التربية بين مجتمع المعرفة والهوية الثقافية – مجتمع المعرفة- (3/2)

الجمعة 6 أغسطس, 2021 09:11 الدكتور بوعلي الغزيوي
إحاطة -

التربية بين مجتمع المعرفة والهوية الثقافية (الجزء الثاني)

– مجتمع المعرفة-

يكثر اليوم تداول مفهوم “مجتمع المعرفة” أو المجتمع المعرفي في وسائل الإعلام وأدبيات وتقارير منظمة التنمية البشرية، وهو المفهوم الذي يعرفه بعض المفكرين على أنه يعني: توافر مستويات عليا من البحث والتنمية وتكنولوجيا المعلومة والاتصال.

إن مجتمع المعرفة هو مجتمع الثورة الرقمية بامتياز، التي أسهمت في تعيير العلاقات في المجتمعات المتطورة ورؤيتها للعالمين، حيث أصبحت المعلومة والمعرفة سمة ومقياس لمعنى القوة والتفوق في صياغة أنماط الحياة تشكيل الذوق الفني والقيام وضاعفت من سرعة الفتوحات العلمية والإبداعية والتراكم المعرفي إن المعرفة هي القيمة المضاف الأهم في مجال الثورة التكنولوجية التي تبشر ما بعد الحداثة والتصنيع وإنتاجها هو الرهان، وتسويقها بعد المحرك الأول للتنمية المستدام والحلبة الأهم للتنافس الدولي ومصدر القوة والمناعة للأمم المتفوقة في إنتاجها، ومن ثم فإن امتلاكنا صيتها يؤهل أصحابها لبسط نفوذهم وسيطرتهم السياسية والاجتماعية والثقافية على غيرهم.

ففي مجتمع المعرفة يحظى التعليم والثقافة والاتصال واستخدام الذكاء الاصطناعي وتأهيل الإنيان بمناهج ومحتويات البرامج الراقية لأن يغذوا فعالا ومبدعا في مؤسسات تسهم على زيادة الإنتاج وتفعيل اليات التفكير والتجديد والمردودية.

إن مجتمعاتنا العربية لا تستفيد من الثورة التكنولوجية بحكم التخلف الموروث عن مراحل الاستعمار، وضعف وثيرة النهضة الفكرية والعلمية والثقافية وبقاء نسبة عالية في ظلام الأمية، وضعف حصائل المنظومات التربوية والتعليمية، وقلة الاستثمار العقلاني في البحث وربطه بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية، فمن حق بلادنا من واجبها السعي إلى التنمية المستدامة قوامها المعرفة التي ينبغي أن تتاح للشعوب دون مفاصلة وتفرقة وتوزيعها ولتستفيد من حصائلها كحق الإنسان.

مفهوم شامل لمجتمع المعرفة:

يعتبر مصطلح “مجتمع المعرفة” من المصطلحات الجديدة، التي ظهرت في غضون التحولات العلمية والفكرية والتكنولوجيا والسياسية، التي بدأ يشهدها رتهن الإنسانية انطلاقا من العشرية الأخيرة من القرن المنصرم، كمصطلحات العولمة والسوق الحرة والنظام العالمي الجديد والثورة الرقمية وحوار أو صدام الثقافات وغيرها، وعلى مستوى المفهوم يتخذ هذا المصطلح اتجاهين: أولهما عادي، يطلق على جماعة من الناس تجمع بينهم اهتمامات فكرية أو أدبية أو علمية أو سياسية موحدة، فيتكتلون في مجتمعات صغيرة، يجمعون فيها ما توصلوا إليه من معارف ومعلومات وإنجازات وغير ذلك. أما ثانيا: فهو أوسع وأعمق، حيث يشكل محورا أساسيا لدى العديد من الأطروحات السياسية والدراسات المستقبلية المتغمصة، ومن جهة أخرى، يشهد العالم مرحلة إعادة اعتبار الثقافة من زاوية استراتيجيات المستقبل، خاصة وأن التطورات الجارية تبشر بمستقبل جديد على مستوى الإنجاز المادي والتقدم التكنولوجي، ومراكز البث الالكتروني، وبرامج التنفيذ في مجالات الإدارة والعمل الوظيفي. فلقد

أصبح مصطلح ثورة المعلومات و”مجتمع المعرفة” ومجتمع الحاسوب تاريخية هامة من تاريخ البشرية.

إن “مجتمع المعرفة” هو ذلك المجتمع الذي يحسن استعمال المعرفة في تسيير أموره وفي اتخاذ القرارات السليمة والرشيدة، وكذلك هو ذلك المجتمع الذي ينتج المعلومة لمعرفة خلفيات وأبعاد الأمور بمختلف أنواعها.

