بعد وعكة السبسي .. كيف تتأهب تونس لمرحلة انتقالية؟

لم تستطع الطبقة السياسية التونسية تجاوز خلافاتها لانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية المخولة بإعلان شغور منصب رئيس الجمهورية. لكن إشاعات وفاة السبسي فتحت النقاش مجددا حول خلافته، في ظل تحديات اقتصادية وسياسية تواجهها البلاد.

وعاش التونسيون يوما من الترّقب، بعد تزامن حدثين عصيبين، الأول وقوع تفجيرين انتحاريين خلفا قتيلا وعدة جرحى بين عناصر الأمن، ثم إعلان نقل الرئيس الباجي قايد السبسي إلى المستشفى بعد وعكة صحية، وتواتر أنباء عن وفاته قبل أن تنفيها رئاسة الدولة بشكل قاطع وتؤكد تماثله تدريجياً للشفاء.

وفي الوقت الذي لم تصل فيه الخسائر البشرية في التفجيرين إلى ما عانته تونس عام 2015 من هجمات إرهابية، فإن صحة الرئيس تثير جدلاً واسعاً في البلاد، ليس فقط لاقترابه من عامه الـ93، مع ما يرافق ذلك من آثار الشيخوخة، ولكن كذلك لضبابية المشهد الرئاسي في حالة حدوث مرحلة انتقالية، إذ لم تنجح البلاد في انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، التي تضطلع بدور إدارة المرحلة المرافقة لشغور منصب رئيس البلاد.

وتزداد التحديات جسامةً بالنظر إلى الانقسام المستمر داخل الأحزاب السياسية، وتراجع التوافق بينها، حتى المتقاربة إيديولوجيًا، مع ما يرافق ذلك من أزمات داخلية تعصف بمجموعة من القوى. كما تؤثر التحديات الاقتصادية على البلاد، وذلك مع استمرار البطالة وارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية، ما جعل البلاد تواجه احتجاجات اجتماعية كادت تعصف أكثر من مرة بالنظام السياسي لما بعد الثورة.

تحدّي المحكمة الدستورية

تحسباً لشغور منصب الرئيس لأسباب “تحول دون تفويضه سلطاته”، ينصّ الدستور التونسي، في المادة 84، على إقرار المحكمة الدستورية بوجود شغور مؤقت، يحلّ بموجبه رئيس الحكومة محلّ رئيس الجمهورية، في مدة لا تتجاوز 60 يوما. أما إذا وصل الأمر إلى شغور نهائي، فالمحكمة الدستورية تبلغ ذلك إلى رئيس مجلس النواب الذي “يتولى فورا مهام رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة لأجل أدناه 45 يوما وأقصاه 90 يوما”. وتشير المادة 86 إلى أنه خلال هذه المدة الرئاسية المؤقتة، “يُنتخب رئيس جمهورية جديد لمدة رئاسية كاملة”.

بيدَ أن الخلل الذي يعرقل تنفيذ كل هذا، هو عدم انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، رغم أنه كان مفروضا أن يتم ذلك عام 2015. وفي هذا السياق، يقول الإعلامي والمحلّل السياسي، صلاح الدين الجورشي إن “المحاصصة الحزبية، والخلافات الضيقة بين هذه الأطراف، حالتا دون التوصل إلى اتفاق حول المرشحين لعضوية هذه المحكمة”، متحدثا لـ DW عربية عن أن “الأحزاب التونسية بدأت بعد الثورة في ممارسة نفوذ كبير في تدبير الشأن العام بشكل لم تعهده، وقد رافق ذلك توازن عدد منها في القوة، ما جعلها تحاول كسب بعض المؤسسات لصالحها، ومن ذلك المحكمة الدستورية”.

وحسب المادة 118 من الدستور التونسي، تتكون المحكمة الدستورية من 12 عضوا، يعينّهم بالتساوي كل من رئيس الجمهورية، ومجلس نواب الشعب، والمجلس الأعلى للقضاء. ويتم تجديد ثلث أعضاء المحكمة كل ثلاث سنوات، وينتخبون بينهم الرئيس ونائبه.

ويشير عادل اللطيفي، أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة باريس، لـ DW عربية إلى أن على الأحزاب التونسية أن تتعظ من الوعكة الصحية التي أصابت الرئيس لوقف تعطيل انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، مشيراً في الآن ذاته، أن هذه الأحزاب “ستحاسب أخلاقيا وشعبيا على هذا التعطيل، وذلك بتراجع علاقتها مع المنظمات المدنية، وبتصويت عقابي من الشعب ضدها في الانتخابات القادمة، ما دام الشعب واعِ أن تعطيل انتخاب محكمة لديها دور كبير في انتقال السلطة، تسبب في فراغ دستوري من شأنه التأثير سلباً على استمرارية الدولة”.

