العلاقات الرضائية بين الدين والفرد والمجتمع

الجمعة 12 فبراير, 2021 12:00 عادل أيت بوعزة تحديث : 12 فبراير, 2021 12:01
إحاطة -

يقصد بالحريات الفردية، تلك الحريات التي تثبت للفرد بوصفه فرداً، و يكون التمتع بها وممارستها بصورة فردية دون إشراك الغير كحرية الإعتقاد والحق في حياة خاصة وحرية الرأي والتنقل وغيرها.

وقد إعترفت المرجعيات الدينية والفلسفية والاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان بالحريات بصنفيها الفردية والجماعية، بإعتبارها لصيقة بالإنسان وترتبط ممارستها بالقيام بالمسؤولية وتخضع لضوابط وحدود ينبغي مراعاتها في التشريع والممارسة، واختلفت الأمم في رسم حدود الحريات وتحديد مجالاتها، بإختلاف القيم المجتمعية المؤطرة لسلوكيات الأفراد داخل المجتمع.

وإذ جعل الله عز وجل الحرية حق أصيل بالإنسان، مصداقاً لقوله تعالى: “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، أي أن الله تعالى لم يحجر على الإنسان في التعبير عن إيمانه، وأمهل جزاؤه الى يوم الدين، فأما الثواب أو العقاب، كما أن الحرية في الإختيار جعلها أساس الإرادة التي يتحقق بها الإيمان.

تبعاً لذلك، فإن الحرية في الإسلام قيمة كبرى، تحتل درجة عليا في المقاصد الدينية، وهي من صميم أصول الدين، وليس من فروعه، بل جوهر عقيدة التوحيد، ولهذا إعتبر فقهاء أن الأصل في الإنسان هو الحرية، كما أن الأصل في الأشياء هو الإباحة، وبذلك إعتبروا أن الحرية ملازمة للحياة، و هكذا أكدت المنظومة المرجعية لحقوق الإنسان أن مبدأ الحرية قيمة عليا كما جاء ذلك في ديباجة الإعلام العالمي لحقوق الانسان وأيضا المادة الأولى منه، وكذلك ما جاء في العهدين الدولين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز واتفاقية حقوق الطفل وغيرها.

غير أن نطاق ممارسة الحرية كان دائما مرتبطاً بالقيود التي تضعها الدول، حفاظاً على تماسكها الإجتماعي، والعيش المشترك، ومبادئها التي نشأت عليها، والقيم التي تعيش عليها، وللتوضيح فإن بعض الدول، الأكثر جنوحاً نحو الحرية، تمنع لبس النساء للحجاب في المؤسسات التعليمية او البوريكيني في المسابح والشواطئ، بدعوى انها ملابس تمييزية، ودخيلة على مجتمعاتهم، بينما بعض الدول الإسلامية تفرض لبس النساء للحجاب، بمستويات مختلفة، في الفضاءات العامة، بغض النظر عن دينمهم وقناعاتهم، ويجر هذا التفاوت في فهم طبيعة الحريات إلى كون المنظومة الكونية لحقوق الإنسان إعترفت بمبدأ الحرية كقيمة إنسانية مشتركة مع الإقرار بالاختلافات القيمية والمرجعية للدول، بل إنها دعت لحمايتها والحفاظ عليها بإعتبارها جزء من حقوق الإنسان، كما جاء مثلاً في المادة 29 من الأعلان العالمي لحقوق الانسان.

وهكذا فإن الكثير من الحريات والحقوق ليست شاملة، وغير مقننة في المواثيق الدولية، بل أن كل هذه المواثيق أشارت إليها مع تقنينها بالقانون، كحرية التنقل، وحرية المعتقد، والحق في تكوين النقابات، وحرية الرأي والتعبير، والحق في التجمع السلمي، وحرية تكوين الجمعيات وغيرها، وتم تبرير هذه القيود بإعتبارها تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن والسلامة العامة أو حماية الصحة العامة أو الاداب العامة أو حماية حقوق الأخرين وحرياتهم.

وأما بالنسبة للمغرب فقد تبنى الدستور المغربي الأخير، في ديباجته، التشبث بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها وأقر بسمو الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، في نطاق احكام الدستور، وقوانين المملكة و”هويتها الرائحة”.

