الأحزاب السياسية.. بين داء فُقدان الثقة المُكتسبة وخطر تراجع التعددية السياسية والتنظيمية

الجمعة 1 نوفمبر, 2019 22:04 يونس التايب
إحاطة -

قبل أشهر، بمدينة الدار البيضاء، نظمت فعاليات مدنية مهتمة بالشأن الحزبي وبالمشاركة السياسية في المغرب، نـدوة فكـرية في موضوع تمت صياغته على شكـل سـؤال بالدارجة المغـربية: “واش ممكـن نمـارسـو السياسـة بلا أحـزاب؟”، أي بمعنـى “هـل بإمكاننـا أن نمـارس السيـاسة بـدون أحـزاب ؟.”

مرت أشهر عديدة منذ ذلك الحين، عرفت فيها بلادنا عدة أحداث مرتبطة بالشأن العام الوطني، و بالحياة الحزبية والسياسية على وجه الخصوص، و لا زال سؤال الندوة راهنيا بامتياز. بل، ظني أن طابعه الاستفزازي بالمعنى الإيجابي للكلمة، ازداد حدة و صار لزاما على الجميع أن يُبلور جوابا بشأنه. و لا يمكن فعل ذلك دون استعراض الأشكال المُستجدة في الفعل السياسي ببلادنا، و تقييم أسباب نشأتها، وأساسا ظاهرة الحركات الاجتجاجية التي عبرت عن مطالبها بحقوق اجتماعية و اقتصادية وثقافية، وأطرتها “تنسيقيات” اشتغلت بالاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي، و انتظمت بشكل مستقل عن الأحزاب الوطنية.

كما أن الموضوع يفرض ضرورة تنـاول أدوار الأحزاب و حصيلة أدائها، ومسؤولياتها في تدبير الشأن الوطني، سواء من موقع الأغلبية أو من موقع المعارضة، و استقراء الإمكانيات العملية و الواقعية، لتجـاوز النموذج الكلاسيكي للممارسة السياسية التي تمـر عبر قناة الأحزاب، خصوصا في مسألة التمثيلية الانتخابية.

على أن الجميل في سؤال “هـل بإمكاننـا أن نمـارس السيـاسة بـدون أحـزاب ؟”، هو أنه يتقـاطع مع أسئلة عـريضة يطرحها المواطنون، والشباب على وجه الخصوص، بشأن المؤسسات الحزبية في بلادنا: ماهيتها ؟ وأدوارها ؟ وتجليات وجودها ؟ ومنجزاتها ؟ وحكامة تدبيرها ؟ ومساهماتها الفعلية في تحسين واقع الناس ؟ و الأهم من ذلك، حقيقة وجود “قيمة مُضافة” فعلية للهيئات السياسية تُعـزز بها شرعيتها، وتُساعد على إبطال سؤال الجدوى من وجود الأحزاب، أصلا، إذا كانت لا تؤدي أدوارها ؟

و هنا لا بد أن نُقـر بالحالة الضاغطة التي نحن فيها، من عـدم الرضا عن الفعـل السياسي، و عن الأحزاب وممثليها ومنتخبيها. و الأمر وصل، لدى البعض، إلى سُخط واستهجان مُستمر، و تشكيك مُمنهـج، وتسفيه أوتوماتيكي لعمل كل الهيئات السياسية، وإطلاق اتهامات قبيحة، ليست كلها صحيحة بكل تأكيد، في حق السياسيين والمنتخبين، بداية من ضعف الكفاءة، و فساد الذمة، واستغلال النفوذ، وتضييع المال العام، و تغييب صوت الشعب و تسفيه مطالبه، وإقصاء مُمنهج للنخبة المثقفة في صفوف الأحزاب، وتضييق يمنع ولوج الشباب إلى الساحة السياسية والحزبية… إلخ.

و نظرا لشيوع هذه الحالة الساخطة بين الناس، أصبح السياسيـون أنفسهم مضطرين للاعتراف بأن رصيد الثقة في الأحزاب اقترب من النفـاذ، و أن “داء فقدان الثقة المُكتسبة” سيقضي لا محالة على ما تبقى من مناعة في الجسم الحزبي، إذا لم تتغير معطيات الواقع.
و قد يؤدي ذلك إلى إزالة الشرعية عن أشكال الممارسة السياسية بأدواتها التقليدية، ما دامت لم تعُد تستجيب لانتظارات المواطنين، و لا هي تخلقُ التحفيز المطلوب لتتجدد الساحة السياسية و يرتفع مستوى الأداء التدبيري للشأن العام، و تظهر نُخب بكفاءات عالية، و برامج  وتصورات جديدة وناجعة.

