رمضان والتلفزيون : 2 – الاستسهال

الأحد 5 يوليو, 2015 13:56 جمال الخنوسي تحديث : 5 يوليو, 2015 14:09
إحاطة -

توقف بنا الحديث في المقال الأخير إلى أن مسؤولية الفشل الذريع الذي تعرفه إنتاجاتنا التلفزيونية في رمضان (أو غيره) تكمن في فساد المنظومة الانتاجية في مختلف مراحلها.
دعونا اليوم نتحدث عن مكون أساسي في العملية الانتاجية، بل يعتبره الكثيرون الأهم والأقوى، والحديث هنا عن السيناريو.

ولابد من الإشارة إلى أنه من مظاهر التسرع، وتقديم الأجوبة الجاهزة، وغير المقنعة التحجج ب “أزمة سيناريو” أو اعتبار تدني مستوى السيناريو لعنة لصيقة بنا وسببا لكل الشرور.

صحيح أن جل الأعمال الرمضانية تشكو ضعفا كبيرا في الكتابة وأبسط أصولها : ف”نايضة فالدوار” رمز للخواء المبين، وجنس تلفزيوني لا تعرفه سوى القناة الثانية، و”ألف ليلة وليلة” لغو وسفسطة، الأمر نفسه بالنسبة إلى “مرحبا بصحابي” و “فالصالون”… وكلها منتوجات متسرعة ولم يبدل فيها أدنى مجهود في مايخص الكتابة.

ما السبب إذن؟ الأسباب كثيرة ومتعددة سنتوقف عند بعضها:

أولا : الاستسهال في الكتابة حيث يقوم البعض بتدوين 30 حلقة بمفرده: بمشاهدها وحواراتها وملامح شخوصها… وكأنه عبقري زمانه في حين أنه سلوك غير موجود حتى في أعرق البلدان المتجدرة في الانتاج التلفزيوني. فتعدد الكتاب يعطي غنى للعمل ويقلل من مكامن الضعف. وفي كارثة “نايضة فالدوار” أحسن مثال، حيث كاتبة السيناريو شخبطت 30 حلقة هذه السنة، كما شخبطت 30 أخرى في السنة الماضية مع « كنزة فالدوار ». وقد استفحل هذا الاستسهال حتى أصبحنا نرى أصحاب شركات الانتاج و”عائلاتهم الموقرة” تتطاول على الكتابة دون أن يرف لها جفن.. وسيكون الأمر مستساغا لو أن النتيجة جيدة بل الواقع كارثي بكل المقاييس، وكبسولة “فالصالون” أحسن مثال.

ثانيا: قلة الوقت حيث الفاصل الزمني بين قبول المشروع وبداية التصوير قصير جدا لدرجة أن شركة الانتاج تستعجل الكتابة، وبالتالي التصوير، لتسليم المنتوج في الوقت المحدد، بل إن نتائج طلبات العروض تظهر في القناة الثانية قبل حوالي شهرين عن حلول رمضان، فيما تتقلص هذه المدة في القناة الأولى لتصل إلى شهر ونصف. وهذه إحدى موبقات دفاتر تحملات وزير الاتصال، مصطفى الخلفي، سامحه الله في هذا الشهر الفضيل.

ثالثا: الركود، حيث قام المسؤولون، لا في الوزارة ولا في القنوات، على مدى السنوات الأخيرة، بإيجاد حلول للأمور الشكلية والتقنية (دفاتر التحملات.. طلبات العروض..)، مع إغفال المضمون وطريقة إنتاجه وتتبعه وتحسينه حيث يتم تكرار التجارب والأخطاء والمواضيع وبالتالي إعادة إنتاج القبح مع كل موسم.

هل نحن عقيمون إلى هذه الدرجة : لا أظن ذلك، فقد أتبت تجارب فردية وأخرى جماعية، أن تقديم نصوص جيدا أو على أقل مقبولة وسائغة أمرا ممكن جدا، كما أن أسماء كثيرة تتميز بذكاء كتاباتها وتمكنها من تقنيات السيناريو، تعيش العطالة لأمرين اثنين: أولا لأنها تطلب المقابل المادي المناسب لقيمتها ومستواها ومجهودها، وثانيا تطلب الوقت اللازم لإتمام عملها بكل ما يتطلبه من احترام وتدقيق، في حين أن هذه أمور مرفوضة بالنسبة إلى معظم الشركات المنفذة للانتاج التي يعميها الجشع واللهطة. فتكون النتيجة الاعتماد على كتاب هواة وقنوعين بشكل تام.

يجب أن نعيد النظر، من الآن، في منظومتنا الفاسدة التي تنتج هذا المضمون الضامر والهزيل، وعلى القنوات التلفزية خلق ميكانزمات لتتبع مراحل الكتابة من أولها إلى آخرها، وتوفر الكفاءات والموارد البشرية اللازمة لذلك، وتضع الموارد المالية اللائقة لإنتاج مضمون محترم بالرغم من تهديدات وزير الاتصال المتكررة بإفقار الميزانيات أكثر مما هي عليه، وإلا ستبقى القنوات في غيها، والانتاجات في حضيضها إلى الأبد.

إن الإنتاجات الأمريكية تعرف نجاحا باهرا لأنها أولا وأخيرا وضعت الكاتب أو السيناريست في قلب معادلتها الإنتاجية فيما نحن نغبن حقوقه المادية والمعنوية ليحقق المخرج والمنتج المنفذ الثراء الفاحش.. وللحديث بقية.