الإسلام في خدمة المرسيدس

السبت 27 أغسطس, 2016 11:15 جمال الخنوسي
إحاطة -

دعونا نبتعد قليلا عن تفاصيل حكاية مولاي عمر بن حماد وزميلته السابقة في حركة التوحيد والإصلاح فاطمة النجار، ولننظر إلى كل التفسيرات والتبريرات التي منحها الأتباع في الحركة وفي ذراعها السياسي حزب العدالة التنمية، لما اقترفا من فعل فاضح في الطريق العام، خصوصا أن بطلا الفضيحة راشدان جعلا من الفضيلة رأس مالهما الدعوي، وأساس المشروع المجتمعي والسياسي الذي يصبوان إليه.
لكن قبل ذلك، لابد من التأكيد على أن «القانون الجائر » الذي يتابع به بن حماد والنجار هو نفسه الذي يتابع به العلماني والحداثي والاسلامي والنباتي… وكل المغاربة على حد سواء، والعشيقان مطالبان غدا أو بعد غد ومعهما جماعتهما لتغيير هذا الحيف، وتعديل الجور أمام المؤسسات التشريعية دون تردد، فالقضية ليست أخلاقية، بل تشريعية في الأساس لأننا بكل بساطة نعتمد قوانين من القرون الوسطى لتدبير أمورنا في القرن الواحد والعشرين.
أما الآن فدعونا نستعرض ردود أفعال بعض أفراد الجماعة بعد انفجار فضيحة السكيزوفرينيا إياها. في البداية كانت محاولات التخوين والتشكيك وضرب مصداقية المصالح الأمنية التي “تتربص”  و “تستهدف”، ثم جاءت اعترافات المتهمين لتقطع مع كل هذا، وبالتالي بدأ البحث بالنسبة إلى بعض الإخوان في حركة التوحيد والإصلاح عن مخرج للفقيه والداعية.
أحمد الريسوني، المسؤول عن اللجنة العلمية بالحركة، قال إن “الأستاذين الفاضلين يلتقيان من أجل تدبير زواجهما الشرعي القانوني المرفوض عائليا ». وأضاف” ولأجل تسويغ مجرد لقاءاتهما التشاورية والتحضيرية، وإخراجها من كل شك وشبهة أمام الله تعالى، عمَدَا إلى الاتفاق وإجراء زواج عرفي مؤقت، بما فيه من إيجاب وقبول وإشهاد وصداق، في انتظار توثيقه وفق القانون، بعد تحقيق التفاهمات العائلية اللازمة ». واتهم الريسوني السلطات الأمنية بترصد وتتبع الضحيتين لعدة أسابيع من أجل الإطاحة بهما وتحقيق انتصار على قياديين إسلاميين حسب تعبيره.
الريسوني الذي يستجدي التبريرات لفضيحة جنسية هو نفسه الذي يهاجم الفن والموسيقى والغناء والمهرجانات وكل شيء جميل في الحياة، ويعتبر موازين « المهرجان المتفرعن الذي يحظى بالرعاية الملكية » .. الريسوني نفسه الذي وصف الأساتذة المتدربين في عز معركة المرسومين بــ”الكسالى والخاملين » من أجل عيون بنكيران وحكومة العدالة والتنمية.
من جهته، يقول الداعية السلفي حماد القباج، والمرشح باسم حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة، “رغم من يُحاول تلويث سمعتها الطاهرة؛ ستبقى سمعة الأخت الداعية فاطمة النجار شامخة تحدث الأجيال الحالية بدروس الاستقامة والعفة التي يتصل سندها بدعوة الإسلام الأولى التي أشرقت شمسها على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم .. ومن أبرزهم الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما؛ أم المؤمنين وحبيبة رسول رب العالمين، التي حاولت كلاب الفجور السياسي أن تلغ في عرضها الطاهر بلعاب نجس نتن .. فذهبت النجاسة وبقيت الطاهرة صامدة في طريق الدعوة والتبليغ عن الله ورسوله؛ مفتية يرجع إليها العلماء في كبرى المسائل والقضايا، ومحدثة يصنفها علماء الحديث في درجة المكثرين من الرواية، وفقيهة ومفسرة وشاعرة ..
