الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إشكالية «الخطيئة الأولى» والبحث عن المعنى

الاتحاد الاشتراكي
محمد أمغار .. دكتور في العلوم السياسية

د. محمد أمغار*

إن التحول الذي عرفه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وأوصله إلى وضعه الحالي، لا يمكن تفسيره فقط بالخلافات والاحتكاكات بين أطره ومناضليه، أو باختلاف التقديرات السياسية والتنظيمية، بل يرتبط بتحولات أعمق مست بنية الحزب وعلاقته بالمجتمع والطبقات الاجتماعية التي شكلت حاضنته التاريخية.

ويمكن تسمية أحد جذور هذا التحول بـ«الخطيئة الأولى»، المرتبطة، في جانب منها، بتجربة المشاركة الحكومية والانتقال من موقع المعارضة والاحتجاج الاجتماعي إلى موقع تدبير الشأن العام، خصوصاً مع قبول المشاركة في حكومة الوزير الأول إدريس جطو والحكومات اللاحقة. فقد وجد الحزب نفسه أمام ضرورة تقديم تنازلات لتوفيق بين مرجعيته الاجتماعية وخطابه التاريخي القائم على العدالة الاجتماعية وبين ضرورات التدبير والاقتصاد والمالية العمومية والتوازنات السياسية، بما فيها تفعيل توصيات المؤسسات المالية الدولية التي كان خطابه السابق ينتقدها وبشدة . وأدى ذلك تدريجياً إلى اتساع المسافة والهوة بين حزب القوات الشعبية وجزء غير يسيرمن قواعده الاجتماعية.

الاتحاد الاشتراكي لم يكن مجرد تنظيم انتخابي

ولفهم حجم هذا التحول، يجب استحضار الاتحاد الاشتراكي خلال ثمانينيات القرن الماضي، حين لم يكن مجرد تنظيم انتخابي، بل كان جزءاً من المجال الاجتماعي والسياسي الذي عبرت من خلاله قطاعات واسعة عن مطالبها. وكانت تربطه بالجماهير شبكة من المناضلين والأطر والنقابيين والمثقفين والطلبة والفاعلين الجمعويين، كما لعبت الطبقة الوسطى المتعلمة والمثقفة دوراً مهماً في الربط بين القيادة والجماهير وتحويل القضايا السياسية الكبرى إلى مطالب اجتماعية يومية تلامس الواقع المعاش ولاتصطدم مع المتخيل الجمعي.

لذلك كان الحزب آنذاك يمتلك رأسمالاً بشرياً وسياسياً واجتماعياً يتجاوز مجرد التنظيم الانتخابي الى طرح البدائل الاقتصادية والاجتماعية . غير أن التحولات اللاحقة،وتجربة المشاركة في الحكومات ادت الى تراجع دور الأطر والمناضلين، مما أضعفا الجسر الرابط مابين الحزب والقوات الشعبية ، ودفع قيادة الحزب في محطات انتخابية مختلفة إلى الاعتماد على الأعيان والشخصيات ذات النفوذ المحلي التي تمتلك شبكات انتخابية جاهزة الشيء الذي ادى الى انسحاب ماتبقى من الطبقة الوسطى المحرك الحقيقي للجماهير الشعبية .

الفرق بين المناضل القاعدي المرشح الانتخابي الجاهز

وهنا برز الفرق بين المناضل القاعدي الذي يتدرج داخل دوالب الحزب عبر سنوات من العمل والتواصل وبناء الثقة مع الجماهير الشعبية ، وبين المرشح القادم برصيد انتخابي جاهز لاعلاقة له بادبيات الحزب ومطالب الجماهير . فبعدما كان المسار يقوم على التدرج من المناضل المحلي إلى المسؤول الإقليمي والجهوي ثم المؤسسات الوطنية،
أصبح منطق «السرعة الانتخابية» أكثر حضوراً، على حساب التغلغل في المجتمع أي البحث عن الشخص القادر على تحقيق النتيجة في أقصر وقت. وقد يوفر هذا المنطق نتائج ظرفية، لكنه قد يزيد المسافة والهوة بين الحزب والمجتمع، ويحول المرشح إلى اسم يظهر خلال الانتخابات ثم يختفي بعدها.وانتقل الحزب من مبدأ لاتهمنا المقاعد الى شعار ضرورة المقعد للمشاركة في الحكومة .

والأخطر من تراجع المقاعد نتيجة ماحصل هو تراجع شعور المناضلين بأن الحزب ما زال يوفر لهم مجالاً حقيقياً للصعود والمشاركة والتأثير. فانسحاب المناضل لا يعني فقدان صوت فقط، بل فقدان وسيط سياسي واجتماعي يربط الحزب بالمجتمع، وهو ما يجعل الأزمة أعمق من مجرد أزمة انتخابية وازمة مقاعد.

«الخطيئة الأولى» لا تختزل في قرار حزبي واحد يمكن تجاوزه

وعليه، فإن «الخطيئة الأولى» لا تختزل في قرار حزبي واحد يمكن تجاوزه، بل في تحول تدريجي في طبيعة العلاقة بين الحزب والمجتمع، بحيت انتقل الحزب من فضاء لإنتاج النخب وتكوين المناضلين والتعبير عن المطالب الاجتماعية إلى فضاء يغلب عليه التنافس على المواقع والمقاعد.

إن التحدي الحقيقي أمام الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ليس فقط استعادة المقاعد، بل استعادة الثقة والمعنى والوظيفة الاجتماعية للحزب. فالمقعد يمكن اكتسابه في دورة انتخابية، بينما يحتاج بناء المناضل إلى سنوات، وبناء الثقة إلى أجيال.

العودة إلى المجتمع لا تتم بالحملة الانتخابية وحدها

لذلك فإن العودة إلى المجتمع لا تتم بالحملة الانتخابية وحدها، ولا بالمرشح القادر على تحقيق نتيجة سريعة، ولا باستدعاء الذاكرة التاريخية، وإنما بإعادة بناء التنظيم، والاعتبار للمناضل، واستعادة الثقة في العمل السياسي، وإنتاج خطاب قادر على مخاطبة التحولات الاجتماعية الجديدة وخلق جسور حقيقية مع مكونات الساحة السياسية بهذف ترسيخ العدالة الاجتماعية والحقوق والحريات.

فالأحزاب لا تعيش بتاريخها فقط، وإنما بقدرتها على إنتاج مستقبلها. ومن ثم فإن تجاوز أزمة الاتحاد الاشتراكي يقتضي البحث عن المعنى والهوية قبل البحث عن المقعد، وعن المناضل قبل المرشح، وعن إعادة بناء العلاقة مع المجتمع قبل البحث عن النتيجة الانتخابية.

هل كانت «الخطيئة الأولى» مجرد مرحلة سياسية عابرة

ويبقى السؤال المركزي هل كانت «الخطيئة الأولى» مجرد مرحلة سياسية عابرة، أم أنها شكلت بداية تحول عميق في علاقة الحزب بالطبقات الاجتماعية التي صنعت قوته التاريخية؟ إن الإجابة لا توجد فقط داخل مقر العرعار، وإنما في المسافة التي تفصل اليوم بين الاتحاد الاشتراكي والجماهير التي كان، في مرحلة سابقة، يعتبر نفسه صوتاً لها.

*دكتور في العلوم السياسية

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts