تعديل حكومي لم يكن بالإمكان أفضل منه

الأثنين 14 أكتوبر, 2019 10:52 يونس التايب
إحاطة -

بعـد مرور قُرابة سبعيـن يوما من الترقب، وُلـدت الحكـومة المُعـدلة وخرجـت للـوجـود التشكيلة الرسمية للوزراء الذين سيشرفون على تدبير القطاعات الحكومية و تنزيل سياساتها العمومية. مباشرة بعد ذلك، انطلـق المتتبعـون وعـمـوم المـواطنيـن، في التحليل ونقـاش الأسماء، في محاولة للتأكد من أن صيغة الحكومة الجديدة، تُحقـقُ فعلا كامل التطلعات التي خلفها أفق انتظارها الطويل.

ومن خلال ردود الأفعال، تبين أن الغالب هـو الانتقاد الشديد لاستمرار بعض “الوجوه”، و شجب غياب “وجوه” أخرى يرى البعض أنها كانت أحق بالاستوزار، و تسفيه “الكفاءات” المعينة من خلال الإشارة إلى أسماء “كفاءات” أخرى لم تدخل إلى الحكومة، و انتقاد الأحزاب عامة لعدم قدرتها على تقديم الكفاءات التي لا حظ لها في الاستوزار عبر البوابات الحزبية. و من تم انطلق التشكيك، من الآن، في قدرة الحكومة على تحقيق الطفرة المرجوة للنهوض بأوضاع البلد.

تفاعلا مع هذا الأمر، طرحت مع نفسي أسئلة عديدة : هل صحيح لم تأت الصيغة الجديدة للحكومة بأي شيء يستحق أن نُسجله ونُثمنه؟ ألم تأت في التعديل أية كفاءات تُذكـر؟ طيب، أية معايير وضعها البعض لمسألة الكفاءة في هذا المقام، حتى نناقش هل هؤلاء الوزراء الذين أتوا فاقدين لها؟ ألم يتغير فعلا أي شيء في الحكومة بصيغتها الجديدة ؟ ماذا كان الناس ينتظرون بالضبط ؟ و على أساس أية شرعية بنوا انتظاراتهم تلك ؟ أليس المشكل أننا حملنا هذا التعديل أكثر مما يجب، و تناسينا أنه، رغم كل الحماس الممكن، لن يتم إلا ضمن ما نحن مجبرون على التعاطي معه، منذ أكتوبر 2016، من دينامية و توازنات لا تتيح إلا ما هو قائم من وضع سياسي؟ هل فعلا كان هنالك مكان لانتظار حلول خرافية من خارج التوازنات القائمة، خصوصا إذا اعتبرنا الوضع الحزبي الحالي، بما له و ما عليه؟ و هل فعلا كان بالإمكان أفضل مما كان ؟
أعترف أن الإجابة عن الأسئلة أعلاه، تمرين صعب و دقيـق، خصوصا إذا كنا نريد التـزام الموضوعية، دون التطبيل والتهليل الكاذب، ولكن أيضا دون السقوط في فخ التسفيه و الانجرار لمستنقع العدمية. و لا شك أن الموضوع يقتضي منا الابتعاد عن الذاتية، وعن الأحكام المُسبقة في حق هذا أو تلك، و ترك التمثلات النسبية و الأحكام المعيارية. وعلى العكس، أظن أن أسهل شيء يمكن فعله، هو تسفيه هذه الحكومة الجديدة، و وصمُها بكل الصفات و إثقالُها بكل العيوب، و الحُكم عليها من الآن بالفشل و العجـز. و يكفينا لهذا الغرض، أن نعتمد “مقاربة تحليلية” لا تأخذ في الحسبان السياقات التي أتى ضمنها التعديل، و لا تلتـزم بضوابـط منهجية دقيقة، و لا تتجنب الذاتية والمواقف المُسبقة من الفاعلين الحزبيين المعنيين.

