كلام فارغ

الأحد 21 يونيو, 2015 12:20 ياسين عدنان تحديث : 21 يونيو, 2015 12:21
إحاطة -

يزعجني في حوارات المغاربة هذا التسامح الهائل مع الكلام الفارغ. الكلام الملقى على عواهنه. الكلام الذي لا يقول شيئا. الكلام الملفوظ المكرور المستهلك الذي لا يجيب على السؤال. ومع ذلك نستسيغه ونقبله، بل قد نستقبله بالهتاف والتصفيق… لدينا لسوء الحظّ جمهورٌ ولوعٌ يصفّق لكلام بارد بحرارة زائدة في مشهد يدعو إلى الرثاء.
قبل أيام تابعتُ حوارا تلفزيونيا مع سياسي مغربي. سأله المنشط عن سبب انحياز حزبه إلى الصفّ السياسي الذي انضمّ له وركن إليه (صفّ التآلف الحكومي). وعوض أن يردّ الرجل بما يجدر به كسياسي من دقة ليوضح الحسابات السياسية لحزبه والسياقات الموضوعية التي دفعتهم ربما إلى هذا التحالف، قال إنه اختار الحكومة “من أجل مصلحة الوطن”. وكأنّ الذين لم يلتحقوا بالتحالف الحكومي هم ضدّ الوطن. وربما خانوا الوطن باعتذارهم عن المقاعد الوزارية.
شخصيا لا أنحاز لهذا الطرف أو ذاك. بل ومقتنعٌ بأن الهدف من كل نشاط سياسي وتنافس انتخابي هو ممارسة السلطة السياسية في إطار تحالفات يجب أن تكون واضحة لدى المتحالفين أولاً ولدى جمهور الناخبين وعموم المواطنين بعد ذلك. لكنني أتحفّظ فقط على الخطابات السهلة، الفضفاضة، العقيمة، الجوفاء. تلك التي تحتقر ذكاء الناس، وتنزل بالخطاب السياسي إلى هذا الدرك الأسفل من عسر الفهم وقلة الوعي وضبابية المعنى.
في حوار فنّي رمضاني سأل منشط فنانة مغربية كانت لها حصة الأسد هذا العام في الوصلات الإشهارية الرمضانية عن سبب هذه “التسونامي” الإعلانية. وعوض أن تفكر الممثلة قليلا في أسباب رواج صورتها وطلتها في بورصة الإعلانات، قالت بأن السبب هو “رضى الوالدين”. هكذا ببساطة. وكأن الممثلين والممثلات الذين لم يحظوا بفرص عمل في إعلانات هذا الموسم مساخيط.
مهمة المنّشط الجاد لا تنحصر برأيي في طرح الأسئلة التي يتوقّعها منه الجمهور، بل في متابعة سؤاله ليحصل على جواب مقنعٍ عنه. جواب جدّي غير متهافت. بل من حق متابعيه عليه أن يحميهم من التلفيق والتلاعب بعقولهم. لذا يمكنه أن يردّ على الضيف جوابه إذا كان ملفّقا. فاحترام ذكاء الجمهور يتطلب قليلا من المسؤولية من طرف المحاوِر والمحاوَر معا.
أقول هذا الكلام وأنا أفكّر في ملاحظة سالفة للبلاغي المغربي الدكتور محمد العمري سبق أن سجّلها على فنانة مغربية شاركت في لجنة تحكيم أحد برامج المسابقات التلفزيونية. كانت كلما وصلها الدور لتعلّق على أداء هذا المتسابق أو ذاك، ردّدت نفس الأسطوانة: “تبارك الله عليك، ما عندي ما نقول”. والحال أنها عضو لجنة التحكيم، وعليها أن تقول. بل ومن الضروري أن يكون لديها ما تقول. إذ يجب أن تشرح لنا أوجه تميّز المتبارين وعناصر قوة أداء هذا ومكامن ضعف أداء الآخر، وإلا فالتقييم يصير عبثيا والتحكيم اعتباطيا والوضع في غاية السوريالية.
لهذا لا بأس من التفكير قليلا وبذل مجهود في البحث عن أجوبة على الأسئلة التي تُطرح علينا في التلفزيون أو في غيره. قليلٌ من الجدّية لا يقتل. أمّا “مصلحة الوطن” و”رضى الوالدين” و”ما عندي ما نقول”، فمجرد كلام سطحيّ وفارغ. ورجاءً، بلاش كلام فارغ.