مقدار الوصية فقها وقانونا

الأربعاء 13 يوليو, 2022 18:56 محمد اسميمو (باحث في الدراسات العقارية) تحديث : 14 يوليو, 2022 11:13
إحاطة -

أجمع الفقهاء على أن تكون الوصية في حدود الثلث وإن لم يجزها الورثة، مستندين في ذلك على أحاديث عدة كالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:” جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء” قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال “لا” قلت :فالشطر قال:”لا” قلت فالثلث قال:”فالثلث، والثلث كثير”. وكذلك ما روي عن أن رجلا من الأنصار أوصى عند موته بعتق ستة أعبد لا مال له غيره فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة.

والمشرع المغربي بدوره سار على نفس الرأي، وهذا ما يستفاد من المادة 277 من مدونة الأسرة والتي تنص على أن الوصية تجب في ثلث مال عاقدها، ونشير هنا إلى أن الثلث الذي يوصى له من الباقي من التركة بعد نفقات تجهيز الميت وتسديد ديونه.

ولعل العبرة في قصر مقدار الموصى به في الثلث هو الحيلولة دون حرمان الورثة من نصيبهم أو جعل حق الموصى له أكبر من حق الورثة.

وقد يحصل أحيانا أن يوصي الموصي بأكثر من الثلث، وفي هذه الحالة اختلفت آراء الفقهاء حول إجازة تلك الوصية أو بطلانها، فميزوا بين أمرين:

الوصية بأكثر من الثلث إذا كان للموصي وارث:
اختلف الفقهاء حول جواز الوصية بأكثر من الثلث إذا كان للموصي وارث على قولين:

* القول الأول: أن الوصية إذا زادت عن الثلث فلا تعتبر جائزة، إلا إذا أجازها الورثة، فإن أجازوها جميعا جازت، وإن ردوها بطلت في القدر الزائد، وإنأجازها البعض نفذت في حصة المجيز وبطلت في حق من لم يجز، وحجتهم على صحة الوصية فيما زاد عن الثلث أن الورثة إذا قبلوا بالزيادة فذلك حقهم فلهم أن يمنحوا الزيادة لمن شاؤوا.

*القول الثاني: وهو ما ذهب إليه الظاهرية فاعتبروا الوصية باطلة سواء أجاز الورثة الزائد عن الثلث أم لا، وسندهم هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن آبي وقاص في قوله:” الثلث والثلث كثير” وبالتالي فكل ما زاد عن الثلث في رأيهم يعد باطلا ولا يجوز بأي طريق من طرق الإجازة، وذلك لرفضه صلى الله عليه وسلم بكل المال وبنصفه.

أما بخصوص المشرع المغربي فقد ذهب مع القول الأول، وهذا ما يلاحظ من خلال استقراء المادة 303 من مدونة الأسرة.

خلاصة القول إن الوصية يجب أن ينحصر مقدارها في الثلث، فإذا زادت عن الثلث فلابد من إجازة باقي الورثة حتى لا يضار أحد بالوصية.

2-_الوصية بأكثر من الثلث إذا لم يكن للموصي وارث:

اختلف الفقهاء حول الوصية بما زاد عن الثلث في حالة لم يكن للموصي وارث فانقسموا إلى اتجاهين:

* الاتجاه الأول: وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة ويرى هذا الاتجاه أن الوصية إذا زادت عن الثلث ولم يكن للموصي ورثة تعتبر جائزة، واشترطوا عدم وجود دين على الموصي، وبناء على هذا فإن الموصي حتى ولو أوصى بجميع ماله، فإن الوصية تعتبر صحيحة ما لم يكن له ورثة ولم يكن عليه دين].

ويرتكز هذا الاتجاه في قوله على أن ما ورد عن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس”، حيث يرى أن المنع من الزيادة في الثلث هو لتعلقه بحقوق الورثة. أما من لا وارث له فتجوز وصيته بجميع ماله.

* الاتجاه الثاني: وهو رأي جمهور الشافعية والمالكية ، ويقولون إن الموصي إذا أوصى بأكثر من الثلث فإن الوصية تكون باطلة وجوازها متوقف على إجازة الورثة والورثة هنا هم بيت مال المسلمين، ودليل هذا الاتجاه هو ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:إن الله أعطاكم عند وفاتكم ثلث أموالكم، زيادة في أعمالكم”.

والراجح في هذه المسألة الجمع بين القولين: فينظر إلى بيت مال المسلمين فإن كان من العدل أن تصرف هذه الأموال للفقراء والمساكين فإن الوصية بما زاد عن الثلث لمن لا وارث له تكون باطلة وتكون الزيادة لبيت مال المسلمين، وأما إن غير ذلك فالوصية صحيحة ويكون للموصى له جميع ما في الوصية.