في أن الكتاب السياسي ليس مغربيا!

الثلاثاء 2 فبراير, 2016 10:21 حسن طارق
إحاطة -

يصدر الأربعاء القادم كتاب جديد للسياسية الفرنسية كريستين توبيرا، تحت عنوان [Murmures à La jeunesse ]،وذلك على بعد أسبوع واحد من إستقالتها من وزارة العدل ،على خلفية ما اعتبرته خلافات سياسية كبيرة داخل الحكومة، وعلى خلفية الإختلاف الحاد حول قضية التعديل الدستوري حول حالة الطوارئ ،وضمنه بالأساس مقتضى التجريد من الجنسية، بالنسبة للمتابعين في قضايا الإرهاب، من ذوي الجنسية المزدوجة.
الخروج “المفاجئ” لهذا الكتاب،يبدو منسجما مع ذكاء تواصلي جيد ، وقعت عليه أيقونة اليسار الفرنسي، في تدبير مرحلة مابعد إستقالتها، سواء إنطلاقاً من جملتها الصغيرة القوية [ parfois résiste c’est rester, parfois résiste c’est partir ] والتي صاغتها في تغريدة تاريخية ،على تويتر ،دقائق قبل إستقبالها في الإيليزي من طرف الرئيس و الوزير الأول، للإعلان عن قبول إستقالتها ،أو من خلال ندوة صحفية فور تقديمها للاستقالة ، وهو أمر ناذر ما يقع في مثل هكذا حالات، تم أساساً من خلال خروج “مشهدي”سيظل عالقا في الأذهان، عندما غادرت بكل “بساطة” وزارة العدل بساحة [ Vendôme ] على متن دراجتها الهوائية.
وصولا إلى تزامن حدث الاستقالة مع برمجة إستباقية لقناة كنال بلوس، همت وثائقيا سجل حديثا مع الوزيرة المستقيلة في آخر الأيام التي قضتها حارسة للأختام، كانت قد تحدتث خلاله عن إمكانية مغادرتها للحكومة.
قبل ذلك بقليل ،و بالضبط في الأسبوع الفارط ، شهدت الساحة السياسية الفرنسية حدث صدور الكتاب الجديد للرئيس السابق نيكولا ساركوزي ،المعنون ب:[ La France pour La vie]، وهو الكتاب الذي يندرج في سياق العودة القوية لزعيم اليمين الجمهوري للمشهد الحزبي ،و ينخرط في أفق الإنتخابات الرئاسية للعام 2017.
بالإضافة إلى الكتابين المذكورين ، تتزاحم داخل المكتبات الفرنسية ،العديد من الإصدارات الحديثة الموقعة من طرف زعماء وقادة سياسيين من مختلف الحساسيات و الإتجاهات .ألان جوبي عمدة بوردو؛الوزير الأول السابق ،و المرشح للرئاسة عن معسكر اليمين ،يواصل إصدار مؤلفات توضح مشروعه السياسي، فبعد كتابه المخصص للمدرسة العمومية[ Mes chemins pour l’école ] ،يصدر مؤلفا جديدا ضمنه تصوره لطبيعة و وظائف الدولة الفرنسية [ pour un État fort ] .
منافسه ، فرانسوا فيون ، الوزير الأول السابق ، هو الآخر أصدر كتابا تحت عنوان [Faire ]يلخص فيه رؤيته لفرنسا .
جهة اليسار الوزير الأول فالس، اختار أن يصدر كتابا صغيرا موسوما ب [ L’exigence ]ضمنه خطابه أمام الجمعية الوطنية ،إثر الأحداث الإرهابية الأخيرة لعام 2015،وهو خطاب مؤسس لجزء من فلسفة الحكومة الأمنية والسياسية لفرنسا مابعد 13 نونبر .
أما على جبهة يسار اليسار يواصل ،ميلونشون،المثير للجدل سلسلة إصداراته الحديثة بكتاب مخصص للنموذج الألماني.
في مقال صادر في جريدة ليبراسيون الفرنسية ،الخميس الماضي (28 يناير 2016 )،يستعرض الكاتب الصحافي الكبير Alain DUHAMEL ،ما يسميه إستراتيجية الكتاب السياسي، لدى الطبقة السياسية الفرنسية ،حتى أنه كاد يتحول إلى مايسميه تقليدا أدبيا مواكبا للرئاسيات الفرنسية، منذ بدايات الجمهورية الخامسة.