بكل صراحة، رغم أنني لا أتردد في انتقاد الحكومة و إبراز ضعف أدائها، وعدم نجاعة بعض سياساتها، كلما يتبن لي ذلك، إلا أنني، هذه المرة، لم أجد مبررا كافيا يجيز كل هذا التفاعل السلبي الذي خلفه التعديل الحكومي، لأنني أعتبر أنه لم يكن بالإمكان أفضل مما كان، لعدة اعتبارات. فمن جهة، هامش المناورة كان ضيقا بالنسبة لجميع الفرقاء، لأسباب سأبينها في هذا المقال، و كذا بالنظر إلى الخلل الكبير الذي تعرفه أحزابنا في علاقة بمسألة الكفاءات، التي لا يمكنها أن تمر إلى المسؤولية العمومية إلا بدعم ملكي،  عبر بوابة “التيقنوقرط”. وأقصى ما كنت ألتمسه هو أن يتجنب رئيس الحكومة السقوط في “ممنوعات سياسية و أخلاقية” في اختيار الأسماء، بينتها في مقال سابق، و تمنيتُ أن نقترب أكثر ما يمكن من الرؤية المُعبر عنها في خطاب العرش، حتى يسهُل الانتقال إلى المرحلة الجديدة الموعودة من تدبير الشأن العام الوطني. و دون الدخول في التفاصيل، أسجل أن النسخة النهائية للحكومة المعدلة، لم تحمل أيا من “الممنوعات” التي نبهت إلى خطورة الوقوع فيها. و أنا متأكد أن الفضل في ذلك هو صرامة الرد الملكي على المقترحات الأولى التي قدمهما رئيس الحكومة، و رفض عاهل البلاد استوزار أسماء كان تواجدها ضمن التشكيلة الجديدة سيخلف موجة غضب كبير، و يحيي النعرات الشعبوية بين فرقاء الأغلبية، و يلهي الحكومة عن الأوراش التي عليها القيام بها، بما لذلك من أثار خطيرة.

أما من أحسوا بالخيبة مما أتى به التعديل، وكانوا ينتظرون أمورا أخرى، فيبدو أنهم تناسوا الواقع السياسي القائم، و ما يترتب عليه بالضرورة. و لهؤلاء أقول أنه لا يمكن تقييم ما جاء في التعديل الحكومي إلا باستحضار تجليات ذلك الواقع، و فهم أثره على قرارات الفاعلين، و على هامش المناورة الفعلي الذي لكل طرف، و عدم نسيان أن جميع الأحزاب تحدوها رغبة، غير مصرح بها، في تحقيق أكبر قدر من المكتسبات، و تقبل أقل قدر من الخسائر و الأضرار الجانبية، استعدادا للمحطة الأهم، ألا وهي الانتخابات التشريعية التي تقترب بسرعة كبيرة.

و من تجليات الواقع التي يجب أخذ أثرها بعين الاعتبار عند محاولة تقييم ما أفرزه التعديل، أذكر هنا :
أولا، أن التعديل الحكومي لم يكن وليد قرار سياسي لرئيس الحكومة، وحزبه و أغلبيته، بعدما تبين لهم أن الأمور لا تسير على أحسن ما يرام. بالعكس تماما، رئيس الحكومة وأحزاب الأغلبية، حتى أيام قليلة قبل خطاب العرش، كانوا يقولون للمغاربة بأن “كل شي مزيان” وأن “الإنجازات الحكومية عظيمة”، وأن “الحكومة تعيش جوا طيبا بين أعضاءها”. وبالتالي، لولا أن جلالة الملك أمر بتعديل حكومي يأتي بكفاءات جديدة، وعيا منه بالمشاكل الكبرى القادمة في الأفـق، من جراء سوء التدبير الذي نبه إليه غير ما مرة في خطبه السامية، و الإيقاع البطيء للعمل الحكومي الذي لا يساير الطموحات الوطنية الكبرى، ما كان السيد رئيس الحكومة ليُقدم على هذه الخطوة، رغم أنه كان محرجا جدا  من بعض أعضاء أغلبيته، و كان بإمكانه طلب التعديل بمبادرة منه، يرفعها إلى جلالة الملك وفق الأعراف المرعية، و ما ينص عليه الدستور، إلا أنه لم يفعل خوفا من انفراط عقد الأغلبية.
ثانيا، أن نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2016، و ما أفرزته من احتلال حزب العدالة والتنمية للرتبة الأولى، واستحقاقه، وفق مقتضيات الدستور، أن تُسند إليه مهمة تشكيل الحكومة، اعتبارا لشرعيته الديمقراطية القائمة حتى موعد الانتخابات التشريعية المقررة سنة 2021، هي ما يؤطر تحرك كل الفاعلين. ومهما بلغ الغضب والنقمة من السياسات العمومية التي أقرها وزراء هذا الحزب، و من الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة التي يسيرها، إذا كان بإمكان المواطنين أن يعبروا عن احتجاجهم ورفضهم لهذه السياسات، إلا أنه لا يُمكن تغيير الحزب الذي يدبر الحكومة و الشأن العام، إلا من خلال عملية انتخابات ديمقراطية، يمكـن للناس فيها أن يختاروا أحزابا أخرى بديلة، إن وُجدت و إن لاقى عرضُها السياسي، وخطاب قياداتها، صدى لدى الناخبين. وذلك موضوع آخر فيه ما فيه من القول الثقيل.

