الاطار العام للتنفيذ العقاري وأنواعه

الأربعاء 7 سبتمبر, 2022 07:33 محمد اسميمو (باحث في الدراسات العقارية)
إحاطة -

يشكل التنفيذ نهاية المراحل الطويلة والمملة للنزاعات أمام القضاء، والتي يحصل فيها الدائن على إستحصال حقه و وضع حد لتعنت وعناد مدينه فيشعر بنشوة الإنتصار وتعود إليه ثقته بمؤسسات الدولة فيأمن على ماله و حريته و شرفه، وفي نفس الوقت يحس فيها المدين بأن عدم وفائه بإلتزاماته و إصراره على هضم حقوق الآخرين أو جحودها لن يمنع السلطة العامة من ضمان هذا الوفاء قهرا عنه، و بأمواله المنقولة أو العقارية على حد سواء بل وبحقوقه أحيانا لأن توفير العدل وتنظيمه و حماية أموال الناس وحقوقهم من صميم مهام ومسؤوليات الدولة.

وإعتبارا لتلك الأهمية البالغة التي تكتسبها إجراءات التنفيذ لابد لنا ونحن نتحدث عن نظرية التنفيذ أن نوضح مفهوم التنفيذ العقاري (المحور الأول)، ومختلف أنواعه (المحور الثاني).

 المحور الأول: مفهوم التنفيذ العقاري.

قبل الحديث عن التنفيذ بالمفهوم المعاصر و بالشكل الذي يتم فيه و القواعد التي يخضع لها و الشكل الذي كان يتم فيه سابقا، يمكن إعتبار بأن الوقائع السائدة التي كانت تفرزها كل مرحلة من مراحل تطور الإنسان ساعدت على ظهور أشكال و قواعد تتسم غالبيتها بالفوضى و التسلط والهيمنة في أخذ الحقوق جبرا، إذا كان بإمكان الدائن أن يقوم بتنفيذ الحكم بنفسه على مدينه لدرجة الإستغلال.

ففي هذا المطلب سنخصصه لتعريف التنفيذ العقاري (الفقرة الأولى) دون إغفال أطراف دعوى التنفيذ (الفقرة الثانية).

 الفقرة الأولى: تعريف التنفيذ العقاري

يعتبر تنفيذ الأحكام العقارية من المواضيع الصعبة سواء من حيث محتواها أو من حيث الإحاطة بها أو تحديد مضمونها، فالحماية القضائية للحقوق لا تكتمل بمجرد صدور الأحكام وإقرار الحماية الموضوعية، بل تظل رهينة بتحقيق شرط ثاني و المتمثل في الحماية التنفيذية و ترجمة منطوق الحكم إلى الواقع، و التنفيذ هو الوسيلة التي يتم بها تسيير الواقع على الشكل الذي يتطلبه القانون و يعتمد فيه أساسا على السلوك الإختياري للفرد فان لم يتحقق تم اللجوء إلى التنفيذ الجبري الذي تقوم به الأجهزة القضائية بمختلف وسائل الإجبار التي تتوفر عليه الدولة. ولا بد لنا ونحن نتحدث عن تنفيذ الأحكام العقارية أن نقوم بالحديث عن معنى التنفيذ لغة و إصطلاحا وقانونا.

لذلك سنتناول في هذه الفقرة النقط التالية:

 أولا: التنفيذ في اللغة
 ثانيا: التنفيذ في الإصطلاح
 ثالثا: التنفيذ في القانون

أولا : التنفيذ في اللغة

التنفيذ في اللغة: “يقال: أنفذ الأمر قضاه. وأنفذ بين الخصوم أي حكم بينهم و أمضى أمرهم فيهم “و نافذت الرجل أي حاكمته.
والنفوذ: القوة و السلطان. ولذا عرفه مجمع اللغة العربية بأنه الإجراء العملي لما قضي به.

ثانيا : التنفيذ في الاصطلاح

التنفيذ في الاصطلاح: ومعنى التنفيذ إصطلاحا هو وسيلة قانونية تمارسها السلطة العامة تحث إشراف القضاء و بأمر منه بناءا على حكم صادر من المحكمة أو بناءا على طلب الدائن الذي يتوفر على سند تنفيذي.

فالتنفيذ الجبري لا يصح إلا بناءا على حكم قابل للتنفيذ أو بناءا على سند تنفيذي، ومادام الدائن لا يتوفر على حكم أو سند قابل للتنفيذ فإنه لا يكون له الحق في إجبار المدين على التنفيذ.

ثالثا : التنفيذ في القانون

التنفيذ في القانون: هو الإعمال الفعلي للجزاء في القاعدة القانونية بالطرق التي نص عليها القانون . فالتنفيذ يكتسي أهمية كبرى على المستوى القانوني و الاجتماعي والاقتصادي فهذه الأهمية القانونية تتمثل في مدى سيادة القانون و سموا مرتبة الأحكام طبقا له لأن سن القوانين و إصدار الأحكام طبقا لها دون تنفيذ لا يخدم المصلحة القانونية، وبه فإن التنفيذ هو الذي يعطي معنى للقانون و الأحكام التي يصدرها القضاء و هو ما يجعل العامة من الناس يكنون للجهاز القضائي و التشريعي تقديرا كبيرا، ويعتبرها محل ثقة لأن قول العكس سيجعل مجتمعنا غير مطمئن رغم وجود القوانين والقضاة ولهذا فالسبيل للحفاظ على سيادة القانون وسموا الأحكام القضائية هو التنفيذ وتحقيق الحقوق على أرض الواقع .

 الفقرة الثانية: أطراف دعوى التنفيذ

تنشأ عن تنفيذ الحكم القضائي حالة قانونية أو مراكز قانونية بين الطرفين أساسيين هما المحكوم له و المحكوم عليه، و ثم السلطة التي خول لها القانون حق القيام بإجراءات التنفيذ الأحكام، و قد يقضي تنفيذ الحكم القضائي تدخل أو إدخال الغير فيه و ذلك يصبح هذا الغير طرفا في التنفيذ.

