حق تكافؤ الفرص في الجامعات المغربية في ميزان “ثقافة الولاء”

السبت 17 سبتمبر, 2022 14:45 الدكتورة حكيمة لعلا (أستاذة باحثة في علم الاجتماع بجامعة الحسن الثاني الدار البيضاء)
إحاطة -

سيرا على نهج مقالنا السابق، فإن كل مقالاتنا اللاحقة، ستتناول مفهوم “حق تكافؤ الفرص”، باعتباره المفتاح الأساسي لفهم وتفكيك الواقع الجامعي في المغرب. ونقول مسبقا، إن هذا النوع من الطرح، قد يروق للكثيرين، وتحديدا لأولئك الذين يدركون هذا المفهوم جيدا ويلتزمون الصمت إزاء تنزيله على أرض الواقع، خوفا من المواجهة.. وبالتالي سيستمرون في صمتهم لغاية في نفس يعقوب. ثم هناك من سيلجئون إلى الرد لتفنيد هذا الواقع الملموس، المتمثل في هشاشة التفعيل السليم لمبدأ “تكافؤ الفرص” في الجامعة المغربية، وقد يتحججون بفكرة، ضرورة إبراز الجوانب الإيجابية على الأخرى السلبية. ولهذا، ينبغي، بالنسبة لهم، الحديث دائما عن ما هو أفضل وتنميق الصورة وتغليف الوضع ببعض مساحيق التجميل والحرص على الكتمان عن كل ما يُعتبر خللا وظيفيا في الجامعة. بل ستجدهم يرددون جملا من قبيل: “هذا موجود في كل الجامعات”، وسيؤكدون على أن الظواهر نفسها توجد في أرقي الجامعات الغربية، وكأنه يكفي بهذه التبريرات أن نفسح المجال لكل الطقوس التي لا تتلاءم مع صفة الجامعة العلمية أن تُمارس فيها.

إن الذي يزعج أكثر في هذا التفكير، هو الاعتقاد بأن استمرارية الفعل غير العلمي وغير الأخلاقي أمر مقبول، مادام الغرب الأكثر تقدما منا يتعامل به، وإن كان تبريرهم هو حقيقة غير موثوقة، وليس له جانب من المصداقية. كما ستجدهم يؤكدون على ضرورة تجميل القول في مؤسستنا العلمية، والتستر عن كل ما يمكن تصنيفه في خانة الاختلالات الوظيفية، والتي تشكل عائقا أمام تطورها.. العامل الذي يجعلها تبتعد عن مهمتها الأصلية.

وفضلا عن كل ذلك، هناك من سيعتبرون أن هذا التفكيك لواقع حاضر بقوة على أرض الواقع طعن مبطن في أشخاصهم. وقد يقول آخرون، وهم أولئك الذين يعملون على ضمان حق تكافؤ الفرص، ويرفضون الاختلالات التي نطرحها، بأن هذه الأخيرة ليست عامة، ولا تعني من قريب أو بعيد الكثير من نساء ورجال التعليم العالي، وهذا واقع مؤكد كذلك، ويجب أخذه بعين الاعتبار.. إن العينة التي نعنيها هنا قد تكون مجرد قِلة ضمنهم، ولكن يمكن أن يكون لفعلها تأثير بالغ الأهمية على الوضع الجامعي.

في هذه الورقة، سَنُساءل “ثقافة الولاء”، التي يمكن اعتبارها نوع من “الانقلاب المقصود” على كل الأخلاقيات والقوانين الجامعية لترسيخ ثقافة الزبونية والمحسوبية والتسلط. ذلك أن “ثقافة الولاء” التي نتحدث عنها تُتَرجَم على أرض الواقع، من خلال نسج علاقات المحسوبية والشطط في استعمال السلطة والمبالغة في استعمال أي المنصب كان، وتسخيره لأغراض ليست لها علاقة لا بالعلم أو بالمعرفة، سواء كانت هاته العلاقة أفقية أو عمودية.

