الوريث الشرعي لفكر الجنرال شارل ديجول و مدرسته السياسية، ظل قائدا لليمين التقليدي الجمهوري الفرنسي منذ نهاية السبعينات، إلى حين مغادرته منصبه كرئيس للجمهورية الفرنسية بعد ولاية ثانية. و بشهادة خصومه قبل المقربين منه، تميز مسار الراحل بذكاء سياسي كبير، و بقدرات عالية على المناورة و المثابرة، و تسجيل العودة لتحقيق انتصارات حتى بعد أشد الكبوات الانتخابية.

وإذا كانت فترة رئاسة شيراك لبلدية العاصمة باريس، قد منحت الرئيس مكانة كبيرة تخطت الحدود، لما تحمله العاصمة الفرنسية من إشعاع دولي، فقد شهد مسار الرجل، منذ البداية، معارك سياسية كبرى، سعى من خلالها لإثبات الذات و تحقيق الحضور الذي يليق بنضاليته و طموحاته، سواء في عهد الرئيس جورج بومبيدو، أو الرئيس فاليري جيسكار ديستان، و بالأخص مع الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتيران. و يتذكر المتتبعون المناظرات السياسية المنقولة عبر القنوات التلفزية، أثناء الحملات الانتخابية الرئاسية، و ما كان يميزها من تجاذبات و سجالات قوية، و “جمل قاتلة” حسمت، غير ما مرة، الأمور في تحديد اتجاه الرأي العام الفرنسي عشية محطات انتخابية مفصلية متوالية، خصوصا بين شيراك و ميتيران.

و تبقى، كذلك، فترات “التساكن السياسي”، عندما كان ميتيران رئيسا للجمهورية، عن الحزب الاشتراكي، و جاك شيراك رئيسا للحكومة، عن حزب التجمع من أجل الجمهورية اليميني، من الفترات الأكثر إثارة للانتباه، خصوصا ما ميزها من لعبة دقيقة لشد الحبل، و تدبير الاختصاصات و ضبط مجالات التحرك، و كذا حرب تعزيز الحضور في الإعلام و في ساحة الدبلوماسية الدولية، في بلد يعتبر العالم أن تجربته الديمقراطية١ نموذجية.

وخارج فرنسا، سيذكر العالم للرئيس جاك شيراك، دفاعه عن التنمية المستدامة، و خاصة تلك الجملة البليغة التي لا زالت في الأذهان، عندما خطب في قمة عالمية خاصة بالبيئة و قال متأسفا : “بيتنا يحترق، و نحن نوجه أنظارنا إلى جهة أخرى”. كما يتذكر الجميع وقفته القوية و الشجاعة في سنة 2003، عندما رفض الحرب ضد العراق، و قاوم كل محاولات الرئيس جورج دوايت بوش، لإقناعه بأن تنضم باريس للتحالف الدولي ضد الرئيس الراحل صدام حسين. و لعل المرافعة الاستثنائية لوزير الخارجية الفرنسي آنذاك دومينيك دوفيلبان، في مجلس الأمن الدولي، لضحد مضامين صك الاتهام الذي أدلى به كاتب الدولة في الخارجية الأمريكي، الجنرال كولن باول، ستظل من اللحظات المتميزة التي انتصر فيها العقل السياسي للقانون الدولي، ضدا على حسابات المصالح الكبرى، و تكريسا لتصور يبني العلاقات الدولية على أساس التعايش بين الشعوب و الحضارات، أولا. و لم يكن دوفيلبان ليقول ما قاله ذلك اليوم، لولا أن جاك شيراك كان هو الساكن في قصر الإليزيه.

على نفس المستوى، تميز شيراك بمساندته القوية لحقوق الشعب الفلسطيني ببناء دولته على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، حسب القانون الدولي. و لن ينسى ذلك اليوم الذي ألح فيه شيراك، على زيارة المدينة القديمة بالقدس، و احتجاجه العلني على الطاقم الأمني المكلف بالحراسة لمحاولتهم إعاقة تحرك الرئيس الفرنسي وتحية السكان.

و بالنسبة لنا كمغاربة، لن ننسى تلك الصداقة القوية التي كانت تجمع بين الرئيس شيراك و بين جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، و التي استمرت بنفس التوهج على عهد جلالة الملك محمد السادس حفظه الله. لن ننسى كيف حرص الرئيس شيراك، سنة 1999، على أن يكون جلالة الملك الحسن الثاني ضيف الشرف الكبير في احتفالات اليوم الوطني الفرنسي في 14 يوليوز. و لا كيف شاركت قوات النخبة من الحرس الملكي، بنخوة كبيرة و تميز جعل منها جوهرة الاستعراض العسكري بشارع “شان إيليزيه”، أمام أنظار ملك المغرب و الطبقة السياسية الفرنسية و المتتبعين عبر العالم.
لن ننسى للراحل ثأثره الواضح و البالغ الذي خلفته في نفسه، وفاة المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، أياما فقط بعد العيد الوطني الفرنسي. لن ننسى كيف كان حضوره إلى جانب جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، داعما و مساندا لقضايا المملكة المغربية، وأساسا قضية وحدتنا الترابية. و سنتذكر طويلا كيف كان الرئيس الراحل صديقا قويا للشعب المغربي من خلال حضور إنساني سيظل عالقا بالأذهان، خصوصا صوره عندما كان يخالط سكان تارودانت و يجالسهم  كأنه منهم، بتلقائية تنم عن احترام كبير لحضارة المغرب ومحبة لأهله.
لكل ما سبق أقول أن العالم فقد بوفاة الرئيس جاك شيراك، سياسيا حكيما ورجل دولة بامتياز، و إنسانا خلوقا يستحق كامل الاحترام والتقدير. فلعائلته و أصدقاءه و للشعب الفرنسي صادق عبارات التعازي.