وتجذر الإشارة إلى أن تناول أطراف علاقة تنفيذ الأحكام القضائية مسألة حاسمة وضرورية لتحديد مساحة المركز القانوني لكل طرف من حيث ضيقه أو إتساعه لقياس دقة كل مركز من حيث الضمانات و المساطر والأولويات و الإجراءات الموضوعية في كل طرف و في نفس الوقت مقارنة هذه المراكز بالمراكز القانونية للسندات التنفيذية الأخرى من غير الأحكام القضائية، لأن هناك إجراءات شكلية كتقديم طلب التنفيذ و إعلان المنفذ ضده قد تكون إجراءات جوهرية بالنسبة لهذه السندات يترتب عليها بطلان إجراءات التنفيذ أو قد تكون كذلك بالنسبة لتنفيذ الحكم القضائي.

لذلك سنتناول في هذه الفقرة النقط الثالية:

 أولا : المحكوم له أو الحاجز
 ثانيا: المنفذ ضده
 ثالثا: السلطة العامة
 رابعا: الغير

أولا :المحكوم له:

هو من يطلب إجراء التنفيذ بإسمه و لمصلحته، و يشترط فيه شروط من بينها، الصفة والأهلية والمصلحة.

ففي ما يخص الصفة: فهي ترتبط بالحق في التنفيذ، و لذلك يجب أن يظهر طالب التنفيذ كذائن في السند التنفيذي، أي بإعتباره صاحب الحق الموضوعي حتى و لو لم يكن كذلك في الواقع ، لأنه طالما شهد السند التنفيذي على أنه صاحب الحق الموضوعي، فهذا ما فيه الكفاية و هذه النتيجة المنطقية لمبدأ أن السند التنفيذي مفترض كافي للتنفيذ.

أما الأهلية فقد إشترط المشرع المغربي كمال الأهلية في التصرف القانوني و في حالة عدم الأهلية فلنائبه من ولي أو وصي أو مقدم شريطة إذن القاضي طبقا للمادة 211 من مدونة الأسرة و مايليه.

أما شرط المصلحة فهو مبدأ عام في كل إدعاء أو طلب و يجب أن تتوافر المصلحة في طالب التنفيذ وفقا للقواعد المقررة في القانون المسطرة المدنية.

فالمحكوم له أو طالب التنفيذ هو الشخص المحكوم لفائدته قانونيا و يطلب إجراء التنفيذ الجبري بإسمه و في مصلحته طبقا لمقتضيات الفصل 429 ق.م.م و يسمى بالدائن سواء كان دائنا عاديا أو دائنا مرتهنا أو دائنا ممتازا لأنه صاحب الحق الذي يتمتع في الأصل بحق طلب التنفيذ و الذي يتضمنه السند القابل للتنفيذ أو بواسطة الشخص الذي يثبت أنه يعمل لحسابه سواء كان هذا النائب قانونيا كما في حالة الوصي أو الولي أو المقدم أو قضائيا كما في حال وكيل التفلسة أو الحارس القضائي أو إتفاقيا كما في الوكالة لإجراء مباشرة التنفيد نيابة عنه.

ويسمى كذلك بالحاجر إذا كان التنفيذ يتم عن طريق الحجز و البيع و يسمى أيضا بالمنفذ له، لأن التنفيذ يتم بناءا على طلبه، و قد يكون هذا الدائن شخصا طبيعيا أو شخصا إعتباريا عاما أو خاصا وطنيا أو أجنبيا.

وإذا تعدد الدائنون في الحكم الواحد و كانت لهم مصالح مختلفة جاز لكل واحد منهم أن يطالب بتنفيذ الحكم و يباشر عون التنفيذ جميع إجراءاته بالنسبة لكل الأطراف و يقسم الناتج بعد إتمام التنفيذ ووضعه بصندوق المحكمة على سائر المستفيدين طبقا للأحكام الصادرة لهم من المحكمة الفصل 434 ق م م.

أما إذا تعدد الدائنون و كان لكل واحد منهم نسخة تنفيذية خاصة به ولم يوجد لدى المحكوم عليه أثناء القيام بالتنفيذ سوى الأصل التجاري الذي قضت المحكمة ببيعه فإنه يباع و يأخذ كل واحد ما نابه إن كان ذلك يكفيهم.

أما إذا لم يكن كذلك فإنه على عون التنفيذ أن يقدم صاحب الامتياز و من في حكمه بعد الصوائر القضائية و الإشهار و الباقي يقسم قسمة غرماء بين سائر الدائنين. كما في الملف التنفيذي بالمحكمة الابتدائية بمكناس عدد 1816 /83 ما لم يكن هنالك تضامن بين الدائنين ثابت بالعقد أو بمقتضى القانون أو لطبيعة المعاملات فإن الفصول 153 و 154و 155 من ق.ل.ع أجازت لكل من الدائنين الحق في قبض الدين بتمامه و لو كان اختلاف الحق أحدهم عن الأخر، كما أن كل ما يقبضه كل من الدائنين المتقاضين سواء على سبيل الوفاء أو الصلح يصبح مشتركا بينه وبين الدائنين الأخرين كل على قدر حصته.

ثانيا: المنفذ ضدّه (المحكوم عليه).

هو الشخص المحكوم ضده و الذي تتخذ في حقه إجراءات التنفيذ لإجباره على تنفيذ إلتزامه و أداء حق المنفذ له.

ويعبر عنه الفقهاء بالطرف السلبي في الدعوى و خصومة التنفيذ و يسمى بالمدين على إعتبار أنه في مقام المدين بالنسبة للعلاقة التنفيذية و يسمى بالمحجوز عليه إذا كان التنفيذ وقع بطريقة الحجز.

و المحكوم عليه يجب أن تتوفر فيه صفة الشخص الملتزم بالأداء وفقا للحكم التنفيذي أو نائبا عنه كالوكيل أو الممثل الشرعي من الولي أو الوصي أو مقدم أو حارس على أمواله أو
وكيل التفلسة أو المصفي القضائي.

