بعض المغاربة يتصرفون أحيانا بوصفهم حداثيين فوق اللازم

الأثنين 20 أبريل, 2020 01:26 إدريس الكنبوري
إحاطة -

لا أتابع الدكتور الفايد، قد أكون شاهدت له شيئا قبل سنوات عندما بدأ إسمه في الظهور، منذ ذلك الوقت لا أعرف ماذا يفعل وأين وصل. لكن اليوم رأيت أن هناك اهتماما به، بسبب فيديو يقال إنه أوصى فيه بتناول أكل الملكة أو شيء من هذا القبيل، وأنا حقيقة لم أكلف نفسي مشاهدة الفيديو.
لكن لدي ملاحظات لا بد أن أتقاسمها مع القراء والأصدقاء في صفحتي.

بكل صراحة ألاحظ أن هناك بعض المغاربة يتصرفون أحيانا ـ ربما في الظاهر وهذا هو الأرجح ـ بوصفهم حداثيين فوق اللازم، أو على الأقل بوصفهم معارضين لكل شيء تقليدي. ما إن يظهر شيء مثل أقوال الفايد أو غيره إلا وتقوم قيامة البعض تحت دعاوى الخرافة والتقاليد البالية والشعوذة وغير ذلك. وأحيانا لا تستطيع أن تفهم الأمور بشكل واضح: هل نحن فعلا في المغرب، لأننا مغاربة ونعرف واقعنا؟ أم أن هناك من يريد أن يزايد على المغاربة وأن يبدو أكثر تقدما منهم أو متميزا عنهم؟.

ليس منا من لم يعلق في عنقه شيئا في طفولته، ومن لم ير والديه يستعملون بعض الطقوس التقليدية، قد يكون بعضها مباحا، وبعضها حراما، وبعضها مطلوبا كوسيلة للعلاج ولا مشكلة شرعية فيه، ولا أعراض طبية من وراء استعماله.

وكما قلت لست من المهتمين بالفايد تماما، لكنني واحد من المهتمين بثقافتنا، ولذلك فإن كلامي من مدخل ثقافي لا علاجي. فالاستشفاء بالأعشاب قديم قدم التاريخ وما زال حاضرا بقوة وسيزداد مع العقود المقبلة، خصوصا في المجتمعات المتخلفة التي لا تنتج الدواء والتي لا يصلها سوى الدواء الفاسد مثل السلاح الفاسد، ولا تثق في الطب بسبب ظواهر الفساد التي نعرفها جميعا، زد إلى ذلك غلاء العلاج وارتفاع أثمان الأدوية.

والطب له حدود، وهذا نلاحظه في أوساطنا المغربية بشكل واضح وصريح ولا داعي لأن يلعب بعضنا لعبة الحداثي الألماني المفقود في أزقة مراكش. هناك أسر غارقة في الثقافة الليبرالية تقصد الأضرحة عندما تيأس من الطب. هناك أفراد يعيشون حياتهم كلها في الكفر بالسحر والشعوذة وعندما تضعف قواهم أو يضغط عليهم أمر يلجأون إلى أقرب عراف.

وأنا أشهد على واقعة عشتها بنفسي، ووثقتها في صورة ومقال، لا يحضرني في هذه اللحظة لنشره.

قبل أكثر من عشر سنوات عندما كان المسمى مكي الصخيرات في أوج شهرته، ذهبت إليه لمقابلته في إطار مهمة صحافية. التقينا وناقشنا الأمور وكنت أنظر إلى الناس المتحلقين حوله بكثير من الشفقة، بشر من كل الطبقات الاجتماعية ومن كل الفئات، تفرقهم عشرات الأمور لكن يجمع بينهم شيء واحد: الضعف الإنساني.

فجأة قال لي: يأتي عندي أناس مشهورون من جميع أنحاء العالم، ويذهبون وقد برئوا من أمراضهم.

ثم شد بيدي وجرني ليرني شخصا يعتبره من الشخصيات الكبرى، قائلا لي إنه مستشار الرئيس الجزائري. كان هناك رجل مسن يجلس على كرسي متحرك، ومعه زوجته. سلمت عليهما وعرفت أنهما جزائريان. سألت الزوجة عن إسم الرجل، فكانت دهشتي هائلة.

إنه الدكتور عبد القادر جغلول.

ولمن لا يعرفه فعبد القادر جغلول من رواد السوسيولوجيا في الجزائر، له عدة مؤلفات باللغة الفرنسية، يساري ماركسي لينيني في مقارباته السوسيولوجية، وهو أيضا كان مؤرخا.

والتقطت للرجل صورة بعد استئذانه، وكتبت عنه مقالا نشر مع الصورة. كان ذلك عام 2009، وفي العام التالي توفي رحمه الله.

إنه الضعف الإنساني الذي لا يعرف لونا إيديولوجيا ويتخطى القناعات.

وقد كشفت كورونا في أوروبا نفسها أن للطب حدودا لا يمكنه أن يتخطاها، حيث لجأ الناس إلى علاجات تقع على هامش الطب الحديث.

واليوم هناك من يعالج بالأبر الصينية مثلا، وقد صار لها صيت عالمي، وفي النهاية الإبر الصينية هي تقليد صيني محلي صار عالميا.

وأنا لست بالطبع مع الخرافة أو الشعوذة لأن هذا خط أحمر في الدين، ولكنني مع العلاجات الطبيعية التي تبثث فائدتها وأكدت التجربة نجاعتها. وأنا لا أريد أن نكون مجتمعا يرفض كل شيء ورثه من أجداده بينما هو يتعثر في إعداد البديل، والحداثة ليست القطيعة التامة مع هذا الإرث من التقاليد بل أن تجعل تلك التقاليد قادرة على أن تكون ذات جدوى في الوقت الراهن وقادرة على أن تكون مفيدة عمليا. هذا إن كانت هناك حداثة عندنا، وهي بالطبع غير موجودة، وهذا مما يسبب لنا القلق، لأنك عندما تخاطب “حداثيا” تعتقده كذلك تكتشف أن بداخله شخصا يطل عليك برأسه من القرون الوسطى.