ثالثا، واقع عدم الانسجام الواضح بين أحزاب الأغلبية الحكومية، واستمرار الشنآن والتهجمات القوية بين زعماءها حتى عشية التعديل الحكومي، بما لذلك من أثر على استمرار غياب الثقة، بل واستحالة أن تتوفر لدى هذا الفريق، إرادة موحدة للدفاع عن مشروع متجانس لتدبير البرنامج الحكومي والنهوض بأوضاع تدبير الشأن العام، و تحقيق نتائج كبيرة بالتزام وتضامن. وعليه، كما نقول بالدارجة، “كلشي لاعب مع كلشي، و كلشي حاضي من كلشي” إلى أن يحين موعد “الطلاق”.

رابعا، واقع تردي الأداء العام في عدة قطاعات، و طغيان أخبار الفساد في مجموعة من المؤسسات و الإدارات، كما كشف عن ذلك تقرير المجلس الأعلى للحسابات، وكذا واقع الوضع المالي و الاقتصادي السيء، بحسب التقرير الذي قدمه والي بنك المغرب، واستمرار المؤشرات الاجتماعية في التراجع السلبي، وارتفاع أرقام البطالة، كما جاء في تقارير المندوبية السامية للتخطيط. مما أدخل المجتمع في دوامة سلبية عمقت أزمة الثقة وزادت من مستوى القلق المجتمعي، مع استمرار عجز الحكومة في تشكيلتها السابقة عن اتخاذ ما يلزم من قرارات تحد من خطر تصاعد حركات احتجاجية لا تريدها كل الأطراف، سواء الحكومة أو المعارضة، أو الدولة برمتها.

خامسا، تأكد النفور المتزايد من السياسة و العمل الحزبي، و الخشية من أن تعرف أي انتخابات تُنظم، نسبة عزوف عن المشاركة قد تصل إلى مستويات قياسية، خاصة في صفوف الشباب والطبقة المتوسطة و المثقفة. إضافة إلى تصاعد منسوب انعـدام الثقة في المؤسسات بشكل يمنع تحقيق اللُحمة المجتمعية اللازمة للتعبئة و مواجهة تحديات العجز المسجل في عدة قطاعات،  بشكل يُهدد تحقيق الشروط اللازمة لانطلاق تنزيل نموذج تنموي وطني جديد، المأمول فيه أن يُحرر الطاقات و يتيح تحقيق أهداف التنمية والمساواة. وبالتالي، ظهرت فكرة التعديل، حتى بالنسبة للأحزاب التي لم تكن تفكر فيها أو تخطط لها، كأفضل طريقة لمحاولة تصحيح الأداء الحكومي عبر أسماء و هيكلة حكومية جديدة.

سادسا، الخوف من وضعية “البلوكاج” التي كان حدوثها مجددا، لو تعنت الفاعلون الحزبيون، سيضع كل الأطراف أمام نفس الحالة التي لم ينتبه إليها من وضعوا دستور 2011،  و لا تحسبوا لفرضية احتمال حدوثها. وبالتالي، تفاعلت جميع الأحزاب، و تجاذب قادتها، وناوروا ما استطاعوا و هم واعون أن استمرار حكومة السيد سعد الدين العثماني، بكل ما حملته نسختها الأولى، و ما سيستمر في صيغتها المُعدلة، من “عيوب جينية” تحد من قُـدرتها على أن تنهض بوظائفها، أهون من تجربة “بلوكاج” جديد. ومن تم ليس أمام الأحزاب إلا “التعايش”، بأي شكل من الأشكال، في انتظار إعادة توزيع الأوراق بحسب  نتائج انتخابات 2021.