والواقع أن هذا التقليد ،يجر ورائه خلفية تاريخية عميقة لزواج معلن بين السياسة والثقافة ،في جمهورية الأنوار، جعلت كتابا كبار يلجون عوالم السياسة من بوابة الكتابة [توكفيل/شاطوبريون /مالرو]،كما شاءت أن يساهم كتابا وأدباء مشاهير آخرون، في لحظات مفصلية من تاريخ بلادهم السياسي من خلال منجزهم الروائي أو الأدبي [هيغو/زولا. . ].
بعيدا عن هذه الخلفية ،فالكتاب السياسي ،هنا ليس جهدا تنظيريا يتطلب كفاءة خاصة ،ولا عملا تخيليا يحتاج لحساسية أدبية رفيعة، ولا دراسة بخلفية أكاديمية وجامعية محكمة .إنه ببساطة مجرد مرافعة للفاعل السياسي دفاعا عن أفكاره ومشروعه و قناعاته ،لكن في كثير من الحالات فإن شرط الراهنية والسياق السياسي الخاص لزمن الكتابة، لايمنع من من الحصول في النهاية على أعمال قوية استطاعت أن تتجاوز لحظتها التاريخية، لتصبح جزءا من كلاسيكيات الأدب السياسي الفرنسي، كما هو الحال مثلا بالنسبة لمؤلفات فرانسوا ميتران [الإنقلاب الدائم / نصيبي من الحقيقة ]،أو كتاب بيير مانديس فرانس [الجمهورية الحديثة ].
مغربيا ،ومع الاحترازات الضرورية للمقارنة، يصح الجزم بغياب مطلق لما يمكن تسميته إستراتيجية الكتاب السياسي. إذ في حقل سياسي مبني على ما سبق للأستاذ ساعف أن وسمه بثقافة السرية و إستراتيجية الكتمان، وعلى التقاليد الشفوية و تقنيات الرموز والرسائل المشفرة، فإن لجوء الفاعلين السياسيين -وهم لايزالوا داخل زمن الممارسة – للتعبير الكتابي عن أفكارهم ومشاريعهم ،لايبدو لهم لعبة مفضلة لديهم ، كما أن اصدارهم لمؤلفات حول تصوراتهم للحياة السياسية لايمثل رهانا ذا أهمية معتبرة .
في سياق له علاقة بالموضوع،سبق لصاحب هذه السطور أن اشتغل على موضوع قريب هو [التناوب موضوعا للكتابة ]،حاولت من خلاله رصد حضور أثر حدث التناوب التوافقي (1998-2002)داخل الكتابات السياسية، ومن ضمنها كتابات الفاعلين ،لأقف-خارج إستثناءات قليلة- على ضعف واضح في مجمل ما كتب في الموضوع، قياسا بأهمية الحدث وتاريخيته.
الواقع أنه خارج جيل الحركة الوطنية، حيث تألق نموذج السياسي المثقف [علال الفاسي، عبدالله ابراهيم ،بلحسن الوزاني،عبدالرحيم بوعبيد،المهدي بن بركة …]،أو مع حالات “المثقف العضوي” كما برزت في جيل الإستقلال [عمر بنجلون، عزيز بلال،…]، يكاد السياسيون المغاربة ، من الأجيال اللاحقة،مع استثناءات قليلة [ساعف،العثماني، الحليمي….]يدبرون مسارهم وإلتزاماتهم دون أن يمكنوا عموم الجمهور المتتبع من مقاسمتهم عمق قناعاتهم و جوهر أفكارهم و تصوراتهم للتاريخ وتمثلاتهم للمستقبل ،تم ينهون تجاربهم في السياسة والحياة ،دون أثر مكتوب يخلد لمرورهم العابر ،سواء في صنف الكتابة السياسية لحظة ممارستهم وفعلهم اليومي ، أو في سجل المذكرات واليوميات،لحظة الانتهاء من تمرين التورط المباشر في التمرين السياسي.
في المجمل يصح القول إيجازا ، أن الكتاب كاستراتيجية للفاعلين السياسيين ، ليس كائنا مغربيا!