وسيكون من الموضوعية أن نلتمس العذر لمن ينتقـدون أداء الأحـزاب السياسية، و نتفهم امتعاضهم مما يلحظونه من غياب لأغلب تلك الهيئات عن الواقع اليومي، باستثناءات حزبية قليلة جدا، وغياب التواصل و الإنصات الصادق لمشاكل الناس، واكتفاء عدد كبير من ممثلي الأحزاب بالظهور أيام الانتخابات، من خلال دكاكين و مقرات موسمية تُفتح هنا وهناك، بدون تأطير سياسي ميداني بين المحطة الانتخابية و التي تليها.

كما علينا أن نأخذ في الاعتبار أن الصورة العامة التي تشكلت في أذهان الناس، أمام استفحال أزمة البطالة وتوسع الفوارق الاجتماعية وتدني الخدمات الأساسية من تعليم و صحة، هي أن الأحزاب عجزت عن تحقيق التطلعات والوعود التي أطلقتها، و انشغل “الزعماء” و”المناضلون” بمشاكل تنظيمية و حروب مواقع و منافع، وأوقفت مجموعة من الأحزاب ماكينة “إنتاج السياسة و بلورة البدائل و تأطير الشباب، وتكوين الأجيال الصاعدة على مبادئ الديمقراطية و المواطنة و خدمة الوطن”. فيما كان لاستمرار الحكومة و أغلبيتها الحزبية، في اعتماد سياسات عمومية قطاعية لا يتفق الناس على أنها تُحقق الأمال المنشودة في التنمية و المساواة والتشغيل و محاربة التهميش الاجتماعي و تطوير منظومة التربية والتكوين وخدمات الصحة العمومية، أثر كبير في تسفيه العمل السياسي و الحزبي الذي لا يظهر للمواطنين أثره في حياتهم، حتى و إن كان ذلك الاعتقاد خاطئا أحيانا.

ورغم ذلك، مع تسليمنا بأن جزء كبيرا مما ينتقدُه الساخطون على الحياة الحزبية، صحيح و واقعي ويحتاج إلى معالجة، إلا أنني أعتقد أن إصدار حُكم قيمة على كل الأحزاب وإدانتها جملة و تفصيلا، سيظل غير موضوعي إذا لم يأخذ في الاعتبار، رواسب السيـرورة التاريخية الوطنية، و ما عرفته من انعطـافـات حـادة أدت، في فتـرات معينـة، إلى خلخـلة منظـومة القيـم المُتحكمـة فـي “النضال السياسي”، وغيـرت “قـواعـد اللعـبـة” غير ما مرة، وجعـلت حكـامة النسـق السياسي العام تقبـل بما لم يكـن أبـدا ممكنـا القبـول به في الممارسة السياسية في أزمنة سابقـة.

وبالتالي، إن تسفيـه الأداء الحزبي، وتعميم التهـم على جميـع مكـونات المشهد، فيه ظلـم كبير للفاعلين الجادين، و هم موجودون في كل التيارات، كما أن المفسدين موجودون أيضا في كل التيارات. إضافة إلى ذلك، يظل حصر خلل الممارسة السياسية في فاعل واحد هو الأحزاب السياسية، بدون استحضار تفاعل وديناميكية تدافع باقي الفاعليـن المؤثـريـن، أمـرا غيـر دقيـق و غير منصف.

ولعل أول الفاعلين الذين يجوز في حقهم كثير من العتاب و المؤاخذة، هم المواطنون أنفسهم، خصوصا أولائك الذين اختاروا الانزواء عن الدينامية الحزبية، والعزوف عن المشاركة السياسية، و الغياب يوم اختيار المنتخبين بالجماعات والمجالس النيابية، وعدم إغناء النقاش العمومي بأفكارهم و كفاءاتهم ومساهماتهم، وعدم السعي لممارسة الحقوق التي يكفلها الدستور للمواطنين في مراقبة الفاعل العمومي وتتبع السياسات وانتقادها، وعدم الاستفادة من آليات الديمقراطية التشاركية محليا وجهويا، وعدم اللجوء إلى أجهزة الحكامة المختلفة وإلى وسائل الإعلام من أجل فضح الممارسات الفاسدة، و عدم الاستعجال والصبر و عدم القنوط أمام التعب والأذى الذي تُسببه، أحيانا، طريق السياسة و المُواطنة المسؤولة. خصوصا و أن لعبة المصالح، في كثير من الأحيان، تجعل الفساد يصمد بقوة في وجه القيم و شفافية الممارسة التي ينشدها القانون، مما لا حل أمامه سوى الصبر و المثابرة.

