الإعلام العربي وقضية خاشقجي.. بين “الرواية المتناقضة” و”النكاية”

سلّطت قضية خاشقجي الضوء على المفارقة في التغطية الإعلامية في العالم العربي، بين تبني روايات السلطة وإن كانت متناقضة، وبين تغطية “لا تخلو من شماتة ونكاية سياسية”، كما يرى خبراء إعلاميون.

منذ مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في الثاني من أكتوبر في قنصلية بلاده في اسطنبول، وبلاده تقدم روايات متضاربة بخصوص “وفاته”، إذ نفت مقتله في البداية قبل أن تقر به بعد 18 يوماً، وسط موجة غضب دولية تقودها وسائل الإعلام العالمية، أبرزها صحيفة واشنطن بوست التي كان يكتب فيها خاشقجي بعد أن اختار الولايات المتحدة منفى اختياري له عقب تركز النفوذ في السعودية بيد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
ونتيجة الافتقار إلى أدلة مقنعة على مدى أسابيع في مقابل ما يقوله المسؤولون الأتراك منذ البداية من أن خاشقجي قد قُتل وتم تعذيبه، اهتزت الثقة العالمية بالسعودية، وسط مطالب بطرد دبلوماسيين سعوديين من بعض الدول، بالإضافة إلى وقف تصدير الأسلحة لأكبر مصدر نفط في العالم، كما قررت الحكومة الألمانية.
وبعدما نفت السعودية على مدى أسبوعين أي تورط لها في اختفاء الصحفي، قالت المملكة قبل يومين إن خاشقجي، الذي كان ينتقد ولي العهد السعودي، توفي في شجار بالقنصلية، وبعد ذلك، عزا مسؤول سعودي آخر وفاته إلى الخنق.

“الإعلام انعكاس للوضع السياسي”
الروايات السعودية المتضاربة تبنتها وسائل الإعلام الممولة من السعودية أو من حلفائها، فيما جوبهت تلك الروايات بتغطية إعلامية مضادة من قبل بعض وسائل الإعلام الأخرى، ومنها الوسائل الممولة من قطر التي حوصرت من قبل السعودية وحلفائها في يونيو 2017.
ويرى الخبير الإعلامي حافظ الميرازي أن قضية خاشقجي سلطت الضوء أكثر على المفارقة في التغطية الإعلامية العربية للقضايا، ويضيف في حديث لـDWعربية: “الإعلام هو انعكاس للوضع السياسي القائم في دول العالم العربي، وخصوصاً في الدول التي فيها استقطاب من الحلفين: التركي القطري من طرف والسعودي الإماراتي من طرف آخر”، مضيفاً أن وسائل الإعلام المستقلة في العالم العربي أصبحت “نادرة” ومحصورة في دول ديمقراطية مثل تونس مثلاً.
من جانبه يعتبر أستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت في رام الله نشأت الأقطش أن الاهتمام “فوق العادي” بقضية خاشقجي يفسر على أن هناك “مراكز قوى” تقف وراءها، مشيراً إلى أنه يستغرب من الاهتمام الزائد بقضية خاشقجي رغم وجود العديد من القضايا المتعلقة بقمع الصحفيين وانتهاك حقوق الإنسان في العالم العربي.

ورغم نفي وزير الخارجية السعودي عادل الجبير علم ولي العهد السعودي بقضية مقتل خاشقجي، إلا أن قناة الجزيرة القطرية التي كان إغلاقها أحد شروط السعودية لرفع الحصار عن قطر، تتبنى منذ بداية اختفاء خاشقجي رواية أنه قتل وأن محمد ابن سلمان هو “قاتل” خاشقجي.
أحد الأمثلة على ذلك هو مقال تحليلي للجزيرة بعنوان: “محمد بن سلمان ودماء خاشقجي.. هل من طوق نجاة؟”
ومما جاء في المقال: “مع اقتراب رائحة القتل المروع من دائرة الأمير المتهور -كما يوصف- تجد المملكة نفسها معنية بالقيام بكل ما يمكن لإنقاذ نفسها وولي عهدها من تهمة القتل العابر للحدود”.
ورغم أن الجزيرة “تهتم بقضايا الصحفيين الذين يتم تغييبهم”، كما يقول نشأت الأقطش، إلا أنه لا يخفي أن هناك “تصفية حسابات” وراء تغطية الجزيرة لقضية خاشقجي.
ويعتقد الميرازي أن الجزيرة حتى الآن “محظوظة وموفقة” في تغطيتها لقضية خاشقجي، إلا أنه يراها “غير صادقة”، ويضيف: ” الجزيرة ليست صادقة في تغطيتها لأن الصدق هو التجرد من الدوافع السياسية”، مضيفاً أن تغطية الجزيرة لا تخلو من “الشماتة والنكاية السياسية”.