وقد أفضت الثورة المعرفية إلى مجتمع المعرفة الذي أصبح يعتمد أساسا على المعارف كثورة أساسية، أي على خبرة الموارد البشرية وكفاءتها ومعارفها ومهارتها كأساس التنمية الإنسانية الشاملة.

إن “مجتمع المعرفة”، بوضعه المعرفة في قلب المعادلات على اختلاف أنواعها “يشكل فرصة تاريخية نادرة ونقلة نوعية فريدة تجعل من المعرفة أساس السلطان والكسب والجاه”، كما أن مجتمع المعرفة “يضع الإنسان كفاعل أساسي إذ هو معين الإبداع الفكري والمعرفي والمادي، كما أنه الغاية المرجوة من التنمية البشرية كعضو فاعل يؤثر ويتأثر ويبدع لنفسه ولغيره” من خلال شبكات التبادل والتخاطب والتفاعل.

وهكذا يتبين أن المعادلة الاقتصادية الجديدة “لا تعتمد على وفرة الموارد الطبيعية ولا على وفرة الموارد المالية، بل على المعرفة والكفاءات والمهارات، أي على العلم والابتكار والتجديد”.

خصائص مجتمع المعرفة:

تتميز مجتمعات المعرفة أن المعرفة تشكل أهم المكونات التي يتضمنها أي عمل أو نشاط وخاصة فيما يتصل بالاقتصاد والمجتمع والثقافة وكافة الأنشطة الأخرى التي أصبحت معتمدة على توافر كم كبير من المعرفة والمعلومات، ويتسم مجتمع المعرفة بكون المعرفة لديه من أهم المنتجات أو المواد الخام، وليست مجتمعات المعرفة أمرا حديثا، فإنه على سبيل المثال كان الصيادون يتقاسمون المعرفة منذ زمن بعيد وبشأن التنبؤ بالطقس وذلك في إطار المجتمعات المحلية التي يعيشون بها، ويتم إضافة المزيد باستمرار إلى هذه المعرفة التي بعد جزءا من رأس مال هذه المجتمعات، الأمر الذي حد حديثا هو أنه:
✓ بفضل التكنولوجيات الحديثة، لم يعد ضروريا التقيد بالتواجد في نفس المكان (الجغرافي).
✓ تسمح التكنولوجيا المتاحة حاليا المزيد من الإمكانيات لتقاسم المعرفة وحفضها واستعادتها.
✓ أصبحت المعرفة من أهم مكونات رأس المال في العصر الحالي، وأصبح تقدم أي مجتمع مرتبطا أساسا بالقدرة على استخدامها.

أهمية مجتمع المعرفة وارتباطه:

ازدياد أهمية مجتمع المعرفة وارتباطه بالمجتمع ككل يتشكل كل مجتمع حسب مجموعة من المفاهيم المشتركة، قد أدت العولمة وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات إلى تكوين مجتمع عالمي يتمتع بعرفة مشركة حول كل الموضوعات والامكانيات، ولقد كانت الموارد المادية العمليات التحويلية الخاصة بها (أي الموارد الاقتصادية هي الأساس الدي قام عليه النمو الاقتصادي، فيما كانت هناك أمور مثل الموسيقى والفن وامتزاج الثقافات (أي الموارد الثقافية) هي العوامل التي دفعت على النمو في المجتمع باسره، ومع وصول المجتمع إلى مرحلة النضج أصبحت هذه العرفة متاحة في الوثائق والقوانين المكتوبة والقوانين غير المكتوبة وأراء الناس ومعتقداتهم والكلمات التي يستخدمونها في كل لغة وما إلى ذلك كما هو الحال من حيث غياب التوزيع العادل للموارد المادية والاقتصادية مما أحدث نوعا من عدم المساواة بداخل المجتمع، فقد أدى عدم توزيع واتاحة وتقاسم المعرفة بشكل متساو إلى اعاقة التنمية، وتدرك مجتمعات المعرفة أهمية وجود المعرفة وبنائها وتقاسمها وتوزيعها بشكل ملائم من أجل تنمية المجتمع.