وإذا كان صحيحا أن نسبية الممارسات الديمقـراطيـة داخـل التنظيمات الحزبيـة لا تُشجـع على الانخراط الفاعل للمواطنين، و خاصة الشباب، إلا من كان له طول نفـس حقيقي، وروح نضالية عالية، و ذكاء اجتماعي كبيـر، لكن يبقى أن لا شيء يُجيز الغياب و الإنزواء بعيدا عن الفعل الميداني، لأن “سياسة الكرسي الفارغ” كانت وستظل عاجزة عن تحقيق أية إضافة إيجابية، أو تغيير الواقع الحزبي و السياسي والمؤسساتي نحو الأفضل. بل على العكس، سيبقى لعدم المشاركة ورفض الانخراط في الحياة الحزبية أثـر واحد هو تـركُ الساحة الحزبية رهينة مكر المُتاجـريـن بالسياسة وبالقنـاعـات وبالمـواقـف وبمصائر الناس.

كما أن العزوف السياسي يجعل الحياة الحزبية عقيمة ومُعقدة، حيثُ أن النخبة الرشيدة والصادقة، الموجودة في بعض الأحزاب الجادة، تجد نفسها بلا سند وبلا دعم من “النزهاء” و “الكفاءات” الذين آثروا الابتعاد و عدم المشاركة. مما يُجبرُ تلك “النخب” على التعايش مع واقع بئيس يضيق فيه هامش الحركة والفعل السليم، أمام إمكانيات وشعبوية بعض النماذج “الخارقة” التي حلت بالذات الحزبية، عبر مراحل مختلفة، إما لتحتمي بمظلة الأحزاب خوفا من أن تصلها أيدي القانون المُتعقب للفساد، أو لأنها لا تستطع تحقيق نجاح يُذكر خارج “هرج” السياسة.

ولأن تلك “الكائنات ذات الكفاءات الخارقة” قررت أن تستثمر “مهاراتها الخطابية” الجوفاء، ومعرفتها بثنايا “من أين تُأكل الكتـف”، وقدراتها على “تنشيط” الاجتماعات الخاصة و العامة، وتدبير الكولسة والاصطفافات و التجييش و إنتاج المكائـد للخصوم، أصبحت لا تستحيي أن تجاهر باستحقاقها أن تنال مقـام “الـزعـامـة”، بفضل ذلك البُعد الكمي البليد الذي يتيح الغلبة، ديمقراطيا، “للأرقام والأعداد” وليس للقيم والأفكار الجيدة. و بالتالي، لا يبقى أمام النخب الرشيدة في الأحزاب، إلا خياران اثنين :
– إما الاستسلام لإغراءات المنافع و المصالح الساقطة التي تأتي بها “الكائنات الخارقة”؛
– أو الإنضمام إلى جيش عرمرم من المبتعدين عن “أهل السياسة الجُدد”.

لذلك أظن أن من يروجون لعدم المشاركة، و يتجنبون مشاكل التدافع السياسي المؤسساتي المُنظم، ويكتفون بسياسة “الصبع من تحت الجلابة”، والانتقاد على منصات التواصل الاجتماعي، يستحقون أن نقول لهم بأدب: “رجاء لا تستنكروا واقعنا، و لا تلوموا حال أحزابنا ونُخبنا، و لا تشتكوا من تردي القدرة على إنتاج البدائل و بلورة المقترحات السياسية، لأنكم من خلال غيابكم تعيدون إنتاج شروط المُعضلة الحزبية التي نحن فيها غارقون، و تكرسونها من حيث لا تشعرون.”

وبالنظر إلى واقعنا الوطني الذي أصبحت تتسارع فيه عوامل التباعد بين المكونات الفاعلة في المجتمع الواحد، و تزداد حالة انعدام الثقة بين الفاعلين و في المؤسسات، أصبح من الصعب تحقيق الطفرة المُواطنة التي يمكنها أن تخلق الحماس المطلوب لإنجاح الأوراش الوطنية الكبرى.