والصفة ينبغي توفرها كذلك لصحة إجراءات التنفيذ كما هو الشأن بالنسبة للمحكوم له، فإذا إتخذت إجراءات التنفيذ ضد شخص ليست له هذه الصفة فإنها تكون باطلة لمخالفتها مقتضيات الفصل 1 ق.م.م. مع توفر شروط أخرى الواجب توفرها في ما يتعلق بالمنفذ عليه بحيث يجب أن يكون مدينا شخصيا لدائن بمبلغ مقدر و محقق و قابل للتنفيذ حالا وفق ما نصت عليه مقتضيات الفصل 438 من ق.م.م. لأن هذه القواعد العامة يجب توفرها سواء في السند التنفيذي أو في حجز المنقول أو العقار و إلاّ لما تمكن من نقل ملكية هذا الشيء إلى الدائن، و لما تحققت الغاية من الوفاء إلى الدائن سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا. ولا علنيا سواء كان وطنيا أو أجنبيا و لكن يستثنى من ذلك مثلا أنه يجوز للدائن المرتهن أن ينفذ على غير المدين كالحاجز على العقار المرهون إعمالا لحق التتبع الفصل 1232 من ق.م.م.

وهكذا فالمنفذ ضده أو المحكوم عليه هو الملتزم بأداء الذين للدائن و هو الذي يجري في حقه التنفيذ و القاعدة أنه لا يستطيع أي أحد التملص من تنفيذ إلتزاماته، و عليه فالحجز يمكن أن ينصب على مال كل مدين ما لم يرد نص تشريعي على عكس ذلك. ومن الشروط المتطلبة في المنفذ ضده أو المحكوم عليه حتى يصح الحجز على أمواله يمكن إختزالها في شرطين رئيسين و هما الأهلية و الصفة.

شرط الأهلية:

لما كان المدين محل الحجز على أمواله ملزما بالأداء، فإن المنطق السليم يقضي بضرورة توفر على أهلية الأداء. وذلك على عكس الحاجز الذي لا يجب أن تتوفر فيه سوى أهلية التصرف. و للإشارة فإن المشرع المغربي لم ينص على الحالة التي يفقد فيها المنفذ عليه أهليته، بل تطرق فقط إلى حالة وفاته و ذلك في الفقرة الثانية من الفصل 443 من قانون المسطرة المدنية. الذي يستفاد منه أن وفاة المدين لا توقف إجراءات التنفيذ، أما إذا كانت لم تبتدئ بعد فإنه يمنع مباشرتها قبل إعلان السند التنفيذي للورثة.

أما إذا كانت أهلية المدين منعدمة بسبب صغر سنه أو بسبب مرض سلبه هذه الأهلية كالجنون، و كذلك إذا كان ناقصها لعدم بلوغه سن الرشد أو سفهه، فإن إنعدام أهلية المدين أو نقصها لا يحولان دون التنفيذ ضده، غير أنه يشترط لصحة الإجراءات توجيهها إلى ممثله القانوني كالوالي أو الوصي أو المقدم. وبما أن النائب الشرعي للمدين عديم الأهلية فإن هذه الأخيرة يمكن أن تثير عدة إشكالات و منها الحالة التي يكون فيها النائب الشرعي دائنا لمدينه المحجوزعليه أو العكس، إذ أن إجتماع صفتين في شخص يثير إشكالا تتعلق بكيفية إجراءات التنفيذ، ففي هذه الحالة يلتزم النائب الشرعي بإعتزال النيابة الشرعية بالنسبة لهذا التصرف ومطالبة المحكمة بتعيين من ينوب عن المحجوز، وهو ما يستنتج من مقتضيات الفصل 269 من مدونة الأسرة . أو يباشر الإجراءات في إسم القاضي المكلف بشؤون القاصرين ، كما أن الأصل أنه لكل من المدين و نائبه ذمة مالية مستقلة عن بعضهما البعض فإن ذلك يخول للدائنين الحجز على كل واحد منهما بشكل مستقل، و عليه لا يمكن أن يستفيذ أحدهما من وقف إجراءات تنفيذ الآخر.

شرط الصفة:

المدين المحجوز عليه هو ذلك الشخص الذي إلتزم إتجاه الدائن شخصيا بموجب القانون أو الإتفاق، و بالتالي تتحقق فيه الصفة في مباشرة الإجراءات الحجز على العقارات ما لم يكن هناك عارض يمنع ذلك كخضوعه لمساطر صعوبات المقاولة.

ويشترط في المدين أن يكون مدينا شخصيا لدائن و ملزما للأداء لفائدته و هذا يعني أن المدين هو الطرف المسؤول بصفة شخصية عن أداء الدين و بالتالي فهو أول من تباشر ضده إجراءات التنفيذ الجبري كما يجب أن يكون المدين مالكا للأموال المحجوزة أي أن يرد الحجز على مال مملوك له، أما إذا كان التنفيذ يجري على أموال غير مملوكة له فإنه يكون باطلا و ذلك للأسباب التي يبطل من أجلها بيع ملك الغير.

إن القاعدة في الإلتزامات أنها لا تلتزم إلا لمن كان طرفا فيها ولا تضر الغير ولا تنفعهم إلا في الحالات المذكورة في القانون. وهذا لا يستوجب أن يكون الدين واجب الوفاء على مدين واحد، بل يمكن أن تلتزم مجموعة الدائنين على وجه التضامن بأدائه كاملا و للدائن إجبار أي منه على ذلك عن طريق حجز عقاراته و على نحو ذلك نص الفصل 166 من ق. ل.ع بأنه: ” يثبت التضامن بين المدنين، إذا كان كل منهم ملتزما شخصيا بالدين بتمامه و عند إذن يحق لدائن أن يجبر أيا منه على أداء هذا الدين كله أو بعضه لكن لا يحق له أن يستوفيه إلا مرة واحدة”.

و ذلك فالتضامن بين المدينين يزيد في الضمان العام للدائن، يحث لا يضل قاصرا على أموال مدين واحد و إنما شاملا لعدة مدينين مما يمكنه من الرجوع على أي واحد منهم يختاره من مدينيه المتضامنين.

وإذا كان للمدين التصرف في عقاره المثقل برهن رسمي ضمانا للوفاء بالدين إما عن طريق نقل ملكيته إلى الغير أو بإنشاء حق عيني عليه من الحقوق المتفرعة عنها ، فإن ذلك لا يمنع حجزه حتى بعد خروجه من ذمته إلى ذمة هذا الغير المتصرف إليه الحائز . إذا كان للدائن على العقار حق رهن و هذه الإمكانية خولها المشرع المغربي بمقتضى المادة 199 من مدونة الحقوق العينية التي نصت على أنه : ” للدائن المرتهن رهنا رسميا حق تتبع الملك المرهون في يد أي حائز له لإستيفاء دينه عند حلول أجل الوفاء به “.

