“انتحار المنطق”.. فصل لم يُنشر في كتاب “آخر كلام”

السبت 23 يوليو, 2016 11:13 يسري فودة تحديث : 25 يوليو, 2016 12:32
إحاطة -

“القوانين وحدها لا يمكن أن تضمن حرية التعبير؛ فمن أجل أن يعبر كل إنسان عن وجهة نظره دون عقاب لا بد من أن يتوفر حد أدنى من التسامح بين الناس”- ألبرت آينشتاين
لسنوات طويلة من بعد عام 1956، صارت مصر تحتفل في الثالث والعشرين من ديسمبر/كانون الأول كل عام بما أطلقت عليه القيادة السياسية آنذاك “عيد النصر”. كانت الحقيقة في الواقع هزيمة عسكرية واضحة للعيان بعد احتلال سيناء وقناة السويس من جانب جيوش ثلاث دول قوية عسكريًّا، هي بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. لكنّ الضمير الجمعي المصري احتفى بها عن حق نموذجاً لقوة الإرادة وصلابة المقاومة أمام اختلال الموازين، خاصةً في مدن القناة. في الوقت نفسه، انبثق منها جمال عبد الناصر زعيماً إقليميًّا مُهاباً لأسباب لم تكن تتعلق بما حدث على أرض الميدان بقدر ما كانت تتعلق بصراع قوى عظمى على خريطة العالم الجديد في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
لم يكن كثيرون بين أجيال متراكمة من المصريين يعلمون هذا عندما قررنا في حلقة الثالث و العشرين من ديسمبر من عام 2013 أن نرصد بالقلم والورقة ما يحدث على أرض سيناء على مدى الشهور الستة الأخيرة، من بعد الثلاثين من يونيو حتى قبيل نهاية عام زاخر بأحداث تاريخية. كان هذا جانباً مما قلناه في افتتاح تلك الحلقة:
“الحرب الخامسة لجيش مصر في العصر الحديث على أرض سيناء، طرفها الآخر هذه المرةَ للأسف الشديد مجموعة من أبناء الوطن مع مجموعة من غير أبناء الوطن يعتبرون أن أبناء القوات المسلحة كلهم كفرة ينبغي قتالهم حتى الموت. يا حزن مصر التي سقتهم وأطعمتهم وآوتهم، ويا فرحة الإسرائيليين. .. حصادٌ مرٌ من يوليو هذا العام حتى اليوم على رمال سيناء: نحو مائة قتيلٍ في صفوف القوات المسلحة والشرطة وأكثر من خمسين في صفوف المدنيين ونحو أربعمائة وخمسين مصاباً. وفي مقابل هذا نحو مئتي قتيل في صفوف الجماعات التكفيرية وأكثر من مئتي مصاب، بينما تمكنت القوات المسلحة من إلقاء القبض على أكثر من ثمانمائة منهم. هذه حربٌ مفتوحة قواعدها غير تقليدية وبيئتها معقدة وظروفها صعبة، لكنها أول حرب من نوعها على هذا النطاق تدخل مباشرةً في إطار صراعٍ سياسي على السلطة بعد الثلاثين من يونيو”.

ثم انطلقنا في مناقشة متزنة “منطقية” مبنية على حقائق وإحصاءات ومعلومات منسوبة إلى مصادرها المعنية وتحليل مستنير “منطقي” مع كل من اللواء أحمد رجائي عطية، مؤسس الفرقة 777 لمكافحة الإرهاب، والدكتور كمال حبيب، المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، وسعيد أعتيق، الناشط السياسي السيناوي. حتى انتهت الفقرة الأولى وخرجنا إلى فاصل، فهرول إليّ أحد زملائي وعلى وجهه ابتسامة مندهشة.
* أستاذ! الشؤون المعنوية (للقوات المسلحة) اتصلوا وبيسألوني إحنا جبنا الأرقام دي منين
– وقلتلهم إيه؟
* قلتلهم زي ما عملنا بالظبط ..
وما عمله زميلي مع بقية الزملاء بالضبط وببساطة أنهم جمعوا، بتكليف مني، كل البيانات الرسمية الصادرة عن المتحدث الرسمي للقوات المسلحة خلال الفترة المعنية، من أول يوليوز حتى اليوم (23 ديسمبر 2013)، بيانًا بيانًا. قاموا بدراستها حرفًا حرفًا وباستخلاص المعلومات والإحصاءات معلومةً معلومة ورقمًا رقمًا، ثم قاموا بمهمة حسابية بسيطة في متناول تلميذ الصف الرابع الابتدائي جمعًا وطرحًا وضربًا وقسمة.
لدى هذه النقطة ظننت أن الأمر انتهى وأنه لم يكن ليتعدى مجرد شغف ضابط صغير عندما رأى أرقامًا تبدو كبيرة و ربما فاته من أين استيقناها. لكنّ ما علمته أثناء الفاصل الثاني لم يكن ليقبله أي عقل ولا أي منطق. قال لي زملائي إن اتصالًا هاتفيًا آخر من إدارة الشؤون المعنوية كان غاضبًا وأن ضابطًا كبيرًا قال لهم إنه لم يكن ينبغي عليهم أن يقوموا بجمع أرقام الضحايا حتى لو كانت واردة في بيانات رسمية متفرقة، وأن الوزارة كلها “مقلوبة”.
كتمت في نفسي بصعوبة لفظاً مصرياً شعبياً يتكون من ثلاثة أحرف وأنا أجهد في تربية مجموعة منتقاة من الصحفيين الشباب المخلصين المهذبين. “ولا يهمّكم .. أنتم صح و هو غلط .. ولو حد اتصل بيكم تاني حوّلوه عليّ”.
انتحر المنطق في تتويج رائع، يحتل مساحة مأساوية بين الضحك والبكاء، لحالة الهيستيريا التي تلبّست طرفاً من المصريين على مدى الشهور القليلة الماضية. ويبدو أن المنطق الذي انتحر عندئذ قرر لاحقاً، بعد ذلك بأكثر من عام ونصف العام، أن يعود إلى الحياة مرة ثانية لمدة دقيقة واحدة قبل أن ينتحر مرة أخرى عندما كُشف النقاب، في بداية شهر يوليوز 2015، عن مشروع قانون لمكافحة الإرهاب. في ظل مشروع القانون هذا “يُعاقَب بالحبس الذي لا تقل مدته عن سنتين كل من تعمد نشر أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أي عمليات إرهابية بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية”. وهو ما يصعب معه مقاومة طرح هذا السؤال: ما هي إذاً عقوبة ضابط يوبخ صحفيّاً التزم حرفيّاً بنصوص “البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية”؟ وماذا عن نشر أخبار أو بيانات حقيقية تخالف البيانات الصادرة عن الجهات المعنية؟ والأكثر طرافة، في ظل مبدأ رديء يفرغ العمل الصحفي الجاد من معناه، وصياغة لغوية أكثر رداءةً في أكثر الموضوعات حساسيةً، أن يقف محامٍ عن متهم بالإرهاب شاهراً بياناً لجماعة “أنصار بيت المقدس” كي يحتج أمام المحكمة: “عدالة القاضي .. هذا، كما هو واضح، بيان رسمي صادر عن جهة معنية!”