لذلك، من الأهمية بمكان، و من المستعجل، أن تنهض الأحزاب للدفاع عن رصيد الثقة المُتبقي فيها، من خلال اعتماد مقاربة تتجـاوز المنطـق التبريري لداء “فُـقـدان الثقـة المُكتسبة”، و التحلي بشجاعـة الاعتراف بالتقصيـر الذي حصل، والخروج بالاستنتاجات اللازمة، واتخاذ القرارات التي تترتب على ذلك. و من تلك القرارات:
– حتمية التداول على مناصب المسؤولية الحزبية و التنظيمية،
– وترك المكان لكفاءات وطاقات أخـرى،
– وابتكار أنماط تنظيميـة و تواصلية جديـدة،
– واعتماد منظومة حكامة صارمة تُلـزم القيادات الحزبية بأن تكون دون شبهات، و يكون أداءها التدبيري أنجعُ وأرقى من الصورة البئيسة التي علقت بها في الأذهان.

لم يعُد يخفى أن الوضع غير صحي تماما في بُعده الإستراتيجي، لأن العملية الديمقراطية لا بد أن تفقد معناها و شرعيتها في غياب حضـور حـزبي قوي و متوازن، و ذي مصداقية لدى الناس. و بالتالي، يظل الخطر قائما في أن تميل الأمور إلى شكل من أشكال “انقـراض التعددية السياسية و التنظيمية”، وبروز “الشعبوبة” بشكل أقوى، أو “احتكار المشهـد و المؤسسات” من طرف أي تيـار أو فاعـلي حزبي، يكون أكثر تنظيما وأكثر ضبطا لمناصريه، و يستطيع الخروج بأقل الأضرار من رُكام التسفيه وتشويه الحياة الحزبية، و تحقيق الغلبـة على باقي الفاعلين، من خلال أغلبية نسبية تُعززها المشاركة الانتخابية الضعيفة.

فهل من الأحزاب، أو من المواطنين، من يريد أن تموت تعدديتنا السياسية والتنظيمية، بما تتيحه من توازن مجتمعي وسياسي، و من تعابير عن كل الحساسيات الفكرية التي يزخر بها واقعنا؟ لا أظن ذلك. ولكن، الكثير من الفاعلين الحزبيين و السياسيين، إما عاجزون عن تغيير اتجاه هذه الديناميكية السلبية، أو غافلون عن أننا سائرون إلى ذلك الأفق من غير وعي، أو أنهم مدركون لكل ما سبق إلا أنهم لم يعودوا مهتمين بشء آخر غير الانصراف إلى مصالحهم الخاصة.

ويبقى الأمل، أن واجب الدفاع عن المصالح العليا للوطن و تعزيز الدولة الوطنية، بكل دينامياتها المؤسساتية و الدستورية و القانونية، و هو بدون شك أقدس وأهم من أية عملية ديمقراطية عليلة و مُخلخلة بسبب العزوف المستمر و بسبب أحزاب سياسية لا تؤدي كامل وظائفها، كل ذلك سيجعل من غير الممكن أن يُسمح بالانتظار إلى ما لا نهاية، أن تستيقظ بعض مؤسسات الوساطة السياسية من سُباتها، و تتوقف عن صراعاتها الصغيرة، و أن تتقدم على طريق التصالح مع المواطنين.
كما أن استمرار التدبير السليم للنسق المؤسساتي، و احترام الثوابت الوطنية و الدفاع عن خيار الديمقراطية والتعددية و التداول السلمي على السلطة عبر آلية الانتخابات الديمقراطية الشفافة، سيفرض منع قبول مزيد من هـدر الزمن السياسي و الصبر على تهافت حزبي لا يبدو أنه سينتهي قريبا.

من المهم أن لا نُهون من أثـر واقع الخلل الكبير الذي تشهده الساحة السياسية، والذي تزيد من خطورته بعض السياسات الاجتماعية والاقتصادية النيوليبرالية المعتمدة، و التي يتم عبرها التراجع عن المهام الاجتماعية للدولة كمكتسب تاريخي نعتز به في بلادنا، و ما يسببُه ذلك من احتقان صامت في ظاهره، و من غليان بُركاني في أعماق المجتمع.

ومن المهم، أيضا، أن لا نُعول على “الطبيعة” التي تكره الفراغ و تسعى لملئه بما تيسر لها، لأن ما قد يتيسر لها قد لا يُعجب غالبية الناس، و قـد لا يُحقـق مبتغـاهم في التقـدم و التنمية والحرية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية و المساواة والانفتاح على تحديات العصر، و بناء دولة المؤسسات، و سمو القانون في إطار دولة وطنية تحمي الهوية المغربية الأصيلة.