وعليه فإن إعمال حق التتبع يفترض إذن أن ملكية العقار المرهون قد إنتقلت من المدين الراهن إلى الغير، لأن ممارسة هذا الحق من طرف الدائن رهين بالتصرف المدين فيه.

ولابد من الإشارة إلى أنه في بعض الأحيان و على الرغم من توفر شرطي الصفة والأهلية في المحجوز عليه أو المنفذ ضده فلا يمكن إيقاع الحجز عليه، كبعض الأشخاص المتوفرين على حصانة تمنع التنفيذ عليهم و هكذا لا يجوز التنفيذ على الدول الأجنبية وممثليها الدبلوماسيين كما لا يجوز التنفيذ ضد هيئة الأمم المتحدة وفروعها ووكلائها لكون هؤلاء يتوفرون على حصانة مستمدة من القانون الدولي.

ثالثا: السلطة العامة

هي السلطة التي خول لها القانون حق القيام بإجراءات تنفيذ الأحكام أو القرارات بحكم القواعد الأساسية في تنظيم المجتمع و التي توجب على كل دائن أن لا يقتضي حقه من مدينه بنفسه محافظة على الأمن و النظام و على شعور المدين أو المحجوز عليه من إهانة الدائن له عندما يعجز عن إقتضاء حقه منه مع أن لهذا الأخير الحق في أن يستعين بالسلطة العامة في إستيفاء حقه جبرا لا إختيارا و ذلك بواسطة جهاز من أجهزة الدولة المختص لهذا الغرض، و هم كتاب الضبط أو أعوان التنفيذ أو مأمور التنفيذ بالمحكمة الإبتدائية الذين خول لهم القانون تنفيذ سائر الأحكام أو القرارات القابلة للتنفيذ في مجموع الثراب الوطني للملكة المغربية خلال ثلاثين سنة من اليوم الذي صدرت فيه و تسقط بالإنصرام هذا الأجل الفصل 428 من ق . م.م . لأن التقادم قد لحقها بحيث لا يبقى للمستفيد حق المطالب بالتنفيذ بعد إنصرام هذا الأجل الذي حدده القانون في الفصل المذكور بل أن هذا ليس قاصرا على الأحكام الفاصلة في الجوهر بل تسري حتى على الأحكام التمهيدية.

كما قرر ذلك المجلس الأعلى “محكمة النقض حاليا ” في أحد قراراته ما يلي:” كما أنه يترتب على التنفيذ قطع التقادم بطريقة التبعية الفصل 381 من ق.ل.ع و يكون ذلك تحت إشراف المباشر لرئيس المحكمة الابتدائية الذي يرجعون إليه في كل ما يتعلق بالتنفيذ من البداية حتى النهاية.

وهو الذي ينظر في الصعوبات التي تثار في شأن التنفيذ، كما أنه هو المتخصص وحده دون غيره بإصدار القرارات و الأوامر المتعلقة بالتنفيذ في كل الملف. و بالفصل في النزاعات الوقتية والإستعجالية والحجوز التحفظية و غيرها، الفصول 149و436 و452 من ق.م.م. والغرض من ذلك هو مراقبة و متابعة أعوان التنفيذ الجبري التي حددها قانون المسطرة المدنية و توجيههم إلى ما يجب إتخاذه بالنسبة لكل ملف مستوفي للشروط القانونية التي تخول لصاحبه حق طلب التنفيذ الجبري المدني لأن المشرع جعل التنفيذ القضائي بيد الجهاز القضائي و قد أناط المشرع المغربي طبقا للفصول 429 و 439 و 440 و 444 و 473 و474 و غيرها من قانون المسطرة المدنية و الفصل الثاني من ظهير 15-07-1974المتعلق بالتنظيم القضائي لكتابة الضبط بالمحكمة الإبتدائية التي أصدرت الحكم القيام بإجراءات التنفيذ بواسطة أعوانها وهي ملزمة بإجراءات التنفيذ بطلب من المحكوم له أو من ينوب عنه، وفي كل قرار أصبح نهائيا أو أعطاه المشرع حق التنفيذ، و ذلك داخل إختصاصه الترابي للمحكمة التي يعمل بها.

إلا أن الفصل 429 من ق.م.م أجاز لمحكمة الإستئناف أن تعهد بتنفيذ قراراتها إلى محكمة أخرى إبتدائية رغم أنها هي المصدرة للحكم و هذا إستثناء أعطاه لها المشرع على عكس المحكمة الإبتدائية، فإن أحكامها لا تنفذها إلا هي و ذلك لضمان حسن سير العدالة وتنظيمها.

كما أجاز الفصل 439 من ق.م.م لكتابة الضبط أن تنيب عنها كتابة الضبط أخرى يقع التنفيذ في دائرتها لتنفيذ حكمها مثل الحجز على العقارات أخرى أو بيعها توجد في دائرة أخرى ، و لهذا فإن السلطة العامة تتجلى لنا في دور أعوان التنفيذ بالنسبة لتنفيذ الأحكام وفي هيئة الأعوان القضائيين.

رابعا: الغير

الأصل أن تنفيذ القرارات و الأحكام المطلوب تنفيذها إنما تسري على من كان طرفا فيها أو ممثلا لأحدهما و له مصلحة شخصية فيها و يعود عليه من حكم نفع أو ضرر، ولكنها قد تتعدى ذلك إلى الغير فيصبح ذلك الغير طرفا فيها رغم أنه لم يكن طرفا في الدعوى التي صدر فيها الحكم المراد تنفيذه، وهو ملتزم بالقيام بعمل أوبأداء مبلغ مالي ولا مصلحة له شخصية في الدعوى و لا يعود عليه من الحكم لا نفع و لا ضرر و إنما يكون من واجبه مع ذلك أن يقوم بالتنفيذ بقدر ما توجبه عليه صفته أو وظيفته أو صلته بالخصوم. كما هو الشأن بالنسبة للحارس و المودع لديه و وكيل الحسابات بالنسبة للودائع و المحافظ على الأملاك العقارية بالنسبة للأحكام الصادرة بالتشطيب و التسجيل بالصك العقاري وضابط الحالة المدنية بالنسبة للأوامر الصادرة في هذه المادة.

