فواحد خير لكم…

الجمعة 4 مارس, 2016 11:13 أسماء بن العربي تحديث : 4 مارس, 2016 11:19
إحاطة -

منذ أيام نشرت صديقة فيديو تطلب المساعدة لإحدى الأسر.. الأسرة تتكون من سبعة أطفال أكبرهم لم تتجاوز السادسة عشر واصغرهم اقل من سنتين، الأم مصابة بمرض الزمها الفراش والاب غائب. الفتاة القاصر ذات الستة عشر سنة هي من تعتني بإخوانها وأمها المريضة، وهي المعيل الوحيد للأسرة، تخرج للعمل في مسح السيارات وبيع المناديل وطلب الصدقة لدفع الايجار ودواء الأم والمأكل…قد تتعرض للاغتصاب، وقد تلج عالم الليل، وفي أحسن الأحوال قد تتزوج لتتكرر نفس القصة.

وأنا أشاهد الفيديو وأقرأ تعليقات الشفقة تذكرت ما قاله جبران خليل جبران (كنت أشفق على ضعفكم يا بني أمي، والشفقة تكثر الضعفاء وتنمي عدد المتوانين ولا تجدي الحياة شيئا، واليوم صرت أرى ضعفكم فترتعش نفسي اشمئزازا وتنقبض ازدراء)، ما الذي يجبر أما وأبا يعيشان في بيت لا تتجاوز مساحته العشرون مترا يفتقر لمقومات العيش وليس بالضرورة مقومات العيش الكريم، وبدون دخل قار ان ينجبوا سبعة أبناء؟ في شوارعنا أيضا نصادف يوميا أطفال بدل الذهاب للمدرسة يتسولون ويشتغلون، وحولنا أطفال أكثر حظا يذهبون للمدارس، وينعمون بحياة كريمة لكن في غياب تام لوالديهما، حيث يوكلون الامر لمربية او الى فرد اخر من العائلة او في بعض الاحيان يلعب التلفاز دور المربي الأول. من المسؤول؟ وبأي ذنب ولد كل هؤلاء الاطفال؟ هل لو كان لهم الحق في الاختيار كانوا سيختارون القدوم لهذا العالم؟

لا احد ينكر ان الاطفال من نعم الله العظيمة، وهم زينة الحياة الدنيا، لكن هم قبل كل شيء مسؤولية، وكباقي المسؤوليات فمن الطبيعي ان تختلف قدرة الاشخاص على تحملها، لذا لستم مجبرين ان تكونوا صورة من المجتمع، لستم مضطرين لإنجاب طفل في السنة الاولى من الزواج حتى تتفادوا اسئلة الفضوليين وتثبتوا سلامتكم من كل الامراض، ولستم مضطرين لانجاب اخ او اخت لابنكم الاول لإرضاء المجتمع ، والثالث والرابع حتى لا تختلفوا عن اقاربكم او زملائكم، ولن ينقرض الجنس البشري اذا قررتم عدم الانجاب لان مسؤولية الاطفال تفوق قدراتكم، فالإنجاز ليس ان تنجب اطفالا، تعتبرهم مشروعا تكسب منه، أو لتضمن استمرار حياة زوجية ، أو من باب التكاثر وحسب، لكن الانجاز هو أن تصنعهم، أن تربيهم تربية حسنة، أن توفر لهم حياة كريمة، وليس للجميع  القدرة على ذلك بالتأكيد.

أنجب من تستطيع أن تمنحه الاهتمام، أن تجعل كل من يراه يدعو لمن أنجبه أو رباه لا أن يدعو عليه، وللأسف في كل المشاريع والتجارب التي تخوضها في الحياة تستطيع عندما تتعب او تسوء الامور ان توقف المشروع او التجربة او قد تتملص من المسؤولية الشيء الذي لا تستطيع او بالأحرى لا يجب فعله تجاه اطفالك حتى لو استطعت، لأنك اتيت بهم للحياة باختيارك ولهم الحق في محاسبتك على كل خلل في تربيتهم، على تهاونك او عدم اهتمامك، ان لا تطلب منهم ان يطيعوك ويبروك ان لم تساعدهم على ذلك.

ان تنجب واحدا وتمنحه كل ما في استطاعتك وتكرس حياتك له خير من ان تلد دزينة اطفال ويكون اسوء ما قدمت لهم هو ان اتيت بهم للحياة.

فلا تنجب إذا كان الهدف فقط ان لا تبقى وحيدا عندما تكبر.

لا تنجب لتجد من يدعو لك بعد وفاتك لان الصدقات الجارية لا تقتصر على الاولاد.

لا تنجب اذا كان الهدف فقط اشباع غريزتك. فمتع الحياة كثيرة لا تختزلها في الاطفال.

لا تنجب اذا كان الهدف فقط استمرار لجيناتك واسم عائلتك.

لا تنجب لتقامر بحياة انسان، قد تسعده وقد تكون سببا في بؤسه وقهره.

لا تنجب لتنقل لأطفالك عقدك النفسية، ولتفتخر بهم عندما ينجحون وتتذمر منهم عندما يفشلون.

لا تنجب لتذكر اطفالك عندما يخالفونك بالتضحيات التي قمت بها لأجلهم والخسائر المادية، لانهم ببساطة لم يطلبوا منك ذلك، انت من اخترت ان تنجبهم وما قدمت لهم لا يتجاوز حدود الواجب.

لانتجب اذا لم تكن تؤمن بأن الطفل يولد صفحة بيضاء، وانت من سيكتب عناوينها الكبرى والكثير من تفاصيلها الصغرى، فلتفكروا اكثر من مرة قبل الانجاب، ولتفكروا عشرات المرات في ماذا ستكتبون..