والملاحَظ أن الهدف المنفعي من ترسيخ “ثقافة الولاء”، هو خلق وتقوية وضع امتيازي لمفهوم المنفعة المشتركة، وبناء تراتبية لا تخضع لأي تقعيد قانوني أو تنظيمي أو أخلاقي. وبالتالي، إن انتشار هذه الأفعال تجعل منه ظاهرة تترسخ بقوة، وقد تأخذ هذه الظاهرة شرعيتها من هيمنة المعنيين بالأمر واعتبارهم فوق القانون الذي وضعه المشرع لتدبير التعليم العالي.

وخلاصة القول.. ليس عدد الأفراد فقط هو الذي يحدد قوة الظاهرة السوسيولوجية، بل بقوة فعلها وتأثيرها في الوسط الذي تظهر فيه، لتصبح مرجعية شرعية ومُشَرْعنة، بفعل قوة الفعل، ويتحقق لها فعل الانتشار بتنميط الفعل والتفاعل التدبيري للأشخاص.

من جهة أخرى، عندما نتحدث عن “ثقافة الولاء” فإننا نتطرق لظاهرة “الكوْلَسَة ” بُغية خلق علاقات ولاء بدون صفة قانونية.. ولا أخفيكم أن هاته الكلمة التي عُرِّبَت وتستعمل بكثرة في الأوساط المشحونة بالدسائس، هي دليل على خصوبة الموضوع أو الأفعال التي تأتي تحت شعار: “إما أنك معنا أو ضدنا”، والذي نقصده هنا بالضبط، هو “ثقافة الولاء”، أو بحسب الدرس الكَسوسي، “العلاقات الزبونية في المغرب”.. وهو بالمناسبة درس قدمه محمد كَسوس أستاذ ومعلم السوسيولوجا، خلال سنوات الثمانينات من القرن الماضي لطلبة السوسيولوجيا بالرباط، بحيث شكل محطة هامة في تكويننا، وخلق لنا الرغبة في الممارسة السوسيولوجية التجريبية التي تخترق المحظور، لكي نفكر في آليات لفهم وتفكيك الواقع المغربي.

لقد رسخ محمد كسوس بذاك الدرس معنى وحجم “ثقافة الولاء” في تدبير الشأن الخاص والعام . وتأتي كتاباتنا كخلاصة تساؤلات وتتبع لبعض مظاهر “ثقافة الولاء” وصنعها والانخراط فيها، وذلك عن طريق معايشتها والاحتكاك معها بشكل مستمر، أو عن طريق مقابلات وسرد لزميلات وزملاء في المهنة يشتغلون في مؤسسات جامعية أخرى، وذلك منذ ولوجنا للجامعة المغربية.

إن طرح قضية تكافؤ الفرص ليست وليدة اللحظة، أو شيئا جديدا في مسيرتنا العملية والفكرية والحقوقية.. لقد بدأنا الاشتغال الفعلي عليها مند نهاية الثمانينات من القرن الماضي بفرنسا، واستمر الاشتغال هناك حتى بداية الألفية الثالثة (سنة 2005).

لقد بدأنا الاشتغال على “حق تكافؤ الفرص” في إطار حركة نضالية مغربية بفرنسا لمواجهة كل أنواع التمييز الذي يعيشه المهاجرون. كما اشتغلنا هناك مع فاعلين آخرين مؤمنين بضرورة إظهار أهمية هذا الحق كصيانة للكفاءات وللولوج لحق المواطنة الكاملة. واستمر هذا العمل في إطار أكاديمي ومهني محض، من خلال عملي كمكونة وأستاذة ومحاضرة في تدريس السوسيولوجيا ومواضيع حول العنصرية والتمييز والإقصاء، وذلك في المعاهد العليا للتكوين والجامعة الفرنسية.