والغير من المصطلحات القانونية ذات المعاني المتغيرة فهو في التنفيذ له معنى خاص عن الغير مثلا في باب نسبة العقود أو غير ذلك ، و يجري التنفيذ في مواجهة الغير كما يقول الدكتور فتحي والي ” بنفس الحكم التنفيذي الذي يصلح في مواجة المنفذ عليه و يمكن أن يكون حكما قضائيا أوأمرا أو عقدا رسميا أو غيرها من السندات التنفيذية.

ولقد تعرض الفصل 437 من ق .م.م . لتنفيذ الأحكام على الغير كما جاء في باب حجز ما للمدين لدى الغير الفصل 491 من ق.م.م كما ورد في الفصل 439 من ق.م.م على أن كل وفاء يقوم به الغير المحجوز لديه نحو المدين يكون باطلا طبق ما وردة في الفقرة الأولى أعلاه . ويقضي الفصل 495 من ق .م.م يبرئ المحجوز لديه في حالة وجود مبلغ كافي لتسديد جميع التعرضات المقبولة ذمته المالية بين يدي المتعرضين مبالغة ديونهم.

ولم يحدد المشرع المغربي تعريف لذلك و لا ضرب له أمثلة بعكس قانون المسطرة المدنية الفرنسي الذي ذكر أمثلة في الفصل 550 منها الحراس و حفظة الودائع و السجلات وغيرهم ممن يلتزمون بتحقيق ما ورد في الحكم كما أشارة الفصل 547 منه إلى بعض الأعمال التي يقوم بها الغير لتنفيذ الأحكام ، فذكر منها شطب السجلات أو محو القيود ودفع مبالغ أو شيء أخر.

ونظرا لما ذكرناه من أن الغير ليس طرفا في دعوى التنفيذ فإنه توجد خطورة على مصلحة المنفذ عليه إذا قام الغير بالوفاء لطالب التنفيذ دون مراعاة ما نص عليه الفصل 437 من ق.م.م إذ لا يجوز للغيرأن يؤدي بموجب الحكم التنفيذي و لا أن يجبر على أدائه ولو بعد أجل التعرض و الإستئناف إلا بعد تقديم شهادة من كتابة الضبط بالمحكمة التي أصدرت الحكم المعجل المراد تنفيذه يحتوي على تاريخ تبليغه لطرف المحكوم عليه وشهادة أخرى بأنه لم يقع أي تعرض أو إستئناف أي أصبح الحكم نهائيا قابلا للتنفيذ عليه ولم يعد قابلا للطعن فيه بأي طريقة من طرق الطعن أو الإستئناف.

و عموما فإن حالة الغير الذي ليس طرفا في النزاع ولكن له علاقة بالمنفذ عليه تكون مصالحه كما هو الشأن بالنسبة لخلف المنفذ عليه الخاص الذي قد يكون إشترى منقولات المنفذ عليه لكن عملية نقل الملكية لازالت لم تتم بعد فبادرة المنفذ إلى حجزها تنفيذيا، في هذه الحالة لا يبقى على صاحب المصلحة إلا اللجوء إلى القضاء لسلوك مسطرة تعرض الغير الخارج عن الخصومة أمام الجهة المصدرة للحكم كما قد يلجأ إلى رئيس المحكمة للمطالبة بإيقاف التنفيذ دفعا بما سيلحق به من ضرر.

 المحور الثاني : أنواع التنفيذ العقاري

إتفقت معظم التشريعات المقارنة على أنواع التنفيذ إذ نكاد لا نجد أي إختلاف حول هذا الخصوص، فحسب قانون المرافعات المصري و قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني وغيرها من التشريعات العربية و حتى الأوروبية جعلت من التنفيذ إما أن يكون إجباريا و إما أن يكون إختياريا.

والمشرع المغربي في إطار قانون المسطرة المدنية ضمن الفصل 440 نص على أنه ” لا يقع التنفيذ الجبري إلا بعد التبليغ و الإعذار بما إقتضى به الحكم أو تعريفه بنواياه.”
و يستفاد من خلال هذا الفصل أن المشرع المغربي نص و بصريح العبارة على تنفيذ الجبري، و أنه لا يلجأ إليها إلا بعد القيام بالإجراءات التي يستلزمها من أجل قيامه بذلك وإعمالا لمخالفة النص فإن التنفيذ الجبري لا يقع في غياب هذه الإجراءات و يصبح باطلا.

وعموما فالتنفيذ إما أن يكون إختياريا يقوم به المدين من تلقاء نفسه كما قد يتم بطريقة التنفيذ المباشر الذي يعتمد على تحقيق ذات الأداء المبين في الحكم ، كتسليم منقول أو عقار إستيفاء لحق الدائن الثابت به و الذي لم ينفذه المحكوم عليه إختياريا، ويتم أيضا بواسطة الغرامة التهديدية عندما يتعنت المدين لموقفه و لا يريد أن يقوم بما إلتزم به من العمل أو يخالف ما إلتزم به من الإمتناع عن عمل، كما يتم بواسطة الإكراه البدني وفق ما نص عليه القانون.

ولهذا سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين سنخصص للحديث عن التنفيذ الإختياري والتنفيذ الجبري و المباشر (الفقرة الأولى) و عن التنفيذ غير المباشر و التنفيذ الفردي والجماعي (الفقرة الثانية ).

 الفقرة الأولى: التنفيذ الإختياري و التنفيذ الجبري و التنفيذ المباشر

إن المقصد الأساسي من التنفيذ هو صيرورة الحكم الصادر في الخصومة قابلا للتنزيل على أرض الواقع فيتحول من شكل مكتوب إلى واقع ملموس، وذلك عن طريق إعمال الأطراف بمقتضياته عن طريق تنفيذها، إلا أن هذا التنفيذ له عدة أوجه، فقد يكون إختياريا (أولا)، كما يمكن أن يتم التنفيذ بشكل جبري (ثانيا)، وقد يتم التنفيذ بشكل مباشر(ثالثا).

