قصة اليخت… بين الرجم بالغيب وفوضى القيم في زمن كورونا

الأربعاء 19 أغسطس, 2020 09:27 يونس التايب تحديث : 19 أغسطس, 2020 09:59
إحاطة -

فيديو اليخت و ما خلقه من جدل، أكد أن هواية الرجم بالغيب عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا تزال في أوجها، وأنها قد تخفت قليلا لتعود بقوة أكبر، مستهدفة الأفراد والهيئات والمؤسسات والوطن ككل. و في ظل فوضى القيم وسيادة الشعبوية في تحليل كل القضايا، كيفما كانت المناسبة أو الحدث، يتم تركيب أجزاء مصطنعة و أخبار كاذبة لتحقيق تراكم سلبي و تحريضي.

في قصتنا الجديدة، كانت البداية بشخص شاهد فيديو لمجموعة أفراد يرقصون في حفل خاص على ظهر يخت في عرض البحر، و تهيأ له أن رجلا في الفيديو هو “فلان”. وهنا لا تهمنا هوية فلان بالضبط، بقدر ما يهمنا أن نستوعب كيف يمكن أن تتأسس انتفاضة فيسبوكية على أساس كذبة واحدة.

أتى بعد ذلك شخص آخر ليقول : “آه … فلان، أعرفه هو شخصية مهمة تشغل منصبا كبيرا في الدولة!”. ثم أتى ثالث ليقول: “نعم… هو فلان. ذلك الرجل الذي له أجرة شهرية كبيرة…!”. و دخل على الخط أشخاص آخرون ليكتبوا تدوينات تتهجم على فلان و تندد بسلوكه الباذخ في عز أزمة اقتصادية عامة. و هكذا، بدون مساطر أو إجراءات تحقيق أو حق في الدفاع أو سعي للاستماع للمتهم، أو السماح بمعاينة مسرح “الجريمة” و التدقيق في أدلة وقوعها، تنطلق جلسة محاكمة علنية، و يتم مسبقا رفض كل شروط التخفيف المحتملة، لأن ما يهم المحرضين هو أن للمتهم منصبه الكبير، و قد ظهر في حالة فرح و ثراء، و ذلك كاف كي يكون كما قال عنه الناس من سوء و ربما أكثر.

وهكذا، تتدحرج كرة الثلج و تكبر حتى يتجمع في الفضاء الأزرق الألاف، ينددون بالمتهم فلان و ينعتونه بأقبح النعوت. ثم تنطلق مسيرة افتراضية في الفيسبوك والإنستجرام، تشجب و تستنكر، و يخرج الغاضبون من كل حذب و صوب، و ينطلق موسم الضرب تحت الحزام، وكل أسلحة التسفيه فيه مباحة. و شيئا فشيئا يخرج النقاش من دائرة حفل خاص إلى عملية تسوية حسابات تخص الشأن العام، و يتوقف العقل عن الاشتغال أمام لاعقلانية زاحفة تستثمر الضيق المادي و النفسي، و تستغل مشاكل الناس الاجتماعية والاقتصادية. ثم عند تناول الأخبار و تحليلها ينتحر المنطق، و تسود المشهد التواصلي تجليات عنف رمزي كبير و فراغ قيمي دراماتيكي.

و بعد أن يكون الحقد و التهجم على الأشخاص، والخلط المتعمد و الربط بين مواضيع لا رابط بينها، قد انتشر كالنار في الهشيم، تتبين الحقيقة بأن لا أحد أتى بدليل يؤكد أن فلان هو نفسه الشخص الذي في الفيديو. كل ما في القصة أن الهجوم عليه تم على أساس قيل ويقال، و بناء على تشابه متخيل بين الوجوه. و لو أن الناس دققوا في الأمر، لعلموا أن لا علاقة للرجل الذي ظهر في اليخت، بمن اتهموه ظلما.