أبعاد مجتمع المعرفة:

أصبح لمجتمع المعرفة أبعاد مختلفة ومتشابكة يجب استغلالها كما ينبغي حتى لا نبقا نعيش على هامش المجتمع الدولي، ومن أهم هذه الأبعاد:

1) البعد الاقتصادي: إذ تعتبر المعلومة في مجتمع المعرفة هي السلعة أو الخدمة الرئيسية والمصدر الأساسي للقيمة المضافة وخلق فرص العمل وترشيد الاقتصاد وهذا يعني أن المجتمع الذي ينتج المعلومة ويستعملها في مختلف شرايين اقتصاده ونشاطاته المختلفة هو المجتمع الذي يستطيع أن ينافس ويقرض نفسه.

2) البعد التكنولوجي: إذ أن مجتمع المعرفة يعني انتشار وسيادة تكنولوجيا المعلومات وتطبيقها في مختلف مجالات الحياة، في المصنع أو المزرعة والمكتب والمدرسة والبيت…إلخ، وهذا يعني ضرورة الاهتمام بالوسائط الاعلامية والمعلوماتية وتكييفها وتطويعها حسب الظروف الموضوعية لكل مجتمع، سواء فيما يتعلق بالعتاد أو البرمجيات، كما يعني البعد التكنولوجي لثورة المعلومات توفير البنية اللازمة من وسائل اتصال وتكنولوجيا الاتصالات وجعلها في متناول الجميع.

3) البعد الاجتماعي: إذ يعني مجتمع المعرفة سيادة درجة معينة من الثقافة المعلوماتية في المجتمع، وزيادة مستوى الوعي بتكنولوجيا المعلومات، وأهمية المعلومة ودورها في الحياة اليومية للإنسان. والمجتمع هنا مطالب بتوفير الوسائل والمعلومات الضرورية من حيث الكم والكيف ومعدل التجدد وسرعة التطوير للفرد.
إن التغيير سيطال أسس العمل نفسها، ذلك إن العمل في أي حقل يستوقف على إدارة المعلومات والتصرف بها عبر الأدمغة الاصطناعية ووسائل الإعلامية، ولذا شهدنا ولادة فاعل بشري جديد هو الإنسان الرقمي الذي ينتمي إلى عمال المعرفة (ذوي الياقات البيضاء). الذين يردمون الهوة بين العمل الذهني والعمل اليدوي، إذ فاعلية في العمل من غير معرفة قوامها الاختصاص والقدرة على قراءة رموز الشاشات، مما طرح إطارا مفهوميا جديدا هو “العمالة المعرفية”.

4) البعد الثقافي: إذ يعني مجتمع المعرفة إعطاء أهمية معتبرة للمعلومة والمعرفة، والاهتمام بالقدرات الابداعية للأشخاص، وتوفير إمكانية حرية التفكير والإبداع، والعدالة في العلم والمعرفة والخدمات بين الطبقات المختلفة في المجتمع كما يعني نشر الوعي والثقافة في الحياة اليومية للفرد والمؤسسة والمجتمع ككل.

إن مجتمع المعرفة لا يقتصر على الإنتاج المعلومة وتداولها، وإنما يحتاج إلى ثقافة تقيم وتحترم من ينتج هذه المعلومة ويشغلها في المجال الصحيح، مما يتطلب إيجاد محيط ثقافي واجتماعي وسياسي يؤمن بالمعرفة ودورها في الحياة اليومية للمجتمع.
إن أشد ما يقلق البعض في القضايا التي تثيرها مجتمع العرفة هو مالها من اثار على الهوية والخصوصيات الثقافية، وهو قلق له ما يبرره في ضل ما نراه من محاولات قوى الهيمنة الاقتصادية تنميط سلوكيات البشر وثقافتهم في المجتمعات كافة وإخضاعها لنظام قيم وأنماط سلوك سائدة في مجتمعات استهلاكية، إذ يعمل فيض الأفكار والمعلومات والصور والقيم القادمة إلى كثير من المجتمعات إمكانية تفجر أزمة الهوية، التي أصبحت من المسائل الرئيسية التي تواجه التفكير الإنساني على المستوى العالمي، وفي سياق هذه الأزمة تنبعث العصبيات القبلية والطائفية والمذهبية والقومية الضيقة، وتزداد الرغبة في البحث عن الجذور وحماية الخصوصية.

ويبدوا أن هاجس الخصوصية الثقافية هو نفسه هاجس الأصالة والمعاصرة معا، إذ يخطأ من يعتقد أن حماية الذات الثقافية تكمن من عزلها عن العالم الخارجي وحمايتها من مؤثرات الثقافة الكونية، فغني عن التوكيد أن الذات الثقافية المطلب حمايتها من الاغتراب هي ثقافة الإبداع وليس الاستهلاك، ثقافة التغيير الشامل ليس ثقافة الجمود والاحتماء بالسلف الصالح، ثقافة الوحدة القومية بأفقها الإنساني الحضاري لا ثقافة الأجزاء المفككة التي يعتبر كل منها أنه بديل الأمة.