رصيد علمي متميز ومجهود دعوي فائق وإصلاح سياسي وتربوي توخى المصلحة والخير للأمة؛ مع تعبد متين وخلق قويم..
سيرة مباركة غسلت نجاسة الإفك سبع غسلات آخرهن بالتراب ..
فبقيت بإرادة الله تعالى طاهرة مطهرة تقدم لأخواتها من كل الأجيال القدوة الحسنة في الصبر والتضحية والاستمرار في طريق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وإن أفك الأفاكون وافترى المفترون .. ».
نحن هنا إذن أمام مظهر غريب من مظاهر لوي عنق الإسلام لتفسير ما وقع وتبريره، حيث لم يعد الداعيتان في خدمة الدين الحنيف ونشر الفضيلة، بل إن الإسلام وتفاصيل الإسلام وعبر الإسلام هي التي أصبحت في خدمة تفسير وتبرير وشرعنة حادثة المرسيدس.
إنها انتهازية دينية تجعل من الإسلام مطية لتحقيق مآرب شخصية، كما يستعمله آخرون للوصول إلى الكراسي والمكاسب والغنائم السياسية .
إن استغلال الدين في أمور الدنيا لا يخلق هذا النوع من الانتهازية فحسب، بل يمكن أن يمثل برميل بارود قابل للانفجار في أي وقت. ففي الوقت الذي يقول فيه الريسوني ما قال سابقا عن الزواج، فإن الشيخ محمد الفزازي يرى أنه “إذا كان الزواج بإخبار الأب والاتفاق بين الرجل والمرأة وكتابة الاتفاقية في ورقة لمدة معينة فهذا ليس زواجا هذا زنا، وهذا زواج متعة عند الشيعة ، وأي زواج أخل بركن أساسي من أركان الزواج فهو باطل”. الزواج الصحيح يكون باستيفاء كل الأركان المعروفة في الإسلام من صداق وشاهدي عدل ويسبق هذا صيغة القبول والرضا ثم الإعلان، وهناك من يقول أن الإعلان هو الإشهاد، لكن الإشهاد هو أقل من الإعلان، وهنا الفرق بين السفاح والنكاح لأن النكاح معلن والسفاح سري، ولا يوجد ما يسمى زواج سري لأن الزواج هو الإعلان أصلا ، وباستيفاء هذه الشروط لا يسمى زواجا عرفيا أو زواج متعة أو زواج بالفاتحة بل يسمى زواجا شرعيا، أما التوثيق فهو من ضروريات العصر، وقبل العمل به (التوثيق) كان الزواج باستيفاء أركانه حلالا، والمغرب يعمل بهذا، والدليل هو أن السلطات تذهب للقرى والجبال لتنجز ما يسمى بثبوت الزوجية.. ».
الحادث كشف إذن أن لكل فريق سياسي إسلامه الخاص، فما يعتبره البعض زواجا شرعيا.. يعتبره الفيزازي باطلا. أي أن التعامل الانتهازي مع الدين لا يزيد إلا في التفرقة والتشتت، كما كان الأمر عبر التاريخ الإسلامي حيث حروب الدم التي كانت ترفع فيها المصاحف على رؤوس السيوف.

المأزق الحقيقي للإسلاميين بتجلى في كونهم يبحثون عن مخرج شرعي لقضية كانوا يعادونها بشراسة. وما طالب به العلمانيون والحداثيون بالأمس واليوم باسم الحريات الفردية، انطلق الإخوان في الحركة والحزب يستجدون له مصوغات شرعية بعد فضيحة المرسيدس بأي طريقة.. أي أن استغلال الاسلام في أمور السياسة سيكون الخاسر فيه الإسلام أولا وأخيرا.