أما لو علم الناس حقائق الأمور في حياة المتهم، لعرفوا أن الرجل الذي حاسبوا في شخصه كل مصائب الواقع واختلالاته، هو رجل قد تربى في بيت علم و ورع ومقاومة و وطنية، يعرف عنه الناس أخلاقه العالية، وأسلوب حياته البسيط الذي يجعله بعيدا كل البعد عن سياقات احتفالية كتلك التي رأيناها في الفيديو. وهنا، قبل كشف هوية فلان و استرجاع بعض المحطات من مساره، من الواجب التأكيد على أن مضمون الفيديو ليس شأنا عاما كي نخصص له هذا الكم الهائل من الكلام المليء بالخلط و الرجم بالغيب بشكل متعمد. و ليس من الأخلاق، التلصص و سرقة نظرات على جسد راقصة، و في نفس الوقت لعنها لأنها ترقص. كما ليس من ديننا هتك الستر عن عوالم الناس كيف ما كان وضعهم الاجتماعي. و إذا كان ذلك حق كل المواطنين علينا، فهو نفس الحق تستحقه تلك العائلة الميسورة التي اختارت تنظيم حفل خاص على ظهر يخت في عرض البحر. تلك حياتهم الخاصة، و ليس لأحد أن يحشر أنفه فيها. و حبذا لو أنهم انتبهوا إلى من كان يصورهم، و جنبونا كل هذا الهرج و المرج على نطاق واسع.

أما الحديث عن المتهم فلان، فهو حديث ذو شجون. و يمكن بداية أن نذكر اسمه و نتحدث عنه مباشرة في ما بقي من المقال، لعل ذلك التعريف ينبه البعض إلى قدر الرجل فيستحيون و يكفوا ألسنتهم. صاحبنا الذي لم يكن بتاتا على ظهر اليخت، هو السيد مصطفى التراب. والده هو الحاج عبد القادر التراب، المقاوم الصلب الذي قضى سنتين و نصف في سجون الاستعمار في الخمسينات لأنه رفض التواطأ ضد وطنه و ملكه. ومصطفى التراب هو أيضا حفيد شيخ الإسلام سيدي محمد بن العربي العلوي، العالم الفذ و المربي الجليل والمناضل الوطني الوفي لثوابت البلاد، الذي قال عنه المرحوم محمد عابد الجابري: “كان الشيخ محمد بن العربي العلوي نموذجا للعالم السلفي المناضل الشعبي في المغرب، سواء أثناء عقد الحماية أو خلال عهد الاستقلال”.

و يشغل مصطفى التراب، حاليا، منصب الرئيس المدير العام للمكتب الشريف للفوسفاط، و هو بدون تردد واحد من خيرة أطر المغرب كفاءة واستقامة، بل هو من خيرة أطر التدبير الاقتصادي و الصناعي على مستوى العالم. و من يجهل قيمة الرجل المهنية، و مساهمته لخدمة مصالح بلده، عليه أن يعود إلى التاريخ ليعرف أن الرجل هو مهندس بيع الرخصة الثانية للهاتف النقال بالمغرب، عندما كان مديرا عاما للوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، في عملية نموذجية جلبت لخزينة الدولة عائدا ماليا بالعملة الصعبة لم يكن أحد ينتظره.

و لا أظن أن من عاشوا تلك المرحلة من تاريخ بلادنا، يمكن أن ينسوا كيف أسعدت تلك العملية جلالة الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه، و كيف افتخر المواطنون بها، وسعدوا و هم ينصتون إلى خطاب ملكي أطلق ديناميكية وطنية استثنائية لتمويل عدد من التجهيزات الكبرى الاستراتيجية، من خلال صندوق الحسن الثاني للتنمية، الذي شكل بفعل عائدات بيع الرخصة الثانية للهاتف النقال، رافعة تمويلية غير مسبوقة في بلادنا.