إلا أن تونس لا تعدم خيارات أخرى لتجاوز مأزق غياب هذه المحكمة، إذ يرى اللطيفي أن ما تمتاز به البلاد من “تجذر الثقافة الدستورية، ومن توفرها على نخب قانونية” يتيحان إيجاد حلول بمنطق العقلية الدستورية وليس بالضرورة النص الدستوري، ومن ذلك أن يتولى البرلمان دور المحكمة الدستورية في إعلان شعور مؤقت أو دائم لمنصب الرئيس، بما أن هذه المحكمة هي في الأصل نتيجة للبرلمان.

أوضاع حزبية مترّدية

رغم ديمقراطيتها الفتية، ونجاحها في تجاوز تداعيات الربيع العربي، إلا أن تونس عانت بعد الثورة من صدامات حزبية واسعة، وصل بعضها إلى داخل هذه الأحزاب، ومن ذلك الانشقاقات داخل حزب “نداء تونس” الذي أسسه الباجي قايد السبسي، وحالة التفكك الكبيرة التي وصلت إليها الجبهة الشعبية، أكبر ائتلاف لليسار، فضلاً عن تراجع الامتداد الانتخابي للإسلاميين، ومنهم حزب النهضة.

“الحالة الحزبية في تونس تتسم بالضعف والانقسام، والمشهد العام يؤكد عدم استطاعة الأحزاب التونسية إدارة المشهد السياسي”، يقول الجورشي، مشيراً إلى أن البلاد تشهد بداية انهيار للمنظومة الحزبية، وهو ما قد يلقي بظلاله على الانتخابات التشريعية القادمة، إذ سيجد التونسيون أنفسهم أمام برلمان جديد “فسيفسائي متوزع على أحزاب صغيرة أو متوسطة الحجم، ما قد يؤثر سلباً على إنشاء حكومات قادرة على الصمود أمام التحديات الاقتصادية”.

من جهته يخلص اللطيفي إلى أن البرلمان لم يكن بحجم التحديات المطروحة، و”عجز عن بناء جلّ المؤسسات الدستورية”. إلّا أنه مع ذلك، يستدرك ويؤكد على “تمكّن حركية المجتمع المدني والمنظمات النقابية والحقوقية من انفتاح العملية السياسية خارج دائرة الأحزاب، وهو ما يقلّل المخاوف من تداعيات أي مرحلة انتقالية قادمة، خاصة أن التونسيين تجاوزوا هذه المرحلة بنجاح بعد سقوط نظام بن علي”، وفق قوله.

انتخابات رئاسية على ضوء تحديات جمة

مقابل النجاح النسبي للأجهزة الأمنية التونسية في تطويق الخطر الإرهابي، ومن ذلك ملاحقة الجهاديين وتشديد المراقبة على الحدود مع ليبيا، فإن البلاد لا تزال تعيش على إكراهات اقتصادية، من معالمها أن راتب الموظف التونسي لم يعد يكفيه سوى لأسبوع واحد، حسب تقرير تونسي رسمي.

ومع انتظار انتخابات رئاسية نهاية العام الجاري تفتح المجال أمام رئيس جديد، في ظل إعلان الباجي قايد السبسي عدم نيته الترّشح مجددا، ستترجم صناديق الانتخابات توجهات التونسيين سواء في استمرار أسماء معروفة من الأحزاب الممثلة في البرلمان، أو اختيار أسماء أخرى “مستقلة” تحمل شعارات غير مسبوقة. ويرى الجورشي أن بروز أسماء خارج المنظومة الحزبية “يؤكد بالفعل وجود أزمة ثقة في السياسيين، ويعكس الهاجس الذي يحكم الانتخابات القادمة وهو قلق التونسيين على استمرار تدهور القدرة الشرائية”.

وبدوره، لا يستبعد اللطيفي أن يحدث تصويت عقابي ضد الأحزاب التي تولت المشهد السياسي بما أن هذه الأحزاب “لم تعط صورة جيدة عن الديمقراطية”. ويستدل المتحدث على رأيه بكون عدد من استطلاعات الرأي بيّنت صعود نجم شخصيتين خارج هذه الأحزاب، واحدة “احتالت على القوانين للترشح وأخرى دخلت بأموال من الخارج”، هما معا ليسا ” في مستوى قوة منصب رئيس الدولة، وهو ما يعطي صورة كاريكاتورية عن البلاد”.

Total
0
Shares
المنشورات ذات الصلة