أمام كل هذا الواقع، لم تكن هنالك خيارات كثيرة: إما ترميم الحكومة ورفع قدرتها على أن تؤدي عملها بشكـل أفضل، من خـلال تعديـل حكـومي كبيـر. و إما الإقرار بفشل حزب العدالة والتنمية و أغلبيته الحزبية في قيادة الحكومة، والتجاوب مع الإحتجاجات القوية و المتنوعة التي عرفها البلد خلال الأشهر الأخيرة، و السير نحو انتخابات سابقة لأوانها، بحثا عن حل سياسي للأزمة الاقتصادية و الاجتماعية الحالية، مع كل ما قد تفرزه أية انتخابات تشريعية من احتمال تكريس نفس الوضع السياسي و بقاء حزب العدالة و التنمية في المرتبة الأولى، خصوصا وأن أهم أحزاب المعارضة يعرف وضعية شبه شلل تنظيمي، وعجز عن تقديم عرض سياسي تنافسي قادر على الحصول على ثقة المواطنين، و احتلال المرتبة الأولى.

ولما لم تجرؤ أحزاب الأغلبية على الخروج من الحكومة لتسهيل حجب الثقة عنها، كما لم تظهر أحزاب المعارضة رغبة في تحقيق نفس الهدف عبر الآليات البرلمانية المتاحة، بدى من المتعذر السير في اتجاه خيار الانتخابات السابقة لأوانها. و بالتالي بقي حل التعديل الحكومي، الذي لم يسع إليه رئيس الحكومة إلا بعد تدخـل قوي من جلالة الملك الذي أمر به، مستندا في خطاب العرش على تشخيص واضح لأوجه العجز في عدة قطاعات، و مقدما خارطة طريق لتحقيق الإصلاح والإقلاع الشامل، والعبور نحو محطة جديدة على الجميع فيها أن يتحملوا مسؤولياتهم السياسية من خلال تفعيل المبدأ الدستوري لربط المسؤولية بالمحاسبة، و الاشتغال على التخفيف من العجز القائم في عدة قطاعات.

اعتبارا لكل ما سبق، اعتبرت أنه لم يكن بالإمكان أفضل مما كان في التعديل الحكومي، الذي حقق أمورا إيجابية تستحق أن تسجل، وإن كانت هنالك تساؤلات عدة ستبقى معلقة حتى تتم الإجابة عنها من طرف أحزاب الحكومة و رئيسها، و من طرف الطبقة السياسية عموما.

أما أولى الإيجابيات، في رأيي، فهي تقليص وزراء الحكومة من 36 إلى 24 وزيرا، وإحداث تغييرات كبيرة في هيكلة مجموعة من القطاعات،  من خلال إلغاء بعض منها، و دمج البعض في قطاعات أخرى. ومن المؤكد أن مثل هذا المجهود سيؤثر بشكل إيجابي على التنسيق العام و على التقائية السياسات القطاعية، إذا ما أبان الوزراء عن قدرات حقيقية لتدبير قطاعاتهم و تحفيز مواردهم البشرية. وهنا من المهم أن نتحدث عن الأسماء التي دخلت لأول مرة، على فرضية ما تتوفر عليه من كفاءات. و من باب الإنصاف القول أن أغلب الأسماء الجديدة إما لها تجربة سياسية و تدبيرية، أو لها تجربة كبيرة في التدبير في مواقع كانت فيها سابقا، مما يترك الباب مفتوحا أمام قدرتها، في مواقعها الوزارية الجديدة على تحقيق أداء جيد. و أذكر هنا قطاع الصحة الذي حل به مدير المستشفى الجامعي بفاس، و هو إطار مستقل يحضى باحترام كبير لدى كل العاملين بالقطاع، و كل المتتبعين والمهتمين. نفس الشيء يمكن أن نقوله عن الوزير المنتدب المكلف بالتعليم العالي، الذي قدم إلى المنصب من رئاسة جامعة الأخوين التي تظل من التجارب الأكاديمية المغربية الأكثر اقترابا من النموذج الجامعي الأنجلوساكسوني المعروف بنجاعته على المستوى الدولي. و من المشروع، أن نتوقع تمكن الوزير الجديد من تقديم إضافة محترمة لقطاع يعاني كثيرا. وجهان آخران لفتا الانتباه إليهما وهما سيدتان اقترحتهما أحزابهما. سيدة عن حزب الحركة الشعبية، و هي رئيسة القطاع النسائي في الحزب، و لها مسار أكاديمي ومهني متميز. و سيدة أخرى نالت مسؤلية قطاعات مهمة باسم حزب التجمع الوطني للأحرار، قادمة من القطاع الخاص، و وراءها تجربة أكاديمية و تدبيرية معتبرة، ومشهود لها بقدرة كبيرة على العمل و تدبير ملفات معقدة. حالة الوزيرة التجمعية لم تمر دون طرح تساؤلات عديدة لدى البعض، خصوصا ارتباطها المهني مع رئيسها السابق وزير التجارة و الصناعة الحالي، و أحد أركان حزب الحمامة. كما طرح تساؤلات حول استحقاقها السياسي لهذا المنصب مقارنة مع نساء تجمعيات أخريات لهن من الكفاءة و النضالية الحزبية الشيء الكثير. لكن، يبقى هذا السؤال، في رأيي، ضمن دائرة الاختصاص الحصري للمنتسبين لحزب التجمع الوطني للأحرار. هم من عليهم مناقشة الاسم من هذه الزاوية. أما الرأي العام، فله طرح السؤال حول كفاءة المعنية بالأمر و هو ما يبدو أنه قائم، و ستثبت الأيام صحته.

