نحن والقباج والشمبانزي

السبت 3 سبتمبر, 2016 17:53 صوفيا التازي
إحاطة -

قرأت مؤخرا مقالا لشيخ سلفي مغربي في محاولة فاشلة منه لتفنيد نظرية التطور لشارلز دارويين، كذب فيه ما جاءت به النظرية استدلالا بآيات قرآنية و ببعض الأفكار الخاطئة إن صح القول، في غياب تام للمناقشة العلمية المنطقية و الموضوعية، بل نسي في أكثر من موضع مصدر معلوماته مستعينا بجملة “كتاب نسيت اسمه الآن” ..

شيء مبهج أن يناقش مغربي نظرية بهذا الحجم، مهما كان موقفه منها، مع أو ضد، لكن المؤسف في الأمر و الكارثي بما تحمله الكلمة من معنى أن يناقش النظرية عن جهل، مساهما بتمرير مغالطات و أفكار خاطئة للقارئ. بتعريف مبسط و محايد، تقول النظرية بأن الإنسان بشكله الحالي جاء عن طريق شيء إسمه التطور، تطور عبر ملايين السنين إلى أن وصل إلى شكله الحالي، و ذلك عبر عملية تغيير في الصفات الجسمية المتوارثة أو عملية تغيير في الشيفرة الوراثية عبر الاصطفاء الطبيعي.

و من ضمن المغالطات التي مررها الشيخ في مقاله هي أن النظرية تقول أن الإنسان أصله قرد، و هذه المغالطة تبين مدى جهل قائلها بالنظرية، و الصحيح حسب دراسات دارويين هو أن النوع البشري يشترك مع القرد في سلف مشترك عاش قبل ملايين السنين، خلاصة هذه الدراسات العلمية هي كون الشمبانزي أقرب أقربائنا التطوريون، بحيث وقع الانفصال على المستوى الوراثي بين سلف البشر و سلف الشمبانزي قبل مدة تتراوح من 4 إلى 6 مليون سنة (حسب أبحاث مجلة نايتشر 2012)، لذا فنحن لا ننحدر من فصيل القردة بل نشترك معها في العديد من الصفات.

وردا على مغالطات الشيخ الذي لم يطلع أصلا على المراجع العلمية للنظرية، أحب أن أخبرك أنها نظرية معترف بها في كافة الأوساط العلمية في العالم، و عليها آلاف الأدلة الملموسة في أي متحف علوم كالأدلة الاستحاثية و الوراثية و البيوجغرافية و السجل الأحفوري و دلائل علم الأجنة، كما أنه لا يوجد دليل علمي واحد يخالفها. كما قام داروين في الكتاب الإطار لنظريته “أصل الأنواع” بوضع فصل خاص تحت عنوان “عقبات النظرية” أورد فيه كل نقاط ضعف النظرية داعيا الباحثين إلى دراسة هذه النقط لإيجاد أجوبة كافية للتطور، لذا يكفي أن تفند النظرية ببحثك عن دلائل علمية ملموسة لا أن تأتي بأفكار أسطورية لامنطقية.

و على ذكر المنطق الذي تطرقت إليه في مقالك أيها الشيخ الجليل، ف”كارل بوبر” فيلسوف العقلية العلمية يرى أن المعيار الوحيد و الأوحد لاعتبار نظرية ما نظرية علمية هي قابليتها للتكذيب و التفنيد، على عكس النظريات المزيفة الغير علمية التي تدعي أنها يقينية و مطلقة دون أي ثغرات، مثلا نظرية نيوتن للجاذبية هي أيضا نظرية لكنك لا تستطيع الطيران لأنك ستقع على رأسك أو أي موضع آخر بسبب الجاذبية، و هذا شيء واقعي نراه بالعين المجردة (حقيقة علمية). فبدون نظريتا النسبية و الجاذبية لن تستطيع مثلا استخدام GPS ولا بث و مشاهدة القنوات التلفزية و الإذاعية. كونك شيخا متخصصا بالكتاب المسطور لا يمنعك أبدا بالبحث في العلم المنظور و خير مثال على ذلك د.عدنان ابراهيم الذي ناقش النظرية علميا و منطقيا في سلسلة مطولة، لكن أن تناقشها عن جهل فذلك عين العبث.