مشروع قانون المالية لسنة 2023.. رهانات واعدة وإكراهات مقلقة

الأثنين 31 أكتوبر, 2022 08:56 إدريس الكتامي تحديث : 31 أكتوبر, 2022 08:56
إحاطة -

على اثر انعقاد المجلس الوزاري يوم الثلاثاء 18 أكتوبر 2022، الذي ترأسه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، والذي كان مرفوقا بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، تقدمت السيدة نادية العلوي وزيرة الاقتصاد والمالية بتقديم عرض مفصل حول الخطوط العريضة لمشروع قانون المالية برسم سنة 2023، وهو المشروع الذي ارتكز على أربعة محاور رئيسة، بمثابة أولويات إستراتيجية للعمل الحكومي على المدى المتوسط والتي جاءت كالتالي:

 ترسيخ ركائز الدولة الاجتماعية
 إنعاش الاقتصاد الوطني
 تكريس العدالة المجالية
 استعادة الهوامش المالية

وقد ارتكزت هذه الرهانات حسب السيدة الوزيرة على مجموعة من الفرضيات التي تحدد نسبة النمو لسنة 2023 في حدود 4 بالمائة ونسبة التضخم في 2 بالمائة وعجز الميزانية في 4.5 بالمائة من الناتج الداخلي الخام. والملاحظ من خلال القراءة الأولية للتوجهات العامة للمشروع ، هو أن الحكومة استندت في تحديد أولوياتها على التعليمات الملكية السامية التي تضمنها خطاب العرش الأخير وعلى مخرجات اللجنة الاستشارية للنموذج التنموي الجديد، باعتبار أن المغرب تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة قد أخد على عاتقه العمل على إرساء دعائم الدولة الاجتماعية كخيار استراتيجي من خلال سن مجموعة من القوانين والتشريعات التي ترنو إلى ترسيخ العدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر والهشاشة وتقليص الفوارق الاجتماعية مع النهوض بوضعية المرأة المغربية والشباب العاطل وإعطاء العناية الخاصة للأشخاص ذوي الإعاقة، وكذا تأهيل القطاعات العمومية الرئيسية، كالتعليم والصحة والشغل والسكن.

وحسب المذكرة التاطيرية للمشروع، فان الحكومة تعتبر أن إنعاش الاقتصاد الوطني لن يمر إلا عبر دعم الاستثمار العمومي والخاص، وتنزيل التوجيهات الملكية السامية القاضية بتمكين المغرب من ميثاق تنافسي للاستثمار قادر على خلق مناصب للشغل وإنتاج القيمة المضافة العالية لتعزيز مكانة المغرب وجعله قطبا إقليميا ودوليا لجلب الاستثمارات الخارجية , وذلك من خلال تفعيل صندوق محمد السادس للاستثمار وتنزيل القانون الإطار لتحسين مناخ الاستثمار وتبسيط المساطر الإدارية وإصلاح الإدارة والقطاع العام، وكذا العمل على تحفيز القدرة التنافسية للنسيج الإنتاجي الوطني بالعمل على تعزيز الأمن والاستقرار الاجتماعي وترسيخ العدالة الضريبية من خلال تنزيل المقتضيات التي جاء بها القانون الإطار الخاص بالإصلاح الجبائي وماسسة الحوار الاجتماعي بفتح حوار جاد ومسئول مع المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية.

هذا وتهدف الحكومة إلى تكريس العدالة المجالية عبر توطيد أسس الجهوية كخيار دستوري ونهج ديمقراطي لإدارة الشأن العام المحلي باعتبارها بذيل تنوي من شانه الرفع من نجاعة السياسات العمومية على المستوى الترابي، بتقليص الفوارق المجالية وتسهيل الولوج إلى الخدمات العمومية مع مواصلة الجهود الرامية إلى اعتماد الرقمنة بمختلف الإدارات والمرافق العمومية وتكريس مبدأ الحكامة في تسيير وتدبير الشأن العام وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومن اجل ضمان استدامة هذه الإصلاحات تراهن الحكومة على استعادة الهوامش المالية وترشيد النفقات وخاصة منها نفقات التسيير وتقنين إعطاء منح الدعم والإعانات المرصودة للأشخاص الذاتيين والطبيعيين والمؤسسات العمومية مع فرض رقابة محاسباتية صارمة في هذا الإطار.

وقبل الشروع في تحليل وقراءة هذه المضامين التي جاء بها مشروع قانون المالية للسنة المقبلة، لابد من الإشارة أن إعداد هذا المشروع جاء في ظل ظروف جيوسياسية جد متوترة ومناخ اقتصادي عالمي مضطرب جراء ما خلفته الأزمة الوبائية من تداعيات سلبية وما تسببت فيه الحرب الروسية الأوكرانية من اضطرابات على مستوى سلاسل الإمداد والتوريد في التجارة الدولية مما أدى إلى ندرة المواد الأولية وارتفاع أسعار الطاقة واستفحال ظاهرة التضخم بمختلف الاقتصاديات العالمية.