ولهذا ستناول في هذه الفقرة النقط التالية:

 أولا: التنفيذ الإختياري
 ثانيا: التنفيذ الجبري
 ثالثا:التنفيذ المباشر

أولا : التنفيذ الإختياري

وهو الذي يقوم به المدين إختياريا و رضاء فيدفع ما عليه من ديون أو يقوم بما يستوجب عليه من عمل فيصل الحق إلى صاحبه من غير صعوبة لأن الإلتزام ينقضي في هذه الحالة و لا يتطلب إتباع إجراءات معينة ، فالمشرع المغربي لم يقرر وهو الأخر قواعد خاصة في هذا الصدد سواء تم رفع الدعوى أو بعدها أو بعد صدور الحكم النهائي أو المشمول بالنفاذ المعجل أو تبليغ الحكم و الإعذار بالوفاء، أو عند حلول الأجل المحدد للوفاء أو قبل حلوله إذا كان محله نقودا و لم يكن للدائن مضرة في إستيفائه .

ولا يؤثر في هذا المجال ما إذا قام به المدين من تلقاء نفسه وبإرادته من غير تدخل المحكمة لإجباره على ذلك إستجابة لعنصر المديونية في الإلتزام، و أدى ما عليه قطعا لكل زيادة في المصاريف أو قام به خوفا من التنفيذ الجبري عليه حسب ما أعده التنظيم القانوني من وسائل في هذا الباب، و التنفيذ الرضائي الإختياري يعتبر الصورة المثلى من الصور التنفيذ لأنه يقدم للدائن حقه بالكامل ومن غير معاناة و هذا لا يوفره التنفيذ الجبري و ليس له إجراءا ت خاصة رسمية محددة من طرف المشرع المدني رغم أنه تعرض لأحكامه و بين من يقوم به و لمن يكون هذا الوفاء و معالجته رفض الدائن و مسألة العرض و الإيداع بمستودع الأمانات و محل الوفاء وزمانه و مكانه و نفقاته و إقتضاؤه و غير ذلك.

ولهذا فقد يقوم الشخص بتنفيذ الحكم إختيارا بعد أن صدر الحكم عليه إما بوضع حد للخصومة وإختصار الوقت والمصاريف وإما لإقتناعه بما قضى به الحكم وإما خوفا من إجباره على التنفيذ أو خوفا من الدائن، وفي هده الحالات كلها يعتبر التنفيذ إختياريا، وفي التنفيذ الإختياري يمكن للمدين أن يعرض تنفيذ الإلتزام أمام المحكمة قبل صدور الحكم، وذلك بأن يعرض على الدائن مبلغ من المال الذي يطالبه به، أو يضع رهن إشارته العقار الذي يطلب منه التخلي عنه ويطلب من المحكمة أن تشهد عليه بذلك، أو يطلب من المحكمة أن تشهذ بأنه قد إمتنع من المرور بعقار المدعي الذي يطلب منه ذلك وفي هذه الحالة إنما يصدر الحكم بالإشهاد على المدعى عليه المدين بأنه قد قبل مطالب المدعي و إلتزم بتنفيذها، ولكن إذا نقض المدعي عليه إلتزامه بعد ذلك فإنه سيكون معتديا ويتحمل نتائج أفعاله.

وهكذا فالتنفيذ الإختياري هو الذي يقوم به المدين إختياريا ورضاء، والواقع أن تنفيذ الحكم في الحالة التي يبادرفيها المدين المحكوم عليه و قبل الشروع في إتخاذ إجراءات التنفيذ الجبري ضده إلى الوفاء بالتزامه وفقا لما قضى به يشغل مركزا وسطا بين التنفيذ الإداري و التنفيذ الجبري، إذ يقترن من كل واحد منهما في بعض الجوانب و يبتعد بالقدر ذاته في بعض الجوانب الأخرى، ولعل هذه الصفة المزدوجة التي يجمع فيها تنفيذ الحكم بواسطة المدين في هذه الحالة يبين خصائص التنفيذ الإداري و خصائص التنفيذ الجبري هي التي تثير الصعوبة في تحديد طبيعة التنفيذ.

ونعتقد بأن التنفيذ الإختياري الذي يقوم به المدين تساهم فيه عدة سلوكات تربوية وثقافية ومبادئ دينية أخلاقية وإجتماعية و حتى نفسية تجتمع في شخصه و تجعله يحتاط ويترقب ويتجنب كل أنواع المماطلات و التنكيل بالخصم، ليعزز بذلك شخصيته المدنية و سمعته التجارية و قيمته داخل المجتمع.

إذ بهذه الصورة من التنفيذ يمكن للمدين أن يبدي حسن نيته في التنفيذ، بأن يعرض تنفيذ الإلتزام على المحكمة قبل صدور الحكم لينحصر دور المحكمة في هذه الحالة في الإشهاد على المدين بأنه قد قبل مطالب المدعي وإلتزم بتنفيذها.

ومحل الالتزام في التنفيذ الإختياري يجب أن يكون نفس محل الدين الواجب الوفاء به و لا تبرأ ذمة المدين إلا بتسليم ما التزم به، ولا يحق له أن يجبر الدائن على قبول شيء آخر فإذا كان الالتزام على سبيل المثال أرضا قام المدعي عليه بتسليمها، وإن كان إزالة بناء قائم بإزالته.

ونشير إلى أن التنفيذ الإختياري يحصل بغير طريق السلطات العامة ودون إتباع إجراءات قانونية محددة.

فالمشرع المغربي لم يضع لهذا النوع من التنفيذ إجراءات خاصة و محددة إلا أنه و مع ذلك تم التنصيص عليه في كل من الفصل 236 و 237 من قانون الالتزامات و العقود المغربي.
و المشرع المغربي بغية ترغيب المدين في الوفاء إختياريا فقد شجعه على الأداء حتي يستفيد من صوائر التنفيذ الجبري في حالة تنفيذ الحكم بنفس المحكمة التي أصدرته ، أو في حالة إذا نابت عن المحكمة كتابة ضبط عن محكمة أخرى، فإن المدين يعفى من صوائر التي تضاف إلى الملف ومن عشرة في المائة عند إتمام البيع من المشتري و هذا يخرج من المحصل من البيع.