وبالرجوع الى موضوع مطالبة بعض الفاعلين المدنيين والسياسين بإلغاء الفصل 490 من القانون الجنائي، الذي يعاقب على العلاقات الرضائية بين الأفراد، وما تلى ذلك من جدل على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية، والصحف وحتى المؤسسات السياسية والحزبية التي مازالت حبيسة الخوف من أثار الموضوع على اختيار الناخبين، فإن هذا الموضوع يمكن مقاربته في سياق الفضاء العام والفضاء الخاص.

فعلى على مستوى الفضاء الخاص فالله عز وجل نهى عن إساءة الظن بالناس والتجسس عليهم لإثبات معاصيهم في قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا”، سورة الحجرات الآية 12.

كما أن أحاديث عديدة أكدت على التستر وعدم تحريض الناس للفضح والإساءة وفي ذلك ورد قول النبي (ص): ” لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة”، لذلك فإن الأحكام التي تنظم الفضاءات الخاصة (المستورة) تختلف عن تلك التي تنظم الفضاءات العام (غير المستورة)، ذلك ان الفضاء الخاص يبقى شأنا خاصاً بصاحبه يهم علاقته بربه، و بالتالي لا شأن للدولة به، ما لم يتحول إلى ممارسة ضارة بالغير.

وأما الفضاء العام، فبإعتباره فضاء مشترك، والذي تكون فيه الحرية مرتبطة بإحترام حريات وحقوق الأخرين، التي تنظمها القوانين فإن الحرية تصبح مقيدة بالمسؤولية، وتخضع لقوانين المجتمع المتفق عليها، وخاصة في الشارع العام، إذ أنها قد تفضي إلى إستفزاز مشاعر الناس أو إثارة الفتنة، كالمشي عارياً في الشارع أو ممارسة الجنس أمام الناس، وغيرها من الحريات التي لا تشكل مشكل في الفضاء الخاص، وتصبح غير مرغوبة في الفضاء العام، لذلك يتدخل القانون ليبيح ما يسمح به المجتمع و يرفض ما يرفضه المجتمع وبواسطة القانون.

وحيث أن بعض المدافعين على الإبقاء على المادة 490 من القانون الجنائي، يحاولون ربطها بالدين والشريعة، يمكن التأكيد على أن ذلك غير صحيح، وأن الدولة لم تطبق ما نصت عليه الشريعة الإسلامية في إثبات جريمة الزنى، بل عوضت ذلك بمحضر رسمي، يحرره ضابط شرطة في حالة التلبس أو بناء على إعتراف تضمنته أوراق صادرة عن المتهم او اعتراف قضائي، وهو عكس ما تنص عليه الشريعة التي تشترط شهادة أربعة أشخاص على حصول الواقعة امام أعينهم أو بالإقرار بمجلس القضاء بشكل لا لبس فيه ولا شبهة.

وفي كلتا الحالتين أي ممارسة العلاقات الرضائية داخل الفضاء العام أو الخاص فإن المنظومة الشرعية تؤكدان على وجوب التستر وتجرمان الممارسة المستفزة او الإستعراضية للحريات، و بذلك لا يجوز للدولة بأي حال من الأحوال التجسس على أحوال الناس أو تكسير الأبواب او التفتيش القسري فيما وقع أو لم يقع، حيث لنا في سيرة عمر ابن الخطاب عبرة وعظة، حيث ورد أنه في احد الليالي سمع صوت رجل ببيت يتغنى فتسور عليه فقال: يا عدو الله! اظننت ان الله يسترك وانت في معصيته؟ فقال :”وانت يا أمير المؤمنين لا تعجل علي، ان كنت عصيت الله، فقد عصيت الله في ثلاث قال: “ولا تجسسوا”، وقد تجسست، وقال: “وأتوا البيوت من أبوابها”، وقد تسورت علي ودخلت علي بغير إذن وقال: “لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم، حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها”.

كما أنه حتى بالنسبة للفضاء العام لا يجوز بأي حال التدقيق في علاقات الناس الخاصة، وفي حقيقة الارتباطات، ما دام أصحابها لم يأتوا ما يدعو إلى أي مساءلة وفق القانون الذي يحتكم اليه الجميع ويمثل إرادة المجتمع وقيمه المحمية.

وفي الختام، فإن موضوع بمثل هذا، يحتاج إلى نقاش كبير وتحييد الخوف وعدم الإرتكان لصمت القبور، فكم من طفل رمته أمه في الأزبال مخافةً قسوة المجتمع، وتهرب الناس من النقاش والحوار وإيجاد الحلول والإجتهاد.