إن هذا العمل الذي ركز على ضمان تكافؤ الفرص، اتخذ منحى آخر، وبقوة مؤسساتية لها صفة الاستقلالية، وهي “مؤسسة وسيط الجمهورية” آنذاك. لذلك، إن اختيارنا وتعيينا كمندوبة لوسيط الجمهورية الفرنسية، جعلنا نُفَعُّل القانون، وكذلك مبدأ الإنصاف في مناهضة كل أنواع التمييز في إطار الخلافات القائمة بين الإدارات والمؤسسات العمومية والمواطنين، للحفاظ على كل حقوق المواطنة لكل فرد اعتمادا على مبدأ تكافؤ الفرص.

وللإشارة فقط، إن ولوج هذا المنصب لا يعتمد في انتقائه فقط على الكفاءات العلمية، بل هناك حيز كبير مخصص لتقييم ألأهلية الأخلاقية للمندوب أو المندوبة.. وتكمن أهمية التقييم الأخلاقي في ضمان مصداقيته العملية في التعامل مع ملفات التظلم. إضافة إلى ذلك، هناك أيضا سببين جد هامين ومؤسسين لمهمته، أولهما إن المندوب يحل محل وسيط الجمهورية أمام مؤسسات الدولة التي يُقَدَّم في حقها تظلم من طرف أي مواطن فرنسي أو أي مهاجر مقيم داخل تراب الفرنسي. وثانيهما هو أنه يتمتع باستقلالية وحصانة كاملة في اتخاذ القرارات والعمل على تطبيقها.

لقد كنا أول مندوبة لـ”وسيط الجمهورية الفرنسية” من جنسية مغربية- فرنسية. وقد ثمن هذا الانخراط والالتزام على المستوى الاجتماعي بتأسيس وترأس “جمعية النساء المغربيات الفرنسيات للولوج للحقوق والمواطنة”، واشتغلنا وقتها على كثير من المواضيع الحقوقية. وبالتالي، إن الاشتغال على حق تكافؤ الفرص لم يتوقف عند عودتنا للمغرب وولوج الجامعة المغربية، بل اتخذ منحى آخر، وهو العمل به في الإطار البيداغوجي والتربوي.

قد يتساءل كثيرون عن الجدوى من هذا السرد حول اهتمامنا واشتغالنا من أجل تطبيق “حق مبدأ تكافؤ الفرص”.. وهنا أجيب، أن هذه النبذة الموجزة جدا عن مسارنا، جاءت لإزالة اللُّبس الذي قد يكون تكوَّن عند البعض، وأيضا لتوضيح أنه عكس ما ظن بعضٌ من الذين اطلعوا على مقالنا السابق، من كونه جاء نتيجة نزوة عابرة للتعبير عن وضع معين، أو هو نتيجة غضب أو قلق بسبب وضع طارئ… (عكس ذلك) نقول إن ما نكتبه هو استمرارية لفعل وعمل سابقين، مع الفرق الواضح في اختلاف السياق الاجتماعي والتربوي والقانوني، بين نسق اجتماعي وثقافي أنتج مفهوما حقيقيا لمبدأ تكافئ الفرص، ونسق اجتماعي وثقافي قد يعتبره البعض (أي المبدأ) مجرد شعار يتم تفعيله وفق الحاجة، ومن ثمة يُغلَق عليه في دواليب أغلب المؤسسات المعنية بالأمر. ناهيك عن الإطار المفاهيمي والحقوقي لـ”مبدأ تكافئ الفرص”، والذي يلزم تطبيقه كمرجعية صارمة في معالجة كل الظواهر أو الأفعال التي تتجاوز القانون كاسمي مؤسسة لكل دولة تعمل على حماية حقوق مواطنينا بدون حيف أو تمييز.