“تبني الروايات السعودية المتناقضة”
وفي المقابل لتغطية الجزيرة “المبالغ فيها جداً”، بحسب الميرازي، فإن هناك محاولات “تمويه” لإخفاء الحقيقة من قبل وسائل الإعلام الممولة من السعودية والإمارات مثل العربية وسكاي نيوز العربية، كما يقول الخبير الإعلامي.
وقد تبنت كل من العربية وسكاي نيوز عربية الروايات السعودية المتناقضة، فبعد أن كانت تنفي موت خاشقجي، متهمة وسائل الإعلام “القطرية” بنشر أخبار مضللة، عادت بعد الإقرار السعودي بموت خاشقجي لتركز على مسألة “محاسبة المتورطين” مع التأكيد على عدم علاقة ولي العهد السعودي بالموضوع.

ويرى الأقطش أن تغطية الجزيرة للقضية هي أكثر موضوعية واتزاناً من تغطية قناتي العربية السعودية وسكاي نيوز الإماراتية، واللتان “فقدتا مصداقيتهما”، حسبما يرى الخبير الإعلامي.
يقول الأقطش: “من الطبيعي أن تتبنى القنوات السعودية رواية الدولة، فهي تابعة لها وتأخذ أموالها منها”.

“ذباب إلكتروني لتصيد المعارضين”
وبالإضافة إلى القنوات الإعلامية الرسمية التي تتبنى كل رواية تقولها السعودية، فإن “جيشاً إلكترونياً” سعودياً يدعم هذه الروايات.
وقد كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن وجود جيش إلكتروني سعودي على وسائل التواصل الاجتماعي (يعرف بالذباب الإلكتروني) يقوم بتصيد وتعقب المعارضين وخرق حساباتهم والكشف عن خصوصياتهم من أجل إلقاء القبض عليهم.

وبحسب الصحيفة فإن مقر هذا الجيش الذي يعرف بـ”مزرعة التصيد” يقع في الرياض، وكان تأسيسه بالأساس فكرة المستشار السابق في الديوان الملكي السعودي سعود القحطاني الذي أقيل في إطار “التحقيقات السعودية” في مقتل خاشقجي.
كما كشفت صحف إسرائيلية أن قضية خاشقجي تشكل “كارثة” للعلاقات الأمريكية والإسرائيلية مع السعودية، ونشرت صحيفة هاآرتس الإسرائيلية مقالاً تحليلياً بعنوان “لماذا بعض الأصوات المناصرة لإسرائيل تتحدث ضد خاشقجي”، وذلك نقلاً عن معهد “جويش تيليغرافيك آيجنسي” المتخصص بالشؤون الإسرائيلية.

“الخاسرون هم العرب”
يشرح المقال كيف أن بعض الأطراف الإسرائيلية تحاول تشويه سمعة خاشقجي وتصويره على أنه كان “مؤيداً للإرهاب الفلسطيني” و”معادياً لإسرائيل”، وعلّل الكاتب تلك المحاولات بعدة عوامل أهمها الرغبة الأمريكية الإسرائيلية بإبقاء السعودية لاعباً في استمرار عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية (صفقة القرن)، خصوصاً وأن جاريد كوشنر، صهر ترامب، يرى محمد بن سلمان “مفتاحاً” لتطوير اقتراحه لـ”عملية السلام” بين إسرائيل وفلسطين.
أما العوامل الأخرى، بحسب الصحيفة فهي، تنمية التنسيق مع السعودية في الحرب الدبلوماسية ضد إيران بالإضافة إلى الحفاظ على المملكة كـ”حصن” ضد الأشكال العنيفة لـ”الإسلام المتطرف”. ويرى حافظ الميرازي، الذي عمل في كل من الجزيرة والعربية، أن على وسائل الإعلام العربية أن تنظر لصحيفة واشنطن بوست كنموذج، ويضيف: “رغم أن واشنطن بوست مملوكة لصاحب شركة أمازون جيف بيزوس الذي له استثمارات في السعودية، إلا أن بيزوس لم يتدخل في تغطية قضية خاشقجي”.

أما فيما يتعلق بالتساؤلات حول الخاسر في الحرب الإعلامية في قضية خاشقجي، فيقول المختار الغزيوي مدير نشر صحيفة الأحداث المغربية، والمعروفة بقربها من الدولة “الآخرون (وليس العرب) هم المنتصرون”، معتبراً أن “المنتصرين من قضية خاشقجي هما ترامب وأردوغان”، مشيراً إلى أن ذلك، يضاف لسلسلة الهزائم العربية، وقال: “كالعادة انهزمت الأمة الماجدة ذات الرسالة الخالدة”.

Total
0
Shares
المنشورات ذات الصلة