ثانيا : التنفيذ الجبري:

التنفيذ الجبري هو التنفيذ التي تجريه السلطات العامة تحت إشراف القضاء ورقابته بناء على طلب الدائن بيده سنذ قابل للتنفيذ ومستوفي لشروط خاصة، قصد إستيفاء حقه الثابت في السند من المدين قهرا منه.

هذا إما عن طريق منع المدين من التصرف في ماله المحجوز عليه ثم بيعه جبرا عنه، أو عن طريق قهر المدين عن التنفيذ المباشر و يكون هذا النوع من التنفيذ بطلب من المستفيد من الحكم و ذلك تحت إشراف ورقابة رئيس المحكمة.

و التنفيذ الجبري يتم بأحد الطريقتين:

أولهما التنفيذ العيني المباشر وهو الذي يحصل فيه الدائن على عين ما إلتزم به المدين أو تحقيق عين ما أمر به الحكم ، وسمي مباشرا لأنه تمخض عن تنفيذ ما إلتزام به الحكم وينص عليه بصورة مباشرة و هذا عكس التنفيذ الإداري التي تنفذه الإدارة بنفسها دون أن تلجأ إلى المحكمة أو إلى إجراءات أخرى ، كإدارة الضرائب والخزينة العامة.

أما عن كيفية التنفيذ الجبري فيعتمد على ذلك مضمون الحكم المودع في قسم التنفيذات القضائية أو كتابة الضبط وهو لا يتعدى صور ثلاثا في القاعدة المسطرية:

الصورة الأولى: الإلتزام بتسليم شيء منقول من منقولات معينة

أي الأشياء قابل للإستهلاك مثل البضائع و غيرها، فقد نص على ذلك قانون المسطرة المدنية في الفصل 446 و447 و بين طريقة التنفيذ الإلتزام و الجزاء على مخالفته، أما الإلتزام في حد ذاته فإنه قد ينقضي بأداء عمله وفقا للإتفاق أو القانون الفصل 320 من ق.ل.ع.

إلا أن الإلتزام المراد به هنا في قانون المسطرة المدنية هو إلتزام متعلق بالمدين بتسليم شيء منقول كتسليم منقول مبيع أو رد سلعة مستعارة أو تسليم كمية المنقولات معينة غير ظاهرة للعيان مثل الأشياء المثلية التي يقوم بعضها مقام بعض عند الوفاء، و تقدر عادة في التعامل ما بين الناس بالعدد أو المقياس أو الكيل أو الوزن.

أما تسليم الأشياء القابلة للإستهلاك فلا يسلم منها إلا الكمية المطلوبة بدون تمييز و جميع يسلم للدائن و في حالة إمتناع المدين فإن على مأمور التنفيذ أن يثبت ذلك في محضره ويرفع الأمر إلى رئيس المحكمة ليتخذ الإجراءات اللازمة بواسطة القوة العمومية.

الصورة الثانية: وهي أداء التزام بعمل

إذا كان الإلتزام المطلوب إلتزاما بأداء عمل كإقامة جدار أو قطع أشجار أو بناء مسكن أو غلق نافدة فإن على المدين القيامة به و إلا أجبره على ذلك بواسطة المحكمة كما في حالة إرجاع التيار الكهربائي كالملف التنفيذي 744/85 بالمحكمة الإبتدائية بفاس و في حالة الإمتناع يثبت مأمور الإجراء ذلك و يعرض الأمر على رئيس المحكمة و ليطبق في حقه مقتضيات الفصل 488 من ق .م.م وذلك للحكم عليه بالغرامة التهديدية ما لم يكن سبق الحكم بها، وإذا رجع و قطع التيار الكهربائي من جديد فهنا تقام دعوى جديدة.

الصورة الثالثة: وهي خالف الالتزام بالامتناع عن العمل

إن تنفيذ سندات التنفيذ المنضمة مخالفة الإلتزام بإمتناع عن عمل شيء معين كعدم البناء أو عدم الغرس في أرض المدين أو بعدم إزالة قشرة المرطوب القديم من الجدار كالملف التنفيذي 276/ 85 بالمحكمة الإبتدائية بفاس فإمتنع و أخل المدين بهذا الالتزام . فإن على المأمور التنفيذ أن يثبت ذلك و يخبر الرئيس الذي يحكم بغرامة تهديديه ما لم يكن سبق الحكم بها الفصل442 من ق. م. م .

ولا يطبق الإكراه البدني إذا إمتنع عن التنفيذ رغم الحكم بالغرامة فإنه يمكن للمستفيد من الحكم أن يطلب علاوة على ذلك التعويض من المحكمة التي أصدرته الفصل 488 من ق.م.م.
لكن الكلام على التنفيذ العيني المباشر مفروض فيه أن يكون ذلك الأمر ممكنا الفصل 259 من ق.ل.ع فإذا تعذر لمانع مادي كهلاك الشيء محل الإلتزام كله أو البعض منه إلتزم المدين بالتعويض على تفصيل في ذلك قانون الإلتزامات و العقود ما لم يثبت المدين أن عدم الوفاء بالإلتزام أو التأخير فيه ناشئ عن السبب لا يمكن أن يعزى إليه كالقوة القاهرة أو الحادث الفجائي أو مطل الدائن.

أما إذا كان التنفيذ ممكنا و لكنه يمس بحرية المدين الشخصية إذا قهرناه على ذلك فإنه لا يكلف بالعنف، وينبني على ذلك أنه لا يصح تكليفه بعمل أو الإمتناع عنه أو تسليم منقول معين و كل ما يجوز في مثل هذه الأحوال الحكم بالغرامة التهديدية و التعويض إن طلب الدائن ذلك.

ثالثا : التنفيذ المباشر

التنفيذ المباشر يقصد به إجبار المدين وحمله على تنفيذ ما إلتزم في حالة رفضه القيام بذلك، و هذا النوع من التنفيذ تقوم به السلطات العامة و التي تتمثل حسب القانون المغربي في جهاز كتابة الضبط بالمحكمة الإبتدائية تحت رقابة رئيس المحكمة و يكون بطلب من المستفيد من الحكم و ذلك تحت إشراف ورقابة رئيس المحكمة بناء على حكم أصبح قابلا للتنفيذ ومستوف للشروط القانونية التي نص عليها القانون إستيفاءا لحق الدائن الثابت بالحكم و الذي لم ينفذه المدين إختياريا وهو يحصل بعد تبليغ الحكم للمحكوم عليه و إعذاره بالوفاء دون أن يعترض أو ينكر أو يقوم بالوفاء إختياريا.