وجهان آخران جديدان أثارا الانتباه أيضا، وهما الوزير الشاب الذي سيشغل مهمة وزير الشغل و الإدماج المهني، و الذي سجل رئيس الحكومة، من خلال تعيينه، “ضربة معلم” أصاب عبرها عدة عصافير بحجر واحد، حيث أعطى، من جهة، المثال للأحزاب الأخرى على أن حزب العدالة والتنمية يحترم شبيبته و يعتني بها ويمنح أعضاءها فرصة الترقي السياسي، و من جهة أخرى، أدمج مناضلا “مشاكسا” معروف عنه قربه من الأمين العام السابق للحزب، و بذلك سيضمن أن تصبح الشبيبة “أكثر براجماتية”، و تركز في المفيد. أما الشخصية الأخرى، فهي الوزير القادم من حزب الإتحاد الدستوري، والذي له رصيده العلمي و الأكاديمي، بالإضافة إلى أنه منحت له فرصة إنجاح فكرة جيدة تجلت في تجميع قطاعات الشباب و الرياضة و الثقافة في قطاع واحد. و لو استطاع الوزير الجديد أن يجد التوليفة لمواكبة الشباب و جعله في قلب الدينامية الرياضية و الثقافية، فالأكيد ستتغير أمور كثيرة في واقع التهميش الذي يعيشه ألاف الشباب المغربي، و سيكون من حق حزب الوزير أن يتباهى بالأمر.

أما الفائز الأكبر في هذا التعديل، فهو، بدون شك، السيد رئيس الحكومة الذي دافع عن مصالح حزبه، و أكد الالتزام بمقتضيات الديمقراطية الداخلية لديه، و لم يتردد في تغيير وزراء قياديين لهم وزنهم التنظيمي و السياسي، و شجع قياديا من شبيبة حزبه، و دفع بسيدتين لموقع المسؤولية الوزارية. فعل ذلك بهدوءه المعهود، و المستفز أحيانا، وبدبلوماسية و لياقة كبيرة، و دون الحاجة إلى التصادم مع أي من الفرقاء. و هذا في رأيي أمر جيد للغاية، يلزمنا بالإعتراف أن رئيس الحكومة و حزبه، أكبر الفائزين من هذا التعديل الحكومي، و أنه سيستثمر الأمر و لا شك، من خلال العمل على محو أثر أكثر من سنتين من التدبير السابق، بكل ما كان فيه من سلبيات، و الانطلاق من جديد و كأن هذه الأغلبية الحكومية استلمت المسؤولية العمومية هذا الأسبوع فقط.
فيما ستجد الأحزاب المشاركة في الحكومة، باستثناء حزب التجمع الوطني للأحرار، صعوبة كبرى في جني ثمار سياسية تذكر من تواجد غير وازن في حكومة تلزمهم عضويتها على تقديم الحساب أمام الرأي العام الوطني و تبرير الحصيلة ساعة الانتخابات التشريعية المقبلة. آنذاك إما أنهم سيدافعون بشراسة عن “الحصيلة”، و سيكون ذلك بالضرورة في مصلحة الحزب الذي يسير الحكومة. أو أنهم سينتقدون “الحصيلة” و آنذاك سيضحك الناخبون كثيرا و سينصرفون للتصويت على غيرهم. تلك هي المعادلة التي تحتاج من الجميع أن يعتبروا و يفكروا فيها مليا من الآن.

