هل هي العودة إلى الثقافة ؟

الجمعة 15 أبريل, 2016 09:29 حسن طارق
إحاطة -

نظمت مؤسسة عبد اللطيف اللعبي للفكر والثقافة، الأسبوع الماضي، احتفالية فنية وأدبية، تخليداً لذكرى خمسين عاماً على صدور مجلة “أنفاس” التي ظهرت في الفترة الملتهبة في المغرب، من نهاية الستينيات إلى حدود بداية السبعينيات، وطبعت بقوة الحقل الثقافي والسياسي في المغرب، وشكلت عنواناً صارخاً لمغامرة ثقافية وشعرية وفكرية وجمالية وتشكيلية، منخرطة في أفق الحداثة، ومرتبطة بالتحولات السياسية التي رافقت ولادة اليسار الجديد بأسئلته السياسية والثقافية الحارقة.
واستحضاراً لتقليد ثقافي، كاد يتعرض للاختفاء، تداعى كتابٌ وشعراء ومثقفون مغاربة لإصدار بيان تضامني مع الطبقة العاملة، بمناسبة المسيرة الاحتجاجية التي كان مُزمعاً تنظيمها في الأسبوع الأول من إبريل/ نيسان الجاري في الدار البيضاء، بدعوة من نقاباتٍ عمالية.
اعتبر البيان أن انخراط المثقفين المغاربة في هذه المعركة الجديدة ينفي “كل أطروحة مُروِّجة لموت المثقف والثقافة، إذ إن المثقفين ليسوا في حاجة إلى إثبات حضورهم العلمي والاجتماعي والسياسي والثقافي، مثلما أنهم ليسوا في حاجةٍ إلى إثبات طليعيتهم المناضلة، في ما يخص المساهمة في ترسيخ قيم الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان. وجاء في البيان أنه، بإسناد المثقفين كل “الأصوات النقدية المرتفعة ضد واقعٍ يُراد له أن يكون قدَراً يستبدّ بالأحلام والطموحات، فقد انحازوا إلى مواقفهم التاريخية الأصيلة، حيث ظلوا يخوضون تجارب قصـوى في الارتباط الجدلي بقضايا الأمة، منذ أيام الجمر والحِجْر والوصاية، إلى أيام التبخيس والارتذال. إن الدفاع عن قضايا الأمة العادلة، من موقع الثقافة النقدية واشتراطاتها، لمِمّا يعترف للمثقفين بأدوارهم الطلائعية في التغيير، على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية”.
وتحدث الشاعر والروائي محمد الأشعري، في الأسبوع الماضي، في الرباط عن “إصلاح الثقافة وثقافة الإصلاح”، وأكد على ضرورة إعادة تمثل فكرة الإصلاح، القائمة على تحقيق التقدم المادي. وشدّد على محورية “التحول الثقافي” في محاربة “التطرف”، وإنجاز أي إصلاح عميق، يثمن ورش الإصلاح في مختلف المجالات. وعلى ضرورة إحداث “قطيعة” في النظام التعليمي الحالي، واتخاذ قراراتٍ حاسمةٍ بخصوص القضايا الخلافية حوله، من أجل بناء مواطن مغربي مبدع، ومتفاعل مع ثقافته الوطنية، ومستوعب للحركات الثقافية حول العالم. وأعرب عن رفضه القوي للدعوات إلى لفظ الأدب من المدرسة المغربية، والمغالية في التركيز على المسالك العلمية والتقنية. وأوصى بتشجيع تدريس مختلف اللغات، الوطنية والأجنبية، وجعل الأدب مادة أساسية في كل مراحل التعليم.
ودعا وزير الثقافة السابق والرئيس الأسبق لاتحاد كتاب المغرب إلى تشجيع المقاولة الثقافية، وسوق استهلاك المنتوج الثقافي، وتعزيز بنيات الاستقبال الثقافي وبرامج التنشيط الثقافي والمواعيد المحتفية بالفكر والثقافة، من أجل تكوين مواطن منتجٍ للحداثة في سلوكه اليومي، وفي علاقته مع الآخر والبيئة والذاكرة والمستقبل.
ليس بعيداً عن هذه الروح، أطلق سينمائيون وكتابٌ وفنانون، بدعمٍ من المجتمع المدني والقطاع الخاص وبعض المؤسسات العمومية، ما سموها الحملة الوطنية للثقافة، مشروعاً يرمي إلى تشجيع أكبر عدد من المواطنين المغاربة على قراءة ثلاثة كتب كلاسيكية، والاستماع إلى عشرين مقطعا موسيقيا كلاسيكيا، وأيضا اكتشاف عشرين لوحة فنية لكبار الفنانين التشكيليين. وسوف تكون هذه الأعمال متاحة للتحميل عبر الموقع الخاص بالحملة، أو بشراء المجموعة الكاملة.
في السياق نفسه، أصدر، الثلاثاء الماضي، معهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو إحدى الديناميات الشبابية المنبثقة عن حراك 20 فبراير، المهتمة بالمساءلة المدنية للسياسات، تقريراً عن السياسات العمومية الثقافية في المغرب، كان من أبرز خلاصاته غياب سياسة عمومية حول الثقافة لدى الوزارة الوصية على القطاع.
تشكل هذه الفعاليات المتزامنة امتداداً طبيعيا لدينامياتٍ ثقافية غير مسبوقة، عرفها المغرب بعد 2011، وتمثل رهانها المشترك في استعادة المجال العمومي وتملك الفاعلين الثقافيين له، بعدد مهم من المبادرات ذات العلاقة بالقراءة والفلسفة والمسرح، والتي تستثمر الشارع العام، أو فضاءات التواصل الاجتماعي. لكن، ما الذي يجمع كل المبادرات والأفكار والمشاريع؟
الأكيد أن ثمة طلباً متجدداً على الثقافة، يعي كنه التحولات التي طاولت الحقل الثقافي، بمضامينه وفاعليه ومتغيرات علاقته بالحقل السياسي، وحجم الرهانات المجتمعية والسياسية المطروحة على عاتق الشرط الثقافي، في إنجاز التحول التاريخي المفتوح على أفق المواطنة والديمقراطية والعقلانية.
والمؤكد أن ثمة عودة للوعي، بما يسميه أمين معلوف الاختيار الثقافي، كاختيار مركزي للسياسات وللفعل العمومي، اختيار يجعل الإبداع في قلب معركة بناء المستقبل.