أما إذا استمر الوضع القائم في الساحة الحزبية الوطنية، فأخشى أن نستفيق على واقع قد يتعايش فيه أمران اثنان:

– أولهما، “تصويت ديمقراطي”، بتوابل العزوف و ضُعف المشاريع السياسية المتنافسة، سيكون من نتائجه تراجع التعددية السياسية والتنظيمية، و تحقيـق غلبة غيـر مسبوقـة لفاعـل حزبي واحـد، ليس لأن قـوتـه “خارقة”، أو لأنه قدم حلولا سحرية لمشاكـل الناس، أو لأنه أبـان عن كفـاءة قـل نظيـرها، ولكن، فقط، لأنه يجتهـد و يعمل أكثر في الميدان مع مناصريه، في قرب مستمر مع فئات واسعة من المواطنين الذين يستهدفهم في إطار ما يتيحه التنافس السياسي، باستعمال وسائط مختلفة تتيح استدامة الروابط المتعددة و استدامة قوة وثوقها. في نفس الوقت الذي ظل فيه باقي الفاعلين الحزبيين المنافسين بعيدين عن الساحة، و لم يتوفقوا لإنتاج السياسة والتواصل بشأنها، و اقتراح ما ينفع الناس، و ظلوا غارقين في تخبط فكري، و في صراع المواقع و تدبير طموحات الذوات، و منطق المصالح الصغيرة والمكتسبات الآنية، متناسين مسؤولياتهم كهيئات وساطة سياسية لها وظائف وعليها واجبات. ومتناسين قبل ذلك أفضال الوطن عليهم، وواجب خدمته و ضمان مستقبل زاهر له، بما يستحقه أبناءه.

– ثانيهما، هـو أن نـرى المجتمع و قد أصبح أرخبيلا من “التصورات الفكرية الفوضوية”، و من “المشاريع التنظيمية غير المهيكلة على أسس منطقية صلبة”، و من “الرؤى السياسية العبثية التي لا أولويات حقيقية فيها”. و قد نرى كل قوم بما لديهم فرحون، يتحركون في العالم الافتراضي أكثر مما يتفاعلون مع واقعهم و مشاكله، و يرسمون طريقهم في ارتباط مع قيم طارئة وصلت إليهم من عوالم أخرى لا تربطهم بها أية علاقة طبيعية ومنطقية، اللهم ما تتيحه تكنولوجيات الاتصال من نشوة الإحساس بالانتماء للعالم، بينما ليس للناس من أثر تفاعلي مع تحديات ومشاريع ذلك العالم إلا القليل. وقد تتعزز ممارسة السياسة في شبكات التواصل الاجتماعي أو في زوايا الشوارع والساحات العمومية،  بمعزل عن أي تأطيـر مؤسساتي حزبي، وأي أفق استراتيجي وطني جامع.

حينها قد تزول الحاجة إلى مجموعة من الهيئات السياسية تلقائيـا، بعد أن يكون قد تأكد أنه من غير المُمكن أن يُعـوَل عليها لرفع منسوب التنافسية السياسية و الـرُقـي بوضع تدبيـر الشـأن العام الوطني. وحينها، لن يُقبـل من أحـد أي حديث عن أن العملية الديمقراطية تمت “قرصنتها” من طرف فاعل سياسي واحد، ولن يستجيب أحد لصرخات “أغيثونا… إن التعددية في خطر”، لأن القضية ستكون قد حُسمت وقُضي الأمر الذي فيه ستستـفـتـون.

فهل سننتظر أن يحُـل هذا الأفـق و يفرض نفسه على كل الفرقاء؟
أم ما يزال شيء من العقـل والحكمة في صفوف سياسيينا و”زعاماتنا”، ليستوعبوا أنه من الحكمة السياسية ومن الأخلاق الوطنية، أن نستثمر مكتسبات بلادنا و ما تراكم لنا من تجارب مؤسساتية و سياسية، لنُحقق إقلاعا شاملا نُصحح به كافة أوجه تدبير الشأن العام الوطني، من خلال تجديد الفعل السياسي الحزبي، و فتح الطريق أمام تطوير المشاريع السياسية و الأشكال التنظيمية، و تغيير أنماط القيادة الحزبية و التواصل، و فتح الباب أمام وجوه جديدة هي أقرب إلى انتظارات المواطنين و قادرة على إقناعهم بالمشاركة، بما هي عليه من كفاءة و نزاهة و نظافة اليد وغيرة على المصالح العامة للوطن والمواطنين؟