و المشرع المغربي حينما أوكل التنفيذ إلى كتابة الضبط أو على السلطة الإدارية فيما يخص قضاء القرب، فإنه حرص بذلك على تشجيع المعاملات وإنتظامها، لأن قانون التنفيذ ذو صبغة إجتماعية يعكس حقيقة وضيعة المجتمع و نظامه.

و لابد من الإشارة في هذا الصدد إلى أن تنفيذ الأحكام القضائية يختلف عن باقي السندات الأخرى. ويتجلى هذا الإختلاف في كون التنفيذ العيني المتعلق بالحكم القضائي قابل للتنفيذ يكون دائما ممكنا لكون الحكم القضائي لا يفصل إلا في الحقوق الثابتة ، الحالة المحققة الوجود و التي تبادل الأطراف خلال الدعوى التي صدر بشأنها الحكم موضوع التنفيذ كل ما لهم وسائل الدفاع و بعد مطالعة الأدلة والحجج و لكون الحكم القضائي يتضمن تقريرا و إقرارا للحق الثابت بصورة قطعية لا يمكن الرجوع عنه.

 الفقرة الثالثة : التنفيذ غير المباشر و التنفيذ الفردي و الجماعي

إن الأصل هو أن الحكم إذا تضمن محتواه إلزام المحكوم عليه بتسليم شيء معين فيجب عليه الإمتثال لهذا الحكم و تنفيذه، بيد أنه إذا إمتنع عن تسليم ذلك الشيء أو إستحال تنفيذه فان الأمر يؤول في هذه الحالة إلى التعويض و عند تنفيذ الحكم بالتعويض يؤول الحكم القاضي بتسليم شيء معين إلى تنفيذ غير مباشر عن طريق الحجز و البيع لأداء مبلغ التعويض المحكوم به.(أولا) و قد يلبي هذا التنفيذ رغبة المحكوم له معين.(ثانيا) وقد يهدف التنفيذ إلى تلبية رغبات مجموعة من المحكوم لهم.(ثالثا)

ولهذا سنتناول في هذه الفقرة النقط التالية:

 أولا: التنفيذ غير المباشر
 ثانيا: التنفيذ الفردي
 ثالثا: التنفيذ الجماعي

أولا : التنفيذ غير المباشر:

إذا كان التنفيذ المباشر لا يثير أي مشاكل قانونية و لأنه يعتمد على تحقيق ذات الحق المبين بالسند كتسليم منقول أو عقار أو غلق نافذة أو هدمها ، فإن التنفيذ غير المباشر يثير عدت مشاكل قانونية لأنه ينصب على مال منفذ عليه سواء كان منقولا أو عقارا، و ذلك بنزع ملكيته و تحويلها في حالت تعنته إلى مبلغ من النقود ويكون ذلك بالحجز على أمواله الجائز الحجز عليها ووضعها بين يدي القضاء إلى أن يستوفي الدائن حقه عن طريق البيع والتوزيع ما لم يكن الحجز إستحقاقيا.

وجل الأحكام قابلة لأن تؤول إلى التنفيذ غير المباشر فالحكم القاضي بتسليم شيء معين، إذا إمتنع المحكوم عليه من تسليم ذلك الشيء و إستحالة تسليمه، فإنه يؤول إلى التعويض وعند إذ يؤول إلى التنفيذ الغير المباشر و الحكم القاضي بالقيام بعمل أو الإمتناع عن عمل يؤول إلى الحكم بالغرامة التهديدية.

ومن وسائل التنفيذ الجبري الإكراه البدني المنظم بمقتضى ظهير 20 فبراير 1961 والمادة 635 و ما يليها من قانون المسطرة الجنائية الى جانب الغرامة التهديدية أوالإكراه المالي .
الإكراه البدني : إن لإكراه البدني كوسيلة من الوسائل التي أبدعها الفكر القانوني قصد إجبار المدين على الوفاء بما التزم به. عرف عدة تطورات على مر العصور، ففي القديم كان الإكراه البدني يتمثل في إلحاق الأدى بجسم المدين بالضرب و بالحبس وبالإسترقاق و البيع و حتى بقتله.

إن تطبيق الإكراه البدني على المدين لا يؤدي إلى على إنقضاء الدين و إنما هو وسيلة ضغط الإجباري ليس إلا ، غير أن الإكراه البدني فيما يخص الغرامات يعتبر بمثابة وفاء يترتب عنه انقضاء الغرامة من أصلها.

والجدير بالذكر أنه إستقر الرأي في العديد من النظم القانونية بما فيها التشريع المغربي الذي صادق على المعاهدة الدولية بشان الإكراه البدني على إلغاء الإكراه بالنسبة للديون الناشئة عن إلتزامات عقدية . غير أنه قبل هذا كان المشرع المغربي يستوجب إنذار المدين قبل إعتقاله معتبرا أن الإنذار شرط جوهري لتطبيق الإكراه.

الغرامة التهيديدة: يكون مجال تطبيق الغرامة التهديدية ممكن في الحالة التي يكون فيها التدخل الشخصي للمدين ضروريا لحصول التنفيذ العيني وذلك بالحكم عليه بمبلغ معين من المال عن كل وحدة زمنية ، ولعله من الواضح أن تدخل الشخصي للمدين لا يكون ضروريا إلا إذا تعلق الإلتزام بالقيام بعمل أو الإمتناع عن القيام بعمل و قد نصت المادة 488 من ق.م.م على انه : ” إذا رفض المنفذ عليه أداء الإلتزام بعمل أو خالف إلتزام بالإمتناع عن عمل أثبت عون التنفيذ ذلك في محضره وأخبر الرئيس الذي يحكم بغرامة تهديديه مالم يكن سبق الحكم بها.

ثانيا : التنفيذ الفردي و الجماعي

التنفيذ قد يكون فرديا وهو الذي يلبي رغبة الحكومة له، وقد يكون جماعيا وهو الذي يهدف إلى تلبية الرغبات مجموعات من المحكوم لهم ، وذلك كالتنفيذ على أموال المدين المفلس.