إن الحديث عن المفهوم في حد ذاته يتطلب مجالا أوسعا وأدق، غير أن ما يهما نحن هو تفكيك مفهوم “الولاء”، كإستراتيجية ضرب وتجاوز لحق تكافؤ الفرص في الجامعة المغربية.. ونعني بالولاء في هذا السياق، تلك العلاقة التي تتكون بين شخصين أو أكثر داخل الجامعة بمفهوم “الآمر والمأمور”، “السيد والتابع” أو “المقرر والمنفذ”… أي أن أحد الأشخاص أو إحدى المجموعات، ولوا أمرهم لشخص، أو ربطوا معه علاقة المحسوبية، أو فُرض عليهم ذلك من أشخاص آخرين يعتبرون أنفسهم ذوي مكانة أرفع من الجميع، سواء كانت هذه المكانة اقتصادية أو اجتماعية أو علمية أو دينية.

وفي إطار حديثنا عن الجامعة دائما، إن الآمر أو السيد أو المقرر، بحسب قراءته لمنصبه، يعتبر وضعه الشخصي يكفل ويخول له تجاوز القانون والتعالي على نظم وأخلاقيات المؤسسات، ومن هنا نتحدث عن “التابع والسيد”. إلا أن المعنى الذي تأخذه هذه العلاقة في سياق كتابتنا، هو الطابع النفعي لها، والتي تطبع أي علاقة بين مجموعة من الإفراد، إن كانت هذه العلاقة أفقية، ويكون الولاء هنا موشوما بمصالحهم المشتركة، أو تأخذ مفهوم “المُعين” و”الحامي” مقابل القبول والرضوخ للشخص أو الأشخاص الذين يتولون أمرهم، وهي في أغلب الأحيان علاقة عمودية، وقد تنتهي بمجرد البلوغ للمبتغى وقضاء المآرب، ولكن لا تندثر كليا، إذ من الممكن تفعيلها في وقت الحاجة. والتعبير الأصح في هذا الوضع هو “علاقة الزبونية”، لأنها تُبنى على مقايضة إجرائية للمصالح المتفق عليها، ولكنها في جوهرها هي علاقة ولاء تحكمها إستراتجية التكافل وضرورة التضامن في كل الحالات التي تخص وتخدم أحد أفراد الجماعة، بل والتكثيف والعمل على تحقيقها بتطبيق القانون أو بعدمه.

إنه بمناقشتنا لظاهرة ثقافة اعتماد الولاء، والتي تضرب في العمق “حق تكافؤ الفرص”، هي بعيدة كل البعد عن ما اعتبره البعض رغبة في الإجهاز على الجامعة المغربية بكل أطرها. وبالتالي، إن هذه المناقشة محاولة حقيقية لتفكيك وتوضيح كيف تتمكن هذه الثقافة من بناء استراتيجيات لتجاوز مفهوم الحق والكفاءات العلمية لبناء منظومة التسلط والاستبداد. وبالتالي، إن طرح ظاهرة “ثقافة الولاء” والزبونية في هذا المقال، هو في حقيقة الأمر تكملة لأعمال فكرية وقرارات بيداغوجية تناولها أساتذة علم الاجتماع وعام النفس والفلسفة، ونُظم في موضوعها ندوة علمية ونشرت المداخلات على شكل كتاب مشترك، كما أنها محل حديث مستمر بين الكثير من الأساتذة في كل المستويات التعليمية.

إن حق تكافؤ الفرص في علاقته بـ”ثقافة الولاء” ظل وما يزال يُناقش داخل رحاب الجامعة على أنه عمل غير أخلاقي، لا يمس في شيء مفهوم المنافسة العلمية والتعليمية في إطار التحصيل، ولا يضر بـ”حق تكافؤ الفرص”، ولم يُطرح كظواهر تضرب في مصداقية الديبلومات الجامعية، ولا تعتبر المحسوبية وعلاقات الزبونية التي تُمَكّن الطالب الذي يعتمد الغش والسرقة العلمية من الحصول على مراتب، تضرب في كفاءة الآخر ونزعٍ لحق له، ناله بمجهوده.
يتبع