و يمكن، أيضا، العودة تسعة عشر سنة إلى الوراء لمعرفة كم كان أجر مصطفى التراب عندما استقر به المقام بواشنطن، عقب إزاحته من منصبه على رأس الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، من طرف “وزير” لن يذكر له التاريخ سوى هذه الخطيئة التي كان ممكنا بفضلها أن يخسر المغرب أحد أبرز كفاءاته و أبناءه البررة. لكن، لأن على رأس هذه الدولة ملك تنضبط الأمور الاستراتيجية بقراراته الحكيمة، و تستقيم بسداد رأيه و غيرته الوطنية مصالح الوطن و الناس، و تسند بحرص من جلالته المسؤوليات الكبرى على أساس الكفاءة والاستقامة و الولاء للوطن، تقرر أن يعود المواطن مصطفى التراب من واشنطن إلى وطنه بعد أن منحه جلالة الملك محمد السادس ثقته السامية، و كلفه بتدبير أكبر تحول صناعي معدني عرفه المغرب الحديث على مستوى المكتب الشريف للفوسفاط. وتلك قصة أخرى عن إحدى أهم النجاحات الاقتصادية المغربية في القرن الواحد و العشرين، يمكن الإطلاع على تفاصيلها من خلال مصادر موثوقة متعددة.

لكل ما سبق، أعتقد أن على نشطاء تيار التسفيه و التهييج الذي تعمد الخلط و الإساءة، أن يتقوا الله في الوطن و في أبناءه و رجالاته المخلصين الذين يقدرون مسؤولياتهم ويشتغلون بكفاءة واستقامة كبيرة. و ليعلموا أن هؤلاء الرجالات و النساء الفضليات، كثيرون و يشتغلون في صمت، في مستويات عليا و متوسطة مختلفة، في عدة وزارات و مؤسسات و إدارات، مركزية و جهوية وإقليمية و محلية، و لم يسمع عن غالبيتهم ما يسوءهم أو يسيء إلى سمعتهم.

كما على المسفهين أن يتقوا الله في المواطنين الذين لا يريدون سماع أخبار الحفلات الخاصة، و لا يزعجهم تنظيمها بقدر ما يزعجهم أننا لا زلنا نبحث عن كيفية إقناع الناس بوضع كمامة تحد من انتشار كورونا، و نبحث عن كيفية تقليص عدد الوفيات التي تجاوزت حاجز الثلاثين فقيدا، و كيفية تنظيم الدخول المدرسي المقبل و حماية أطفالنا من الفيروس، وكيفية تطوير مستوى جامعاتنا ومعاهد البحث العلمي حتى تدخل ترتيب الجودة العالمي لشانغهاي، وكيفية حماية صناعتنا الوطنية و تحريك الاقتصاد والمحافظة على مناصب الشغل، وكيفية الاستمرار في الحياة العامة بحيوية مع ضمان الحد من انتشار عدوى كورونا.

بدون شك، من لا زال يستهويهم العبث رغم الجائحة وتحدياتها، يخلطون عمدا بين ما لا حق لأحد في الحديث عنه لأنه يدخل في نطاق المجال الخاص، و بين ما هو ضمن المجال العام و يمكن تتبعه وانتقاده. هؤلاء هم أنفسهم من كانوا و لا يزالون يسفهون كل شيء على هذه الأرض، ويجيشون الناس ضد وطنهم ومؤسساته و ضد بعضهم البعض، باستعمال توابل سياسوية ومصلحية وطبقية وأخلاقية ودينية.

و قد حان الوقت أن يستوعب العبثيون أن الشعب المغربي، بمواطنيه البسطاء و أطره و نخبه، و بفقراءه و أغنياءه، قد سئم الخطاب العدمي غير النافع. و أن هذا الشعب يتوق لمن يصدقه القول و لا يكذب عليه و يبيعه الوهم، و أنه يتطلع في المرحلة المقبلة، إلى كل صوت نزيه يقترح أشياء إيجابية نضمن بها تركيزا أكبر على استقرار الوطن وأمنه وتنميته وحماية مصالحه الاستراتيجية، و إبداعا لسياسات ناجعة لتدبير أزمة وبائية و اجتماعية و اقتصادية لا يمكن أن نتركها تنال من مكتسبات الوطن و الأمة المغربية.