هذه المعطيات وغيرها تجعلنا نتعاط بكثير من الحذر في قراءتنا لمضامين هذا المشروع ونتوجس بشان صدقية تحقق الفرضيات التي اعتمدت عليها الحكومة، خاصة إذا علمنا بان المؤشرات الماكرو اقتصادية لهذه السنة توجد في اغلبها في حالبة سالبة، وهو ما عبرت عنه السيدة وزيرة الاقتصاد والمالية من خلال عرضها التي تقدمت به في شهر يوليو المنصرم أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، حيت أبرزت انه من المتوقع أن ينحصر نمو الاقتصاد الوطني لهذه السنة في حدود 1.5 بالمائة عوض 3.2 المتوقعة في قانون المالية برسم سنة 2022، وان معدل التضخم من المنتظر ان يتجاوز 5.3 بالمائة هذه السنة مقابل 1.4 بالمائة سنة 2021، وان الميزان التجاري قد يرتفع إلى نسبة 36.9 بالمائة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة مما سيضر بالحساب الجاري لميزان الاداءات بحوالي 5 بالمائة مع استمرار عجز الميزانية بحوالي 5.3 بالمائة وارتفاع المديونية إلى حوالي 70 بالمائة من الناتج الداخلي الخام.

وهكذا نرى بان هناك مجموعة من المؤشرات المقلقة التي من شانها التأثير على صدقية التوقعات والفرضيات التي ارتكز عليها المشروع خاصة إذا أضفنا إليها التقلبات المناخية المتسمة بعدم انتظام التساقطات المطرية التي يعرفها المغرب في السنتين الأخيرتين وكذا الانعكاسات الاقتصادية السلبية للسياسة النقدية التي نهجتها الحكومة من خلال تعويم الدرهم في حدود 5 بالمائة ورفع نسبة الفائدة الرئيسي إلى 2 بالمائة خاصة مع الارتفاع الهائل الذي سجله الدولار الأمريكي وكذا الموجة الجديدة المنتظرة لارتفاع أسعار الطاقة خاصة بعد القرار الذي اتخذته منظمة ” أبيك بلاص ” بخفض الإنتاج بحوالي مليونين برميل يوميا.

وعلى العموم، ورغم كل ما سبق نعتبر أن الحكومة كانت جد موفقة في اختيار الأولويات التي جاء بها المشروع باعتبار أنها تلامس ابرز القضايا المجتمعية والقطاعات الأساسية والاوراش التنموية الكبيرة، لكنها لم تكن موفقة في المقاربة التي اعتمدت على الأساليب والتقنيات الكلاسيكية في إعداد الموازنة كما أنها كانت جد متفائلة بشان التوقعات التي اعتمدت عليها، خاصة وان الاوراش المستهدفة والإصلاحات المنشودة تتطلب اعتمادات مالية جد ضخمة وان الفرضيات التي اعتمدت عليها الحكومة باستثناء المداخل الضريبية تبقى نسبية، كما أن ميزانية الدولة في حجمها الحالي تبقى عاجزة عن توفير السيولة والتمويل الكافي للإصلاحات المذكورة، لذلك كان بالأحرى البحث عن حلول بديلة وابتكار أساليب جديدة لمواجهة التحديات، باعتبار أن المغرب هو بلد التحدي كما قال الملك الراحل المغفور له الحسن الثاني رحمه الله، حيت انه بإمكان الحكومة الحالية تحقيق الأهداف المسطرة والغايات المنشودة التي جاءت بالمشروع بالاعتماد فقط على الإمكانيات الذاتية التي وهبنا الله إياها من خيرات طبيعية وبشرية هائلة،  إذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية والصادقة والتي تمر عبر اتخاذ مجموعة من القرارات الجريئة والحاسمة والقيام بإجراءات وتدابير ذات الطابع السيادي والوطني والتضامني، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

 اعتماد سياسة اقتصادية مبنية على التوجيه والمراقبة، مع التخلي عن سياسة تحرير الأسعار وتفعيل لجن التفتيش والمراقبة لمنع الاحتكار والمضاربة في الأسعار

 التحول التدريجي نحو مجال التصنيع مع تحديث وتطوير القطاع الفلاحي

 تأميم قطاع الطاقة والمحروقات، وسحب رخص الاستغلال والاحتكار من الخواص مع نزع ملكية شركة “لسمير ” وتصفية ملفها القانوني وإعادة تشغيلها وكذا الاستمرار في تطوير الطاقات البديلة

 سحب رخص الاستغلال من كبار الموردين والمحتكرين للمواد الأساسية

 فرض ضريبة جديدة تسمى ” ضريبة التضامن ” على كبار الفلاحين والمنعشين العقاريين وأصحاب الامتيازات الذين يستغلون الموارد الطبيعية، كالصيد بأعالي البحار واستغلال المقالع…

 فسخ العقود المبرمة وسحب الرخص الممنوحة للشركات الأجنبية التي تحمل جنسية الدول المعادية للوحدة الوطنية، مع إعادة النظر في الاتفاقيات التجارية المبرمة مع الدول الصديقة والتي يسجل ميزانها التجاري عجزا بالنسبة للمغرب.

 فرض الضريبة على الثروة تماشيا مع الساسة التضامنية لبلادنا والروح الوطنية لشعبنا.

 النهوض بمجال التحصيل، من خلال تحيين مدونة تحصيل الديون العمومية وإعادة النظر في مبدأ تقادم الدين العام واستبعاد الضريبة على القيمة المضافة والاقتطاع من المنبع من مجال التقادم وتطبيق أحكام الوديعة عليهما، مع إيجاد حل جذري لإشكالية التبليغ في هذا المجال باعتماد التبليغ الالكتروني والنشر بالجريدة الرسمية والجرائد الوطنية.

وفي الختام، فإننا نعتبر مشروع قانون المالية لسنة 2023 مشروعا واعدا يمكن اعتباره بمثابة الانطلاقة الفعلية لمشروع النموذج التنموي المنشود، والذي يبقى تحقيقه رهين بتضافر جهود كل مكونات الدولة وتغليب المصالح العليا للوطن.