إما أن ننتظر المعجزة أو نصنعها…

الثلاثاء 21 يناير, 2020 08:36 علاء الأسواني
إحاطة -

تعرض قريبي إلى أزمة صحية مفاجئة فنقله أولاده إلى المستشفى في القاهرة.. ظل المريض راقدا أكثر من ساعتين حتى بدأوا في اسعافه وقد ارتكب الطبيب المعالج سلسلة من الأخطاء أدت في النهاية إلى موت قريبي رحمه الله. ذهبت لتقديم واجب العزاء وقلت لابنه الأكبر:

– لابد أن تقدم بلاغا للنيابة العامة تتهم فيه الطبيب بالاهمال والتسبب في وفاة المرحوم

رد الشاب قائلا:

ــ لن أتقدم بأي بلاغ.

– لماذا؟

– صحيح أن الطبيب أهمل في علاج أبي لكنه لم يتسبب في موته. ربنا سبحانه وتعالى هو الذي كتب عليه الموت.

دخلت في مناقشة طويلة مع الشاب (الذي يعمل مهندسا). كان رأيي أن الطبيب ارتكب خطأ جسيما بشهادات أساتذة الطب الذين راجعوا ماحدث وبالتالي من حقنا ومن واجبنا أن نحاسب هذا الطبيب المهمل على موت قريبي حتى لايكرر إهماله مع مرضى آخرين، أما الشاب فكان رأيه أن عمر والده قد انتهى في تلك اللحظة، وبالتالي حتى لو لم يهمل الطبيب في علاجه فانه كان سيموت في حادث سيارة أو كان سيموت حتى وهو نائم في فراشه.. ان الموت في نظر هذا الشاب قدر سيحدث لامحالة مهما تكن الأسباب.
هذه الطريقة “القدرية” في التفكير منتشرة بكل أسف في المجتمع المصري والعربي والأمثلة كثيرة. عندما ينهار أحد المباني ويقتل السكان داخله فان قليلا من اللوم يوجه إلى المهندس الذي أساء تنفيذ البناء لأن أهالي الضحايا يؤمنون غالبا أن موت السكان قدر مكتوب عليهم لايمكن تفاديه، وبغض النظر عن انهيار المبنى فانهم كانوا سيموتون بأى سبب آخر لأن أعمارهم انتهت في تلك اللحظة.

القاهرة من أكثر مدن العالم تلوثا فالهواء ملوث بأول أوكسيد الكربون واللحوم التي تقدمها المطاعم كثيرا ما تكون منتهية الصلاحية، والدجاج كثيرا ما يحقنه المربون بالهورمونات لزيادة وزنه، كما أن الخضروات والفواكه كثيرا ما تكون ملوثة بالمبيدات وماء الصرف الصحي. نتيجة هذ التلوث الشامل فان آلاف المصريين يعانون من السرطان والفشل الكلوي، لكنهم غالبا يؤمنون أن مرضهم قدر كتبه الله عليهم بغض النظر عن التلوث.

ان ايماننا بالقدر كثيرا ما يحجب عنا الحقيقة ويمنعنا من اصلاح الأخطاء ويعوقنا عن السعي لتغيير الواقع. لقد دعانا الاسلام إلى إعمال العقل وإلى الثورة ضد الظلم من أجل تحقيق العدل والحرية والمساواة .على أن الاسلام تحول بعد ذلك ــ مثل كل الأديان ــ من دعوة انسانية نبيلة إلى مؤسسة دينية تتحكم في عقائد الناس من أجل حماية مصالح الطبقة الحاكمة.

ان الايمان العميق بالقدر من أسباب تخلفنا لأنه اذا كان كل شيء مقدرا ولا حيلة لنا في تغييره فلماذا نجتهد في هذه الحياة ولماذا نأخذ بالأسباب اذا كانت لا تؤدي بالضرورة إلى النتائج. ان الاستسلام للقدر يؤدي بنا غالبا إلى الاذعان للطغاة والتعايش مع الظلم. فيما يلي بعض العبارات المأثورة التي يعتبرها المصريون حكما عظيمة يرون الحياة من خلالها:

1 – “ندعو الله أن يولي من يصلح”

لاحظ هنا أن الله هو الذى يختار الحاكم وليس الشعب وبالتالي فان الحاكم الذي يوليه الله لايملك أحد أن يعزله الا الله الذي اختاره.

2 – “كما تكونوا يُولَّى عليكم”

لاحظ هنا أن فعل يُولَّى مبنى للمجهول وهذا يعني أن الله هو الذي يختار الحاكم وليس الناس

3 – “نسأل الله أن يولِّي علينا من يتقي الله فينا”

لاحظ هنا تصوير الناس على أنهم مستضعفون كل ما يتمنونه أن يتقى الحاكم الله فيهم وكأنهم أطفال يحتاجون إلى حماية.

4 – “اذا صلح الراعي صلحت الرعية”

لاحظ هنا تشبيه الشعب بقطيع يرعاه الحاكم كما يقود الراعي الماشية

5 – “اذا سألوك عن العدل قل لهم مات عمر”

هنا تتجلى عبادة الماضى بأوضح صورها، فالعدل لاتحققه إرادة الشعب وانما يرتبط بوجود شخص الخليفة عمر بن الخطاب الذي يموت العدل بموته.

مثل هذه المأثورات يرددها الشيوخ في مساجد مصر فيهيئون أذهان ملايين الناس للاذعان التام للسلطة. أضف إلى ذلك أن معظم فقهاء الاسلام يحرمون الخروج على الحاكم المسلم حتى لو كان ظالما، وهم يفرضون على المسلمين طاعة الحاكم المتغلب الذي ارتكب المذابح ليستولي على السلطة. هذا الحاكم السفاح وجبت طاعته عند معظم الفقهاء.

هذا التراث الفقهي الرجعي كان منسيا ومدفونا في الكتب القديمة فلم يمنع المصريين من النضال ضد الاحتلال البريطاني بهدف تحقيق الاستقلال وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، ثم جاءت جماعات الاسلام السياسي فأخرجت هذه الأفكار الرجعية من مرقدها ولفقت التاريخ لكى تثبت – كذبا وزورا – ان الاسلام قدم نموذجا للدولة وفي عام 1952 وقعت مصر في قبضة الحكم العسكري ثم جاءت السبعينيات فانتشر الفكر الوهابي بأموال النفط وانتشرت معه ثقافة الاذعان للطاغية وهذا ما يحدث في مصر الآن.

السيسي حاكم ظالم يمارس قمعا رهيبا على الشعب ويستدين مليارات الدولارات ليبني قصوره الرئاسية ويقيم مشروعات معظمها بدون دراسات جدوى كما تسببت سياساته الاقتصادية في إفقار ملايين المصريين لكنهم بقدر معاناتهم الرهيبة ينتظرون المعجزة. هذه المعجزة نحن الوحيدون القادرون على احداثها. بدلا من أن ننتظر المعجزة يجب أن ندعو الله أن يلهمنا القوة لكي ننتزع حقوقنا بأيدينا. ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

الديمقراطية هي الحل