على أن بعض الدراسات تحاول التركيز على تاريخية ونسبية الهوية وعدم الإقرار بثباتها، هما يجعلها مرنة قد تتعايش أو تقتبس من ثقافات أخرى بل قد تساعدها عوامل التقارب وسقوط الحواجز على تفاعل إيجابي وخلاق مع مجتمع المعرفة. لذلك، قد يكون ليس كيف نقاوم ثقافة مجتمع المعرفة ونحمي أنفسنا، ولكن كيف نعيش عالمنا الراهن بواقعية ودون تناقصيات وتأزم وبلا إحساس بعقدة نقص أو خوف. كما أن بعض المقاربات ترى أن هذه الثقافة لا تهدد الهوية بالفناء أو التذويب، بل تعيد تشكيلها أو حتى تطويرها لتتكيف مع الحاضر، فالإنسان يتجه نحو امكانية أن يعيش بهويات متعددة، دون أن يفقد أصالته القومية.

ولا يفارق الوعي بالحقائق، والموصوفة أعلاه، منطق المسألة الذي يضع لوازم ثقافة مجتمع المعرفة موضع البحث، كاشفا عن إمكاناتها واحتمالاتها المتعارضة، لا من المنظور الذي يرى بعدا واحدا من الظاهرة، وإنما من المنظور الذي يلمح التناقص داخل الظاهرة ونفسها ومن ثم يكشف عن إمكانات أن تتقلب بعض الوسائل على غاياتها الأولوية، فتؤدي وظائف مغايرة ومناقضة في حالات دالة. فلا شك في أن ثورة المعلومات وتقدم تقنيات الاتصال الملازمة لمجتمع المعرفة يمكن أن تؤدي إلى نقيض الهيمنة وثم توظيفها بعيدا عن الاستغلال، ومن ثم إدراكها وإخضاعها لشروط مغايرة من علاقات الاعتماد المتبادل للتنوع البشري لخلاق.

5) البعد السياسي: إذ يعني مجتمع المعرفة إشراك الجماهير في اتخاد القرارات بطريقة رشيدة وعقلانية، أي مبنية على استعمال المعلومة، وهذا بطبيعة الحال لا يحدث إلا بتوفير حرية تداول المعلومات، وتوفير مناخ سياسي مبني على الديموقراطية والعدالة والمساواة، وإقحام الجماهير في عملية اتخاد القرار والمشاركة السياسية الفعالة.

ثقافة الشباب: النخبة الحالمة العمال والفلاحين والمرأة….. وبذلك تكون الثقافة السياسية هي مجموع الاتجاهات والمعتقدات والمشاعر التي تعطي نظاما ومنحى للعملية السياسية وتقدم القواعد المستقرة التي تحكم تصرفات الأفراد داخل النظام السياسي وبذلك فهي تنصب على المثل والمعابير السياسية التي يلتزم بها أعضاء المجتمع السياسي والتي تحدد الإطار الذي يحدث التصرف السياسي في نطاقة لإيل إن الثقافة السياسية يثور حول ما يسود المجتمع من قيم ومعتقدات تؤثر في السلوك السياسي لأعضائه حكاما ومحكومين وعلى ذلك يمكن تحديد عناصر معلوم الثقافة السياسية على النحو التالي:

تمثل الثقافة السياسية مجموعة قيم والاتجاهات والسلوكيات والمعارف السياسية لأفراد المجتمع. الثقافة السياسية ثقافة فرعية فهي جزء من الثقافة العامة لمجتمع تؤثر فيه وتتأثر به ولكنها لا تستطيع أن تشد عن ذلك الإطار العام لثقافة المجتمع.
تتميز الثقافة السياسية بأنها متغيرة فهي لا تعرف الثبات والطلق ويتوفر حجم ومدى التغير على عدة عوامل ما بينها:

✵ مدى ومعدل التغير في الأبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ودرجة اهتام النخبة الحاكمة بقضية التغير الثقافي وحجم الاهتمام الذي توليه وتخصصه الدولة لإحداث هذا التغيير في ثقافة المجتمع ومدى رسوخ هذه القيم في نفوس الأفراد.

تختلف الثقافة السياسية بين مجتمع وآخر كما تختلف من فرد لآخر داخل المجتمع هذا الاختلاف تفرضه عوامل معينة: كالأصل ومحلة الاقامة والمهنة والمستوى الاقتصادي والحالة التعليمية.