بصفة عامة، أظن أن علينا أن نتمنى النجاح لهذه الحكومة لأنها الخيار الوحيد الممكن في أفق السنتين المقبلتين، و لأن مشاكل مجتمعية كثيرة تنتظر الحل، و أوراش اقتصادية كبرى يجب أن تنطلق، و لا يمكن أن نلعب باستقرار الوطن، أو أن ندخل في متاهات شعبوية و سياسوية مقيتة. ولكن، علينا أن نستمر في مواكبة عمل الحكومة، و تتبع سياساتها، و تقييم قراراتها و برامجها، لنتأكد من أنها تسير في اتجاه مصلحة المواطنين، أولا، و تحترم القيم و الأساسيات التي حملتها خارطة الطريق التي حددها خطاب العرش الأخير.

كما أن على الأحزاب المعارضة و على المواطنين عامة، أن يستغلوا ما هو قادم من زمن سياسي لتحقيق تصالح حقيقي يعيد الشباب إلى مجال الفعل السياسي، و يضمن عودة قوية للمشهد عبر تجديد للنخب المُسيرة، و ترسيخ للديمقراطية الداخلية في صفوف الأحزاب، و تجديد للبرامج و للعروض السياسية، و تعزيز القدرة على الاستقطاب الجاد لأكبر قدر من الكفاءات، و العمل على إنتاج سياسات بديلة، و الاستعداد الجيد للاستحقاقات المقبلة حتى يتسنى تحقيق تناوب سياسي يأتي ببدائل أخرى ترقى لما ينتظره المواطنون.

أما إذا استمرت الأحزاب المعارضة فيما هي عليه، و إذا ترسخ العزوف عن المشاركة، و إذا استمرت النخبة في نضالها من أجل أولويات لا تتفاعل مع القضايا المجتمعية الحقيقية، و ظلت نخبة شباب الوطن جالسة تنتقد و تقترح أمام شاشات الحواسيب و الهواتف الذكية، فمن الآن أقولها، ليستعد الجميع لتقبل نتائج انتخابات تشريعية في سنة 2021، حيث ستعزز مكانة الحزب الذي يقود الحكومة حاليا، و الذي استطاع امتصاص الضربات و تمرير كل السياسات الاجتماعية والاقتصادية دون أن يتآكل رصيد شعبيته لدى قاعدته الانتخابية، وحافظت قياداته و منتخبوه و فاعلوه الجمعويون على وتيرة مستمرة للنضال في الشوارع و الأزقة، ينسجون علاقات القرب و التواصل اليومي مع المواطنين، و ابتعد أغلبهم بقدر كبير عن الشبهات، بشكل لا يمكن إنكاره.

بل أكثر من ذلك، ليستعد الجميع لتقبل أن يكون حزب العدالة والتنمية في المقدمة، بنتيجة قد تجعله، و لو بأغلبية جد نسبية، في حل من تحالفات هجينة منعته من التحرك بالأريحية التي يتمناها. و قد لا يحتاج أكثر من حليف سياسي أو حليفين لتشكيل حكومته، و تطبيق برنامجه السياسي والمجتمعي كاملا. هذا هو الأفق بكل يقين، إلا أن يصحو المجتمع و تصحو نخبه و قياداته، و نسترجع جميعا كل قيم الجدية و الاستقامة و الغيرة الوطنية، و القدرة على احترام الكفاءات و عدم التضييق عليها، و تجديد المشاريع السياسية على ضوء مستجدات الواقع، و التعالي على مصيبة الجري وراء المنافع الشخصية و المغانم، و الحروب التي تحركها  الطموحات الصغيرة، و الكف عن التجاذبات السياسية المتمحورة حول الأنا…. نعلها الله.